الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

جامع الدروس العربية للغلايينى المجلد الأول

جامع الدروس العربية للغلايينى المجلد الأول

  اسم الكتاب ـ جامع الدروس العربية
المؤلف: مصطفى بن محمد سليم الغلايينى (ت ١٣٦٤هـ)
الناشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت
الطبعة: الثامنة والعشرون، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الموضوع: علم النحو
عدد المجلدات    3
عدد الصفحات    902

 فهرست الموضوعات 

  1. (المقدمة)
    1.     (1- اللغة العربية وعلومها)
    2.     (2- الكلمة وأقسامها)
    3.     (3- المركبات وأنواعها وإعرابها)
    4.     (4- الإعراب والبناء)
    5.     (5- الخلاصة الإعرابية)
  2. (الفعل وأقسامه)
    1.     (الماضي والمضارع والأمر)
    2.     (الفعل المتعدي)
    3.     (الفعل اللازم)
    4.     (المعلوم والمجهول)
    5.     (الصحيح والمعتل)
    6.     (المجرد والمزيد فيه)
    7.     (الجامد والمتصرف)
    8.     (فعلا التعجب)
    9.     (أفعال المدح والذم)
    10.     (نونا التوكيد مع الفعل)
  3. (الاسم وأقسامه)
    1.     (الموصوف والصفة)
    2.     (المذكر والمؤنث)
    3.     (المقصور والممدود والمنقوص)
    4.     (اسم الجنس واسم العلم)
    5.     (الضمائر وأنواعها)
    6.     (أسماء الاشارة)
    7.     (الأسماء الموصولة)
    8.     (أسماء الاستفهام)
    9.     (أسماء الكناية)
    10.     (المعرفة والنكرة)
    11.     (اسماء الأفعال)
    12.     (أسماء الأصوات)
    13.     (شبه الفعل من الأسماء)
  4. (تصريف الأفعال)
    1. (معنى التصريف)
    2.     (اشتقاق الأفعال)
    3.     (موازين الأفعال)
    4.     (تصريف الفعل مع الضمائر)
  5. العودة الي كتاب جامع الدروس العربية للغلاييني 

  (المقدمة)


(1- اللغة العربية وعلومها)


اللغةُ ألفاظٌ يُعبرُ بها كل قومٍ عن مقاصدهم

واللغاتُ كثيرةٌ. وهي مختلفةٌ من حيثُ اللفظُ، متحدةٌ من حيث المعنى، أي أن المعنى الواحدَ الذي يُخالجُ ضمائرَ الناس واحد.

ولكنّ كلّ قومٍ يُعبرون عنه بلفظٍ غير لفظ الآخرين.

واللغةُ العربيةُ هي الكلماتُ التي يُعبرُ بها العربُ عن اغراضهم. وقد وصلت إلينا من طريق النقل. وحفظها لنا القرآن الكريم والاحاديث الشريفة، وما رواهُ الثِّقات من منثور العرب ومنظومهم.

العلوم العربية

لما خشيَ أهلُ العربية عن ضياعها، بعد ان اختلطوا بالأعاجم، دوَّنوها في المعاجم (القواميس) وأصَّلوا لها اصولا تحفظها من الخطأ. وتسمى هذه الأصولُ "العلوم العربية" .

فالعلومُ العربية هي العلوم التي يتوصلُ بها إلى عصمة اللسان والقلم عن الخطأ. وهي ثلاثة عشر علماً "الصرفُ، والإعرابُ (ويجمعهما اسمُ النحو) ، والرسمُ، والمعاني، والبيان، والبديع، والعَروض، والقوافي، وَقرْضُ الشعر، والإنشاء، والخطابة، وتاريخُ الأدب، ومَتنُ اللغة" .

الصرف والاعراب

للكلمات العربية حالتان حالةُ إفرادٍ وحالة تركيب.

فالبحثُ عنها، وهي مُفردةٌ، لتكون على وزن خاصٍّ وهيئة خاصة هو من موضوع "علم الصرف" .

والبحثُ عنها وهي مُركبةٌ، ليكونَ آخرُها على ما يَقتضيه مَنهجُ العرب في كلامهم - من رفعٍ، أو نصبٍ، أو جرّ، أو جزمٍ، أو بقاءٍ على حالةٍ واحدة، من تَغيُّر - هو من موضوع "علم الإعراب" .

فالصرف علمٌ بأصولٍ تُعرَف بها صِيغُ الكلمات العربية واحوالُها التي ليست بإعراب ولا بناء.

فهو علمٌ يبحثُ عن الكَلِم من حيثُ ما يَعرِضُ له من تصريف وإعلال وإدغام وإبدال وبهِ نعرِف ما يجب أن تكون عليهِ بنيةُ الكلمة قبلَ انتظامها في الجملة.

وموضوعهُ الاسمُ المتمكن (أي المُعرَبُ) والفعلُ المُتصرِّف. فلا يبحث عن الأسماء المبنيَّة، ولا عن الأفعال الجامدة، ولا عن الحروف.

وقد كان قديماً جزءًا من علم النحو. وكان يُعرف النحوُ بأنه علم تُعرَفُ به أحوالُ الكلماتِ العربية مُفردةً ومُرَكبة.

والصرف من أهمّ العلوم العربية. لأن عليه المُعوّلَ فى ضَبط صِيَغ الكَلِم، ومعرفةِ تصغيرها والنسبةِ إليها والعلمِ بالجموع القياسيّة والسماعية والشاّة ومعرفةِ ما يعتري الكلماتِ من إعلالٍ أو إدغامٍ أو إبدال، وغيرِ ذلك من الأصول التي يجب على كل أديب وعالم أن يعرفها، خشيةَ الوقوع في أخطاء يقَعُ فيها كثيرٌ من المتأدبين، الذين لاحظَّ لهم من هذا العلم الجليل النافع.

والإعرابُ (وهو ما يُعرف اليوم بالنحو) علمٌ بأصولٍ تُعرف بها أحوالُ الكلمات العربية من حيث الإعرابُ والبناء. أي من حيث ما يَعرضُ لها في حال تركيبها. فبهِ نعرِف ما يجب عليه أن يكون آخرُ الكلمة من رفع، أو نصب، أو جرّ أو جزمٍ، أو لزومِ حالةٍ واحدةٍ، بَعد انتظامها في الجملة.

ومعرفته ضرورية لكل من يُزاول الكتابة والخطابة ومدارسة الآداب العربية.


(2- الكلمة وأقسامها)

الكلمةُ لفظٌ يدُّل على معنىً مُفردٍ.

وهي ثلاثةُ أقسام اسمٌ، وفعل، وحرف.

الاسم

الاسمُ ما دلَّ على معنىً في نفسه غير مُقترِنٍ بزمان كخالد وَفرَسٍ وعُصفورٍ ودارٍ وحنطةٍ وماء.

وعلامته أن يَصحّ الإخبارُ عنه كالتاء من "كتبتُ" ، والالف من "كتبَا" والواو من "كتبوا" ، أو يقبلَ "ألْ" كالرجل، أو التنوين، كفرَس، أو حرفَ النداء كيا أيُّها الناسُ، أو حرفَ الجرِّ كاعتمد على من تثِقُ به.

التنوين

التَّنوين نونٌ ساكنة زائدة، تَلحقُ أواخرَ الأسماء لفظاً، وتفارقُها خطاً ووَقعاً وهو ثلاثة اقسام

الأول تنوينُ التمكين وهو اللاحق للأسماء المُعرَبة المنصرفة كرجُلٍ وكتابٍ. ولذلك يُسمَّى "تنوينَ الصرف" أيضاً.

الثاني تنوينُ التَّنكير وهو ما يلحقُ بعضَ الاسماء المبنيَّة كاسم الفعل والعَلَم المختومِ به "وَيْه" فَرْقاً بين المعرفة منهما والنكرة، فما نُوِّنَ كان نكرةً. وما لم ينوَّن كان معرفة. مثلُ "صَه وصَهٍ ومَه ومَهٍ وإيه وإيهٍ" ، ومثلُ "مررتُ بسيبويه وسيبويهٍ آخرَ" ، أي رجلٍ آخرَ مُسمَّى بهذا الاسم.

(فالاول معرفة والآخر نكرة لتنوينه وإذا قلت "صه" فانما تطلب الى مخاطبك ان يسكت عن حديثه الذي هو فيه. واذا قلت له "مه" فأنت تطلب اليه ان يكف عما هو فيه واذا قلت له "ايه" فأنت تطلب منه الاستزادة من حديثه الذي يحدثك اياه. اما ان قلت له "صه ومه وايه" بالتنوين، فانما تطلب من السكون عنً كل حديث والكف عن كل شيء، والاستزادة من حديث اي حديث) .

الثالث تنوين العِوض وهو إما أن يكون عِوَضاً من مُفرد وهو ما يَلحقُ "كلاً وبعضاً وأيّاً" عوضاً مما تَضاف اليه، نحوُ "كلُّ يموت" أي كلُّ إنسان. ومنه قولُهُ تعالى {وكُلاًّ وعدَ اللهُ الحُسنى} وقوله تِلكَ

الرُّسُلُ فَضَّلنا بعضَهم على بعضٍ ، وقوله {أياً ما تدْعُوا فله الأسماء الحُسنى} .

وإمَّا أن يكون عِوَضاً من جملة وهو ما يَلحقُ "إذْ" ، عوضاً من جملةٍ تكون بعدها، كقوله تعالى {فَلَوْلا إِذْ بلغت الروحُ الحُلقوم، وأنتم حينئذٍ تَنظرُون} أي حينَ إذْ بلغت الروحُ الحلقوم.

وإمّا أن يكون عِوضاً من حرف. وهو ما يَلحقُ الأسماء المنقوصة الممنوعَة من الصَّرف، في حالتي الرفع والجرّ، عِوَضاً من آخرها المحذوف كجَوارٍ وغَواشٍ وعَوادٍ واعَيمٍ (تصغير أعمى) وراجٍ (علم امرأة) ونحوها من كل منقوص ممنوع من الصرف. فتنوينُها ليس تنوينَ صَرفٍ كتنوين الأسماء المنصرفة. لأنها ممنوعة منه، وإنما هو عِوضٌ من الياء المحذوفة. والأصل "جَواري وَغواشي وعَوادي وأَعيمي وراجِي" .

أما في حال النصب فتُرد الياء وتُنصب بلا تنوينٍ، نحو "دفعتُ عنك وعواديَ. أكرمتُ أَعيميَ فقيراً. علَّمت الفتاةَ راجِيَ" .

الفعل

الفعل ما دلّ على معنىً فى نَفْسه مُقترِن بزمانٍ كجاءَ ويَجيءُ وجيءَ.

وعلامته أن يقبلَ "قَدْ" أو "السينَ" أو سوْف "، أو" تاءَ التأنيثِ الساكنة،، أو "ضميرَ الفاعل "، أو" نون التوكيدِ" مثلُ قد قامَ. قدْ يقومُ. ستذهبُ. سوف نذهبُ. قامتْ. قمت. قمتِ. لِيكتبنّ. لَيكتبَنّ. اكتُبّن. اكتبَنْ "."

الحرف

الحرفُ ما دلّ على معنىً في غيره، مثلُ "هَلْ وفي ولم وعلى وإنَّ ومِنْ" . وليس له علامةٌ يَتميَّزُ بها، كما للاسمِ والفعل.

وهو ثلاثةُ أقسام حرفٌ مُختصٌّ بالفعل بالاسم كحروف الجرِّ، والأحرف التي تنصبُ الاسمَ وترفعُ الخبر. وحرفٌ مُشتركٌ بينَ الأسماء والأفعال كحروف العطف، وحرفيِ الاستفهام.


(3- المركبات وأنواعها وإعرابها)

المُركبُ قولٌ مؤلفٌ من كلمتين أو أكثرَ لفائدة، سواءٌ أكانت الفائدةُ تامةً، مثلُ "النجاةُ فى الصدق" ، أم ناقصةٌ، مثل "نور الشمس. الإنسانية الفاضلة. إن تُتقِن عَمَلك" .

والمركبُ ستةُ أنواعٍ إسناديٌّ وإضافيٌّ وعطفيٌّ ومزجيٌّ وعدَديٌّ.

(1) المركب الاسنادي او الجملة

الإسنادُ هو الحكمُ بشيءٍ، كالحكم على زُهير بالاجتهاد في قولك "زُهيرٌ مجتهد" .

والمحكومُ به يُسمى "مُسنَداً" . والمحكومُ عليه يُسمى "مُسنَداً إليهِ" .

فالمسنّدُ ما حكمتَ به على شيءٍ.

والمسندُ إليه ما حكمت عليه بشيءٍ.

والمُركبُ الاسنادي (ويُسمى جُملةً أيضاً) ما تألفَ من مَسندٍ ومُسندٍ إليه، نحوُ "الحلمُ زينٌ. يُفلحُ المجتهدُ" .

(فالحلم مسند اليه، لانك اسندت غليه الزين وحكمت عليه به. والزين مسند، لانك اسندته الى الحلم وحكمت عليه به. وقد اسندت الفلاح الى المجتهد، فيفلح مسند، والمجتهد مسند اليه) .

والمسندُ إليه هو الفاعلُ، ونائبهُ، والمبتدأ، واسم الفعلِ الناقص، واسمُ الأحرف التى تعملُ عملَ "ليس" واسمُ "إن" وأخواتها، واسمُ "لا" النافية للجنس.

فالفاعلُ مثلُ "جاء الحق وزهقَ الباطل" .

ونائبُ الفاعل مثل "يعاقبُ العاصون، ويثابُ الطائعون" .

والمبتدأُ مثل "الصبرُ مفتاحُ الفرَجِ" .

واسمُ الفعلِ الناقص مثلُ "وكان اللهُ عليماً حكيماً" .

واسمُ الأحرفِ التى تعملُ عملَ "ليس" مثلُ "ما زُهيرٌ كَسولا. تَعزّ فلا شيءٌ على الارض باقياً. لاتَ ساعةَ مندَمِ. إنْ أحدٌ خيراً من أحدٍ إلا بالعلمِ والعمل الصالح" .

واسمُ "إنّ" مثلُ {إن اللهَ عليمٌ بذات الصدور} .

واسمُ "لا" النافية للجنس مثل {لا إلهَ إلا اللهُ} .

والمسندُ هو الفعلُ، واسمُ الفعل، وخبرُ المبتدأ، وخبرُ الفعل الناقص، وخبرُ الأحرف التي تعملُ عملَ (ليس) وخبرُ "إن" واخواتها.

وهو يكونُ فعلاً، مثل {قد أفلحَ المؤْمنون} ، وصِفة مُشتقَّة من الفعل، مثلُ "الحق أبلجُ" واسماً جامداً يتضمنُ معنى الصفة المشتقة، مثل "الحقُ نورٌ، والقائمُ به أسدٌ" .

(والتأويل (الحق مضيء كالنورِ، والقائم به شجاع كالاسد) .

(وسيأتي الكلام على حكم المسند والمسند اليه فى الاعراب، في الكلام على الخلاصة الاعرابية) .

الكلام

الكلامُ هو الجملةُ المفيدةُ معنىً تاماً مُكتفياً بنفسه، مثل "رأس الحكمةِ مخافةُ الله. فاز المُتَّقون. من صدَق نجا" .

(فان لم تفد الجملة معنى تاماً مكتفياً بنفسه فلا تسمى كلاما، مثل (ان تجتهد في عملك) فهذه الجملة ناقصة الافادة، لان جواب الشرط فيها غير مذكور، وغير معلوم، فلا تسمى كلاما فان ذكرت الجواب فقلت "ان تجتهد في عملك تنجح، صار كلاما) ."

(2) المركب الاضافي

المرَّكب الإضافيُّ: ما تركَّبَ من المضاف والمضاف إليه، مثل: "كتاب التلميذ. خاتم فضةٍ. صوْم النهار" .

وحكمُ الجزء الثاني منه أنه مجرورٌ أبداً كما رأيتَ.

(3) المركب البياني

المركَّبُ البياني كلُّ كلمتين كانت ثانيتُهما مُوضحةً معنى الأولى. وهو ثلاثةُ أقسام

مُركَّبٌ وصفي وهو ما تألفَ من الصفة والموصوف، مثل "فاز التلميذُ المجتهدُ. أكرمتُ التلميذَ المجتهدَ. طابت اخلاقُ التلميذِ المجتهدِ" .

ومركَّبٌ توكيديٌّ وهو ما تألفَ من المؤكِّد والمؤكَّد، مثل "جاء القومُ كلُّهُم. أكرمتُ القومَ كُلَّهم، أحسنتُ إلى القوم كلِّهم" .

ومركَّبٌ بدَليٌّ وهو ما تألف من البَدَل والمُبدَل منه، مثل "جاء خليلٌ أخوك. رأيت خليلاً أخاك. مررت بخليلٍ أخيكَ" .

وحكمُ الجزء الثاني من المركَب البياني أن يتبعَ ما قبله فى إعرابه كما رأيتَ.

(4) المركَّب العطفيُّ

المركَّب العطفيُّ ما تألف من المعطوف والمعطوف عليه، بِتوسُّط حرف العطف بينهما، مثل "ينالُ التلميذُ والتلميذةُ الحمَ والثَّناء، إذا ثابرا على الدرس والاجتهاد" .

وحُكمُ ما بعدَ حرف العطف أن يتبعَ ما قبله في إعرابه كما رأيت.

(5) المركب المزجي

المركَّبُ المزْجيُّ كلّ كلمتين ركّبتا وجُعلتا كلمةً واحدة، مثل "بعلبكْ وبيت لحمْ وحضْرموت وسيبويه وصباح مساء وشذر مذر" .

وإن كان المركبُ المزجيّ علماً أعرب إعراب ما لا ينصرفُ، مثل "بعلبكْ بلدةٌ طيبةُ الهواء" و "سكنتُ بيت لحم" و "سافرتُ إلى حضْرموْت" .

إلاّ إذا كان الجزءُ الثاني منه كلمة "ويْه" فإنها تكونُ مبنيَّة على الكسر دائماً، مثل "سيبويه عالمٌ كبيرٌ" مو "رأيتُ سيبويه عالماً كبيراً" و "قرأتُ كتاب سيبويه" .

وإن كان غير علم كان مبنيّ الجزءين على الفتح، مثل "زُرْني صباح مساء" و "أنت جاري بيت بيت."

(6) المركب العددي

المركَّبُ العددي من المركبَّات المزجية، وهو كل عددين كان بينهما حرفُ عطفٍ مُقدَّر. وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر، ومن الحادي عشر الى التاسع عشر.

(أما واحد وعشرون الى تسعة وتسعين، فليست من المركبات

العددية. لان حرف العطف مذكور، بل هي من المركبات العطفية) .

ويجبُ فتحُ جزءَي المركب العدديّ، سواءٌ أكان مرفوعاً، مثل "جاء أحدَ عشر رجلاً" أم منصوباً مثلُ {رأيتُ أحدَ عشر كوكباً} أم مجروراً، مثل "أحسنتُ الى أحد عشر فقيراً" . ويكون حينئذٍ مبنياً على فتحَ جزءيه، مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً محلاًّ، إلا اثنيْ عشر، فالجزء الأول يُعربُ إِعراب المُثنَّى، بالألف رفعاً، مثل "جاء اثنا عشر رجلاً" ، وبالياء نصباً وجرًّا، مثل "أكرمتُ اثنتي عشرة فقيرةً باثني عشر درهماً" . والجزء الثاني مبنيُّ على الفتح، ولا محلَّ له من الاعراب، فهو بمنزلة النون من المثنى.

وما كان من العدد على وزن (فاعل) مُركَّبًا من العشرة - كالحادي عشر إلى التاسع عشر - فهو مبنيٌّ أيضاً على فتح الجزءين، نحو "جاء الرابع عشر. رأيتُ الرابعة عشْرة، مررتُ بالخامس عشر" .

إلا ما كان جزؤُه الأول منتهياً بياء، فيكون الجزء الأول منه مبنياًعلى السكون، نحو "جاء الحادي عَشرَ والثاني عشرَ، ورأيتُ الحاديَ عَشرَ والثانيَ عشرَ، ومررتُ بالحادي عَشرَ والثاني عشر" .

حكم العدد مع المعدود

إن كان العدد (واحداً) أو (اثنين) فحُكمُهُ أن يُذَكَّرَمع المذَكر، ويُؤنث مع المؤنث، فتقول "رجلٌ واحد، وامرأةٌ واحدة، ورجلانِ اثنانِ، وامرأتان" . و (أحدٌ) مثل واحدٍ، ورجلانِ اثنانِ، وامرأتان ". و (أحدٌ) مثل واحدٍ، فتقول" أحدُ الرجال، احدى النساءِ "."

وإن كان من الثلاثة الى العشرة، يجب أن يؤنث مع المذكر، ويُذكر مع المؤنث. فتقول "ثلاثةُ رجالٍ وثلاثة أقلامٍ، وثلاث نساءٍ وثلاث"

أيدٍ "."

إلا إن كانت العشرةُ مُركَّبةً فهي على وفقِ المعدود. تُذكر مع المذكر، وتؤنث مع المؤنث، فتقول "ثلاثة عشر رجلاً، وثَلاث عشْرة امرأةً" .

وإن كان العدد على وزن (فاعلٍ) جاء على وفْقِ المعدود، مُفرداً ومُركباً تقولُ "البابُ الرابعُ، والبابُ الرابعَ عَشرَ، الصفحة العاشرة، والصفحة التاسعةَ عشْرةَ" .

وشينُ العشرةِ والعشر مفتوحةٌ مع المعدود المذكر، وساكنة مع المعدود المؤنث. تقول "عَشَرة رجال وأحد عشَرة رجلا، وعشْر نساءٍ وإحدى عشْرة امرأةً" .


(4- الإعراب والبناء)

إذا انتظمت الكلماتُ فى الجملة، فمنها ما يتغير آخره باختلاف مركزه فيها لاختلاف العوامل التيّ تسبِقه؛ ومنها لا يتغير آخره، وإن اختلفت العوامل التى تتقدّمه. فالأول يُسمى (مُعرباً) ، والثاني (مَبنياً) ، والتغيُّر بالعامل يُسمى (إعراباً) ، وعدمُ التغيُّر بالعامل يُسمى (بناءً) .

فالإعرابُ أثرٌ يُحدِثُه العامل فى آخر الكلمة، فيكونُ آخرها مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً أو مجزوماً، حسب ما يَقتضيه ذلك العامل.

والبناءُ لزوم آخرِ الكلمة حالةً واحدة، وإن اختلفت العواملُ التي تسبِقها، فلا تُؤثر فيها العوامل المختلفة.

المعرب والمعني

المُعربُ ما يَتغير آخره بتغيُّر العوامل التي تَسبِقه كالسماءِ والأرض والرجل ويكتب.

والمُعربات هي الفعل المضارع الذي لم تتصل به نونا التوكيدِ ولا نون

النسوة، وجميع الأسماء إلا قليلا منها.

والمبنيَّ ما يُلزم آخره حالةً واحدةً، فلا يتغير، وإن تغيرت العوامل التى تتقدَّمه "كهذه وأين ومَنْ وكتبَ واكتُبْ" .

والمَبنيَّات هي جميع الحروف، والماضي والأمر دائماً، والمُتَّصلة به إحدى نونَيِ التوكيد أو نونُ النسوة، وبعض الأَسماءِ. والأصل فى الحروف والأفعالِ البناء. والأصل فى الأسماء الإعراب. أنواع البناء

المبنيّ إما أن يلازم آخره السكون، مثل "اكتبْ ولمْ" أو الضمةَ مثل "حيث وكتبوا" أو الفتحةَ، مثل "كتبَ وأينَ" أو الكسرةَ، مثل "هؤُلاءِ" والباء من "بِسمِ الله" . وحينئذ يقال إِنّه مبنيٌ على السكون، أو على الضمّ، أو الفتح، أو الكسر. فأنواع البناء أربعةُ السكونُ والضمّ والفتح والكسر.

وتتوقفُ معرفةُ ما تُبنى عليه الأصماء والحروفُ على السّماع والنقل الصحيحين، فإنّ منها يُبْنى على الضمِّ، ومنها ما يُبْنى على الفتح؛ ومنها ما يُبْنى على الكسر، ومنها ما يُبْنى على السكون. ولكن ليس لمعرفة ذلك ضابطُ.

انواع الاعراب

أنواع الاعراب أربعة الرفع والنصب والجرّ والجزم.

فالفعلُ المعربُ يتغيرُ آخرُهُ بالرفع والنصب والجزم مثل، "يكتُبُ، ولن يكتبَ، ولم يكتبْ" .

والاسمُ المعرب يتغير آخره بالرفع والنصب والجزم، مثل "العلمُ نافعٌ، ورأيتُ العلمَ نافعاً، واشتغلتُ بالعلمِ النافعِ" .

(نعلم من ذلك أن الرفع والنصب يكونان فى الفعل والاسم المعربين، وان الجزم خمتص بالفعل المعرب، والجر مختص بالاسم المعرب) .

علامات الاعراب

علامةُ الاعراب حركةُ أو حرف أو حذف.

فالحركاتُ ثلاثٌ الضمةُ والفتحة والكسرة.

والأحرفُ أربعة الألفُ والنون والواو والياءُ.

والحذفُ، إما قطعُ الحركةِ (ويُسَمّى السكونَ) . وإما قطعُ الآخرِ. وإما قطعُ النونِ.

(1) علامات الرفع

للرفع أربعُ علامات الضمة والواو والألف والنون. والضمةُ هي الأَصل.

مثالُ ذلك "يحَبّ الصادقُ، أفلح المؤمنون. لِيُنفِق ذو سَعة من سَعتِه. يُكرَمُ التلميذان المجتهدان. تنطِقون بالصدق" .

(2) علامات النصب

للنصب خمسُ علامات الفتحةُ والألفُ والياء والكسرة وحذفُ النون. والفتحةُ هي الأصل.

مثالُ ذلك "جانب الشرّ فَتسلَمَ. أعطِ ذا الحقِّ حَقّهُ."

"يُحِبُّ اللهُ المتقين. كان أبو عبيدة عامرُ بنُ الجرّاح وخالد بنُ الوليد قائدينِ عظيمين. أَكرِم الفتَياتِ المجتهداتِ. لن تنالوا البِرَّ حتى تُنفقوا مما تُحبون" .

(3) علامات الجر

للجرّ ثلاثُ علامات الكسرةُ والياءُ والفتحة. والكسرة هي الأصل.

مثال ذلك "تَمسّكْ بالفضائل، أطِع أمرَ أبيك. المرءُ بأصغرَيه قلبهِ ولسانه. تقرّبْ من الصادقين وانأ عن الكاذبين. ليس فاعلُ الخيرَ بأفضلَ من الساعي فيه" .

(4) علامات الجزم

للجزمِ ثلاثُ علاماتِ الكسونُ وحذفُ الآخرِ وحذف النون. والسكونُ هو الاصل.

مثال ذلك "مَنْ يفعلْ خيراً يَجِدْ خيراً، ومن يَزرَعْ شرًّا يَجنِ شرًّا. افعل الخيرَ تَلقَ الخيرَ. لا تَدعُ إلا اللهَ. قولوا خيراً تغنَموا، واسكتُوا عَن شرّ تَسلَموا" .

المعرب بالحركة والمعرب بالحرف

المُعرَباتُ قسمان قسمٌ يُعرب بالحركات، وقسمٌ يُعرَبُ بالحروف.

فالمعربُ بالحركات أربعةُ أنواعٍ الاسمُ المفرد، وجمع التكسيرِ، وجمعُ المؤنثِ السالمُ، والفعلُ المضارعُ الذى لم يتَّصِل بآخره شيءٌ.

وكلها تُرفع بالضمةِ، وتُنصبُ بالفتحة، وتُجرّ بالكسرة، وتُجزم

بالسكون. إلا الاسم الذي لا ينصرفُ، فانه يُجرُّ بالفتحة، نحو "صلى الله على إِبراهيمَ" ، وجمعَ المؤنثِ السالم، فانه يُنصبُ بالكسرة؛ نحو "أكرمتُ المجتهدات" ، والفعل المضارع المعتلّ الآخرِ، فإنه يُجزمُ بحذف آخره، نحوَ "لم يخشَ، ولم يمشِ، ولم يغزُ" .

والمعربُ بالحروف أربعةُ أنواعٍ ايضاً المُثنى والملحقُ به، وجمعُ المذكر السالمُ والملحقُ به، والأسماء الخمسةُ، والأفعال الخمسةُ.

والأسماء الخمسةُ هي "أبو وأخو وحمُو وفو وذو" .

والأفعالُ الخمسة هي "كلّ فعل مضارع اتصل بآخره ضميرُ تثنية أو واوُ جمع، أو ياء المؤنثة المخاطبة، مثل" يذهبان، وتذهبان، ويذهبون، وتذهبونَ، وتذهبين ". (وسيأتي شرح ذلك كله مفصلا فى الكلام على إِعراب الأفعال والأسماء) ."

أقسام الاعراب

أقسامُ الاعراب ثلاثةٌ لفظيٌ وتقديريٌّ ومحليٌ.

الاعراب اللفظي

الاعرابُ اللفظيّ أثرٌ ظاهرٌ فى آخر الكلمة يجلبه العامل.

وهو يكون في الكلمات المعربة غير المُعتلّة الآخر، مثل "يُكرم الأستاذث المجتهد" .

الاعراب التقديري

الاعرابُ التقديري أثرٌ غيرُ ظاهرٍ على آخر الكلمة، يجلبه العاملُ، فتكونُ الحركةُ مقدَّرةً لأنها غير ملحوظةٍ.

وهو يكونُ في الكلمات المعربة المعتلّة الآخر بالألف أو الواو أو الياء، وفي المضاف إلى ياء المتكلم، وفي المحكيُّ، إِن لم يكن جملة، وفيما يُسمى به من الكلمات المبنيَّة أو الجُمل.

اعراب المعتل الآخر

الألف تُقدَّرُ عليها الحركاتُ الثلاث للتعذُّر، نحو "يَهوَى الفتى الهدَى للعُلى" .

أما في حالة الجزم فتُحذَفُ الألفُ للجازم، نحو "لم نخشَ إلا اللهَ" . ومعنى التعذرِ أنه لا يُستطاعُ أبداً إظهار علاماتِ الإعراب.

والواوُ والياءُ تُقَدرُ عليهما الضمةُ والكسرةُ للثَّقَل، مثل "يَقضي القاضي على الجاني" و "يدعو الداعي إلى النادي" .

أما حالة النصب فإن الفتحة تظهرُ عليهما لخفتها، مثل "لن أَعصِيَ القاضيَ" و "لَنْ أَدعوَ إلى غير الحق" .

وأما في حالة الجزم فالواوُ والياءُ تحذفانِ بسبب الجازم؛ مثل "لم أقضِ بغير الحق" و "لا تَدعُ إلا اللهَ" .

ومعنى الثقلِ أنّ ظهور الضمة والكسرة على الواو والياءِ ممكن فتقول "يقضيُ القاضيُ على الجانيِ. يَدعوُ الداعيُ إلى الناديِ" ، لكنّ ذلك ثقيل

مُستبشَع، فلهذا تحذَفان وتقدّران، أي تكونان ملحوظتين في الذهن.

إعراب المضاف الى ياء المتكلم

يُعربُ الاسمُ المضاف إلى ياء المتكلم (إن لم يكن مقصوراً، أو منقوصاً، أو مُثنى، أو جمع مذكر سالماً) - في حالتي الرفع والنصب - بضمةٍ وفتحةٍ مقدَّرتين على آخره يمنع من ظهورهما كسرةُ المناسبة، مثل "ربيَ اللهُ" و "أطعتُ ربي" .

أما فى حالة الجر فيُعربُ بالكسرة الظاهرة على آخره، على الأصحّ، نحو "لزِمتُ طاعةَ ربي" .

(هذا رأي جماعة من المحققين، منهم ابن مالك. والجمهور على انه معرب، في حالة الجر ايضاً، بكسرة مقدرة على آخره، لانهم يرون ان الكسرة الموجودة ليست علامة الجر، وانما هي الكسرة التي اقتضتها ياء المتكلم عند اتصالها بالاسم، وكسرة الجر مقدرة. ولا داعي الى هذا التكلف) .

فإن كان المضاف إلى ياء المتكلم مقصوراً، فإنّ ألفه تبقى على حالها، ويُعرِبُ بحركاتٍ مقدَّرة على الألف، كما كان يعرب قبل اتصاله بياء المتكلم فتقولُ "هذه عصايَ" و "" أمسكتُ عصايّ "و" توكأت على عصايَ "."

وإن كان منقوصاً تُدغم ياؤُهُ في ياء المتكلم.

ويُعرب في حالة النصب بفتحةٍ مُقدَّرة على يائه؛ يمنعُ من ظهورهما

سكون الإدغام، فتقول "حمِدتُ الله مُعطِيّ الرزقَ" .

ويُعرَبُ فى حالتيِ الرفع والجرِّ بضمةٍ أو كسرةٍ مُقدَّرتين فى يائه، يمنعُ من ظهورهما الثقل أولا، وسكونُ الإدغام ثانيا، فتقول "اللهُ معطِيّ الرزقَ" و "شكرت لِمُعطيَ الرزقَ" .

(ويرى بعض المحققين أن المانع من ظهر الضمة والكسرة على المنقوص المضاف الى ياء المتكلم، انما هو سكون الادغام - كما هو الحال وهو منصوب- قال الصبان في باب المضافالى ياء المتكلم عند قول الشارح "هذا راميّ" "فراميّ مرفوع" بضمة مقدرة على ما قبل ياء ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالسكون الواجب لاجل الادغام، لا الاستثقال - كما هو الحال في غير هذه الحالة - لعروض وجوب السكون في هذه الحالة بأقوى من الاستثقال، وهو الادغام) .

وإن كان مُثنى، تبقَ ألفهُ على حالها، مثل هذان كتابايّ ". وأَما ياؤُهُ فتُدغَمُ في ياء المتكلم، مثل" علمتُ وَلديَّ "."

وإن كانَ جمعَ مذكر سالماً، تنقلب واوهُ ياء وتُدغمُ في ياء المتكلم،

مثل "معلميَّ يُحبّونَ أدبي" وأما ياؤُه فتُدغمُ في ياءِ المتكلم ايضاً، مثل "أكرمتُ مُعلميَّ" .

ويُعرَبُ المثنى وجمعُ المذكر السالمُ - المضافان إلى ياء المتكلم - بالحروف، كما كانا يُعربان قبلَ الإضافة إليها، كما رأيت.

اعراب المحكي

الحكايةُ إيرادُ اللفظ على ما تسمعه.

وهي، إما حكايةُ كلمةٍ، أو حكايةُ جملة. وكلاهما يُحكى على لفظه، إلاَّ أن يكون لحناً. فتتعيّنُ الحكايةُ بالمعنى، مع التنبيه على اللحن.

فحكايةُ الكلمة كأنْ يقالَ "كتبتُ يعلمُ" ، أي كتبتُ هذه الكلمةَ، فيعلمُ - في الأصل - فعلٌ مضارعٌ، مرفوعٌ لتجرُّده من الناصب والجازم، وهو هنا محكيٌّ، فيكونُ مفعولا به لكتبتُ، ويكون إعرابهُ تقديرياً منعَ من ظهوره حركةُ الحكاية.

وإذا قلتَ "كتبَ فعلٌ ماضٍ" فكتبَ هنا محكيّة. وهي مبتدأ مرفوعٌ بضمةٍ مُقدَّرةٍ منعَ من ظهورها حركةُ الحكاية.

وإذا قيلَ لك أَعربْ "سعيداً" من قولك "رأَيتُ سعيداً" ، فتقولُ "سعيداً مفعولٌ به" ، يحكي اللفظَ وتأتي به منصوباً، مع أَن "سعيداً" في كلامك واقعٌ مبتدأ، وخبرُه قوُلكَ "مفعولٌ به" ، إلاّ أنه مرفوعٌ بضمةٍ مُقدَّرةٍ على آخره، منعَ من ظهورها حكرة الحكاية، أي حكايتُكَ اللفظَ الواقعَ في الكلام كما هو واقعٌ.

وقد يُحكى العَلَمُ بعدَ "من" الاستفهاميَّة، إِن لم يُسبَق بحرف عطف، كأن تقولَ "رأَيتُ خالداً" ، فيقول القائلُ "منْ خالداً" . فإن سبقهُ حرفُ عطف لم تجُزْ حكايتهُ، بل تقول "ومنْ خالدٌ؟" .

وحكايةُ الجملة كأن تقولَ قلتُ "لا إِلهَ إلاّ اللهُ. سمعتُ حيّ على الصلاة. قرأتُ قُلْ هوَ اللهُ أَحدٌ. كتبتُ استَقِمْ كما أُمِرْتَ" . فهذه الجُمَلُ محكيّةٌ، ومحلُّها النصبُ بالفعل قبلها فإِعرابُها محليٌّ.

وحكمُ الجملة أن تكونَ مبنيةً، فإن سُلطَ عليها عاملٌ كان محلها الرفعَ أو النصبَ أو الجر على حسب العامل. وإلا كانت لا محل لها من الإعراب.

اعراب المسمى به

إن سمّيتَ بكلمةٍ مَبنيّةٍ أَبقيتَها على حالها، وكان إعرابُها مُقدَّراً في الأحوال الثلاثة. فلو سميتَ رجلا "رُبّ" ، أَو "مَنْ" ، أَو "حيثُ" ، قلتَ "جاء رُبّ. أَكرمتُ حيث. أَحسنتُ إلى مَن" . فحركاتُ الإعراب مُقدَّرة على أَواخرها، منع من ظهورها حركةُ البناء الأصلي.

وكذا إن سمّيتَ بجملة - كتأبطَ شراً، وجاد الحقّ - لم تُغيرها للاعرابِ الطَّازىءِ، فتقول "جاء تأبطَ شراً، أَكرمتُ جادَ الحقُّ" . ويكون الإعرابُ الطارئ مقدَّراً، منع ظهور حركته لحركة الإعراب الأصلي.

الاعراب المحلي

الإعرابُ المحليُّ تَغيّرٌ اعتباريٌّ بسبب العامل، فلا يكون ظاهراً ولا مقدَّراً.

وهو يكون في الكلمات المبنيّة، مثل "جاء هؤلاء التلاميذُ، أَكرمتُ من تعلّمَ. وأَحسنتُ إلى الذين اجتهدوا. لم يَنجحنَّ الكسلانُ" .

ويكون أيضاً فى الجملِ المحكِّيةِ. وقد سبقَ الكلام عليها.

(فالمبني لا تظهر على آخره حركات الاعراب لانه ثابت الآخر على حالة واحدة فان وقع احد المبنيات موقع مرفوْع او منصوب أو مجرور او مجزوم، فيكون رفعه او نصبه او جره او جزمه اعتبارياً. ويسمى اعرابه "اعراباً محلياً" اي باعتبار انه حال محل مرفوع او منصوب او مجرور او مجزوم. ويقال انه مرفوع او منصوب او مجرور او مجزوم محلاً، اي بالنظر إلى محله فى الجملة، بحيث لو حل محله معرب لكان مرفوعا او منصوبا او مجروراً او مجزوما) .

والحروف؛ وفعلُ الامرِ، والفعلُ الماضي، الذي لم تسبِقهُ أَداةُ شرطٍ جازمةٌ، وأسماء الأفعال، واسماء الأصوات، لا يتغير آخرها لفظاً ولا تقديراً ولا محلاً، لذلك يقال إِنها لا محل لها من الإعراب.

أما المضارع المبني فإعرابُه محلي رفعاً ونصباً وجزماً، مثل "هل يكتُبَن ويكتبْنَ. والله لن يكتبَن ولن يكتُبْنَ ولم تكتُبَن ولم يكتبْن" .

وأما الماضي المسبوقُ بأداةِ شرطٍ جازمةٍ، فهو مجزومٌ بها محلاً، مثل "إن اجتهدَ عليٌ أَكرَمهُ معلمه" .


(5- الخلاصة الإعرابية)

الكلمة الإعرابيةُ أَربعة أَقسام مُسندٌ، ومَسندٌ اليه، وفضلةٌ واداةٌ.

وقد سبقَ شرحُ المسند والمسند اليه. ويسمى كلٌ منهما عُمدةً، لانه رُكنُ الكلام. فلا يُستغنى عنه بحالٍ من الأحوال، ولا تَتم الجملة بدونه. ومِثالهما "الصدقُ أَمانةٌ" .

والمسند إِليه لا يكون إِلا اسما.

والمسند يكون اسماً، مثل "نافع" من قولكَ "العلمُ نافعٌ، واسمَ فعلٍ، مثل" هياتَ المَزارُ "وفعلاً، مثل" جاء الحق "وزهقَ الباطل" . اعراب المسند اليه

حُكمُ المسندِ اليه أَن يكون مرفُوعاً دائماً؛ حيثما وقعَ، مثل "فاز المجتهدُ. الحق منصورٌ. كان عُمرُ عادلا" .

إلا إن وقع بعدَ "إنّ" أو إحدى أخواتها، فحكمهُ حينئذٍ أنه منصُوبٌ، مثل "إنّ عمرَ عادلٌ" .

اعراب المسند

حكمُ المسندِ - إِن كان اسماً - أن يكون مرفوعاً أَيضاً، مثل "السابقُ فائزٌ. إِنّ الحقَّ غالبٌ" .

إِلا إِن وقعَ بعدَ (كان) او إِحدى أَخواتها، فحكمهُ النصبُ، مثل "كان عليٌّ بابَ مدينةِ العلم" .

وإِن كان المسندُ فعلا، فإن كان ماضياً فهو مبنيٌّ على الفتح أَبداً كانتصرَ.

إِلا إِذا لحقتهُ واوُ الجماعةِ، فيبنى على الضم كانتصرا، أَو ضمير رفع متحركٌ، فيبنى على السكون كانتصرْتُ وانتصرْتمْ وانتصرنا.

وإنِ كان مضارعاً، فهو مرفوع أَبداً كينصرُ.

إلا إِذا سبقه ناصب، فَيُنصبُ، نحو "لَن تَبلغَ المجدَ إِلا بالجِدّ" ، أَو جازمٌ فيُجزَمُ، نحو {لم يلِدْ ولم يُولَدْ} .

وإِن اتصلت به إِحدى نُونيِ التوكيد، بُنيَ على الفتح كيجتهدنَّ ويجتهدَنّ، أو نون النسوةِ بُنيَ على السكون كالفتياتُ يجتهدْنَ.

وإن كان أَمراً، فهو مبنيٌّ على السكون أَبداً كاكتبْ، إلا إِن كان مُعتلّ الآخرِ، فَيُبنى على حذف آخره كاسعَ وادعُ وامشِ، أَو كان مُتَّصلاً بألف الاثنين أَو واو الجماعة أَو ياء المخاطبة، فيُبنى على حذف النون كاكتبا واكتبوا واكتبي، أو كان متصلاً بإحدى نوني التوكيد، فيُبنى على الفتح كاكتُبَنْ واكتبَنّ.

الفضلة واعرابها

الفَضلةُ هي اسمٌ يُذكرُ لتتميم معنى الجملة، وليس أَحدَ رُكنَيها - أي ليس مُسنداً ولا مُسنداً إليه - كالناس من قولك "أَرشدَ الأنبياءُ الناسَ" .

(فأرشد مسند. والانبياء منسد اليه؛ والناس فضلة، لانه ليس مسنداً ولا مسنداً اليه، وإنما اتي به لتتميم معنى الجملة، وسميت فضلة لانها زائدة على المسند والمسند اليه فالفضل في اللغة معناه الزيادة) .

وحُكمها أَنها منصوبةٌ دائماً حيثما وقعت، مثل "يحترم الناس العلماء. أَحسنتُ إحساناً. طلعت الشمس صافية. جاء التلاميذ إِلا علياً. سافرت يومَ الخميس. جلستُ أَماكَ المِنبر. وقف الناس احتراماً للعُلماء" .

إلا إذا وقت بعدَ حرف الجرّ، أو بعد المضاف، فحكمها أَن تكون مجرورة، مثل "كتبت بالقلم. قرأت كتبَ التاريخ" .

وما جاز أَن يكون عُمدةً وفضلةً، جاز رفعه ونصبه، كالمستثنى في

كلام منفيٍّ ذكر فيه المستثنى منه، نحو "ما جاء أَحدٌ إِلا سعيدُ، وإلا سعيداً" .

(فان راعيت المعنى، رفعت ما بعد "إِلا" لوجود الاسناد، لان عدم المجيء، ان اسند الى "احد" فالمجيء مسند إلى سعيد وثابت له. وإن راعيت اللفظ نصبته لانه في اللفظ فضلة؛ لاستيفاء جملة المسند والمسند اليه "."

فإن ذكر المستثنى منه، والكلام مثبتٌ، نصب ما بعد "إِلا" حتماً، لأنه فضلةٌ لفظاً ومعنى، نحو "جاء القوم إِلاّ سعيداً" .

وإن حُذفَ المُستثنى منه من الكلامِ رُفِعَ في مثل "ما جاء إِلاّ سعيدٌ" لأنه مُسندٌ اليه، ونُصِبَ في مثل "ما رأيتُ إلاَ سعيداً" . لأنه فضلةٌ. وخُفِضَ في مثل "ما مررتُ إِلا بسعيدٍ" ، لوقوعهِ بعد حرف الجر.

الاداة وحكمها

الأداة كلمةٌ تكون رابطةً بين جُزءيِ الجملة، أَو بينهما وبين الفضلة، او بين جُملتين. وذلك كأدوات الشرطِ والاستفهام والتَّحضيضَ والتّمني والترجي ونواصبِ المضارع وجوازمه وحروف الجرّ وغيرها.

وحُكمها أَنها ثابتة الآخرِ على حالةٍ واحدة، لأنها مبنية.

والأداةُ، إِن كانت اسماً، تقعُ مسنداً اليه، مثل "من مجتهدٌ؟" ، ومسنداً مثل خَيرُ مالِكَ ما أَنفقته في سبيل المصلحة العامة، وفضلة، مثل "احترمِ الذي يطلبُ العلمَ, إِتّق شرَّ من أَحسنتَ اليه" .

وحينئذٍ يكونُ إعرابها في أَحوال الرفعِ والنصب والجر محليّاً.

الباب الأول (الفعل وأقسامه)

وهو يشتمل على تسعة فصول:

(1) (الماضي والمضارع والأمر)

ينقسمُ الفعل باعتبار زمانه إِلى ماضٍ ومضارعٍ وأَمر.

فالماضي ما دلَّ على معنىً في نفسه مقترنٍ بالزمان الماضي كجاء واجتهدَ وتَعلّمَ.

وعلامتهُ أَن يقبلَ تاء التأنيثِ الساكنةَ، مثل "كتبتْ" أو تاء الضمير، مثل. "كتبتَ. كتبتِ. كتبتما. كتبتم. كتبتنَّ. كتبتْ" .

والمضارعُ ما دلَّ على معنى في نفسه مقترنٍ بزمانٍ يحتمل الحالَ والاستقبالَ، مثل "يجيءُ ويجتهدُ ويتعلَّمُ" .

وعلامتُه أن يقبل "السينَ" أو "سوفَ" أو "لم" أو "لن" مثل "سيقول. سوف نجيءُ. لَمْ أَكسلْ. لنْ أَتأخرَ" .

والأمر ما دلَّ على طلب وقوعِ الفعل من الفاعل المخاطب بغير لام الأمر، مثل "جِيءْ واجتهدْ وتعلَمْ" .

وعلامته أَن يدلَّ على الطلب بالصيغة، مع قبوله ياء المؤنثة المخاطبة، مثل "اجتهدي" .

(2) المتعدي واللازم

ينقسم الفعل باعتبار معناه إلى متعدِّ ولازم:


(الفعل المتعدي)

الفعل المتعدّي هو ما يتعدَّى أَثرُهُ فاعلَه، ويتجاوزه إلى المفعول به، مثل "فتحَ طارقٌ الأندَلسَ" .

وهو يحتاج إلى فاعل يفعله ومفعولٍ به يقَع عليه.

ويسمى أيضاً، "الفعلَ الواقعَ" لوقوعه على المفعول به، و "الفعلَ المجاوزَ" لمجاوزته الفاعل إلى المفعول به.

وعلامته أَنْ يقبلَ هاء الضمير التي تعود إلى المفعول به، مثل "إجتهد الطالب فأكرمه أُستاذه" .

(اما هاء الضمير التي تعود إلى الظرف، او المصدر، فلا تكون دلالة على تعدي الفعل إن لحقته. فالاول مثل "يوم الجمعة سرته" ، والثاني مثل "تجمل بالفضيلة تجملا كان يتجمله سلفك الصالح" . فالهاء في المثال الاول في موضع نصب على انها مفعول فيه؛ وفي المثال الثاني في موضع نصب على انها مفعول مطلق) .

المتعدي بنفسه والمتعدي بغيره

الفعل المتعدي، إما متعدٍ بنفسه، وإما متعدٍ بغيره.

فالمتعدي بنفسه ما يصل إلى المفعول به مباشرةً (أَي أَي بغير واسطةِ حرف الجر) ، مثل "بريت القلمَ" . ومفعوله يسمى "صريحاً" .

والمتعدي بغيره ما يصل إلى المفعول به بواسطة حرف الجر، مثل "ذهبتُ بكَ" بمعنى "أَذهبتُكَ" . ومفعوله يسمى "غير صريح" .

وقد يأخذ المتعدي مفعولين أَحدهما صريحٌ، والآخر غير صريحٍ، نحو أَدُّوا الأمانات إلى أَهلها.

(فالامانات مفعول به صريح وأَهل مفعول به غير صريح، وهو مجرور لفظا بحرف الجر، منصوب محلا على انه مفعول به غير صريح) .

المتعدي الى اكثر من مفعول واحد

ينقسم الفعل المتعدي إلى ثلاثة اقسام. متعدٍ إلى مفعول به واحد، ومتعد إلى مفعولين، ومتعد إلى ثلاثة مفاعيل.

فالمتعدي إلى مفعولٍ به واحدٍ كثيرٌ، وذلك مثل "كتب وأخذ وغفر وأكرم وعظم" .

التعدي إِلى مفعولين

المتعدي إلى مفعولين على قسمين قسمٍ ينصب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبراً، وقسم ينصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبرٌ.

فالأل مثل أَعطى وسأل ومنح ومنع وكسا وأَلبس وعلَّم "، تقول" أَعطيتك كتاباً. منحت المجتهد جائزةً. منعت الكسلان التنزُّه. كسوت الفقير ثوباً. أَلبست المجتهدة وساماً، علّمت سعيداً الأدب "."

والثاني على قسمين أفعال القلوب، وأفعال التحويل.

(1) افعال القلوب

أفعال القلوب المتعدية إلى مفعولين هي "رأى وعلم ودرى ووَجدَ وألفى وتعلَمْ وظنَّ وخالَ وحسبَ وجعل وحَجا وعدَّ وزَعمَ وهَبْ" .

(وسميت هذه الافعلا "أفعال القلوب" ، لانها ادراك بالحس الباطن، فمعانيها قائمة بالقلب. وليس كل فعل قلبي ينصب مفعولين. بل منه ما ينصب مفعولا واحداً كعرف وفهم. ومنه ما هو لازم كحزن وجبن) .

ولا يجوزُ في هذه الأفعال أن يُحذَفَ مفْعولاها أو أحدُهما اقتصاراً (أي بلا دليل) . ويجوز سُقوطهما، أو سقوطُ أحدهما، اختصاراً (أي لدليل يَدُل على المحذوف) .

فسقوطهما معاً لدليل، كأنْ يُقالَ "هل ظننتَ خالداً مُسافراً؟" فتقولُ "ظننتُ" أي "ظننتُهُ مُسافراً" ، قال تعالى "أينَ شُركائيَ الذين كنتم تزعمونَ؟" ، أي "كنتم تزعمونهم شركائي" وقال الشاعر [الكميت الأسدي - من الطويل]

بأَيِّ كِتابٍ، أَم بأَيَّةِ سُنَّةِ ... تَرى حُبَّهُمْ عاراً عليَّ، وتَحْسَبُ؟

أي "وتحسبُهُ عاراً" .

وسُقوطُ أحدهما لدليلٍ، كأن يُقالَ "هل تظُنُّ أحدا مسافرا؟" ، فتقولُ "أظُنُّ خالدا" ، أي "أظُنُّ خالدا مسافِرا؟" ، ومنه قولُ عنترةَ [من الكامل]

وَلَقَدْ نَزَلتِ، فَلا تَظُني غَيْرَهُ، ... مِنَِّي بِمَنْزِلةِ المُحَبِّ المُكْرَم

أي "نزلتِ مني منزلةَ المحبوب المُكرَمِ، فلا تظني غيره واقعاً" .

ومما جاء فيه حذفُ المفعولين لدليل قولُهم "مَنْ يسمع يَخَلْ" أي "يخَل ما يسمعُه حقاً" .

فإن لم يدُلَّ على الحذف دليلٌ لم يجُز، لا فيهما ولا في أحدهما. وهذا هو الصحيحُ من مذاهب النّحويين.

وأفعالُ القلوب نوعان نوعٌ يفيدُ اليقينَ (وهو الاعتقاد الجازم) ، ونوعٌ يفيدُ الظنَّ (وهو رُجحانُ وقوع الأمر) .

أفعال اليقين

أفعالُ اليقين، التي تنصبُ مفعولين، ستةٌ

الأولُ "رأى" - بمعنى "علم واعتقد" - كقول الشاعر [من الوافر]

رأيتُ اللهَ أكبرَ كلِّ شيءٍ ... مُحاولةً، وأكثرَهمْ جنودا

ولا فرقَ أن يكون اليقينُ بحسب الواقع، أو بحسب الاعتقاد الجازم، وإِن خالفَ الواقع، لأنه يقينٌ بالنسبة إلى المعتَقد. وقد اجتمع الأمران في قوله تعالى "إنهم يرَوْنهُ بعيداً ونراهُ قريبا" أي إنهم يعتقدون أن البعثِ مُمتنعٌ، ونعلمُه واقعا. وإِنما فُسّرَ البُعدُ بالامتناع، لأن العرب تستعملُ البعدَ في الانتفاء، والقُرب فى الحُصول.

ومثل "رأى" اليقينيَّة (أي التي تفيد اليقينَ) "رأى" الحُلميَّةُ، التي مصدرُها "الرّؤْيا" المناميَّةُ، فهي تنصب مفعولين، لأنها مثلها من حيثُ الادراكُ بالحِسّ الباطن؛ قال تعالى {إني أراني أعصرُ خمراً} فالمفعولُ الأَولُ ياء المتكلم، والمفعول الثاني جملةُ أعصرُ خمراً.

(فان كانت "رأى" بصرية، أي بمعنى "أبصر ورأى بعينه" ، فهي متعدية الى مفعول واحد. وان كانت بمعنى "اصابة الرئة" مثل "ضربه فرآه" ، أي أصاب رئته، تعدّتْ الى مفعول واحد ايضا) .

والثاني "عَلَم" - بمعنى "اعتقدَ" - كقوله تعالى "فإن علِمتموهنَّ مُؤْمناتٍ" ، وقول الشاعر [من الطويل]

عَلِمْتُكَ مَنّاناً، فلَسْتُ بآمِلٍ ... نَداكَ، ولو ظَمْآنَ، غَرْثانَ، عاريا

وقولِ الآخر [من البسيط]

عَلِمْتُكَ الباذلَ المعروفِ فانبعَثَتْ ... إِليكَ بي واجفاتْ الشوق والأَملِ

(فان كانت بمعنى "عرف" كانت متعدية الى واحد، مثل "عملت الامر" ، أي عرفته، ومنه قوله تعالى {والله اخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} وان كانت بمعنى "شعر واحاط وادرك" ، تعدت الى مفعول واحد بنفهسا او بالباء مثل "علمت الشيء وبالشيء" .

والثالث "دَرَى" - بمعنى "عَلِم عِلمَ اعتقاد" كقول الشاعر [من الطويل]

دُرِيتَ الوَفِيَّ العهدِ يا عَمْرُو، فاغتَبطْ، ... فإنَّ اغتِباطاً بالوَفاءِ حميدٌّ

والكثير المُستعمل يها أن تَتعدّى إلى واحد بالباء، مثل "دريت به" .

(فان كانت بمعنى "ختل" أي خدع، كانت متعدية الى واحد بنفسها، مثل "دريت الصيد" أي ختلته وخدعته. وان كانت بمعنى "حَكّ" مثل "درى رأسه بالمدرى" ، أي حكه به، فهي كذلك) .

والرابع "تَعَلّمْ - بمعنى" اعلمْ واعتقِدْ "كقول الشاعر [من الطويل] "

تَعَلَّمْ شفاءَ النَّفسِ قَهرَ عَدُوِّها ... فَبالِغْ بِلُطْفٍ في التَّحيُّلِ والْمَكْرِ

والكثيرُ المشهور استعمالُها في "أنْ" وصِلَتها؛ كقول الشاعر [من الوافر]

تَعَلَّمْ أَنَّ خيرَ النّاسِ مَيْتٌ ... على جفْرِ الهَباءَةِ لا يَرِيمُ

وقال الآخر [من الطويل]

فَقُلْتُ تَعلَّمْ أَنَّ لِلصَّيْدِ عِرَّةَ ... وإِلاَّ تُضَيِّعْها فإِنَّكَ قاتِلُه

وفي حديث الدّجالِ "تَعلّموا أنّ رَبكم ليس بأعورَ" .

وتكون "أن" وصِلَتُهما حينئذٍ قد سَدّتا مَسَدّ المفعولين.

(فان كانت أمراً من "تعلم يتعلم" ، فهي متعدية الى مفعول واحد، مثل "تعلموا العربية وعلموها الناس" ) .

والخامس "وجد" - بمعنى "عَلِمَ واعتقد" - ومصدرها "الوُجودُ والوجدان" ، مثل "وجدتُ الصدقَ زينةَ العُقلاء" ، قال تعالى {وإِنْ وجدْنا أكثرهم لفاسقين} .

(فان لم تكن بمعنى العلم الاعتقادي، لم تكن من هذا الباب. وذلك مثل "وجدت الكتاب وجوداً ووجدانا" بكسر الواو فى الوجدان - أى اصبته وظفرت به بعد ضياعه. ومثل "زجد عليه موجدة" - بفتح الميم وسكون الواو وكسر الجيم - اي حقد عليه وغضب. وفي حديث الايمان "اني سائلك فلا تجد عليّ" ، أي لا تغضب من سؤالي. ومثل "وجد"

به وجداً "- بفتح الواو وسكون الجيم - اي حزن به، و" وجد به وجداً ايضا "اي احبه، يقال" له بأصحابه وجد "، أي محبة. وثل" وجد جدة "بكسر الجيم وفتح الدال - اي استغنى غنى يأمن بعده الفقر) ."

والسادسُ "ألفى - بمعنى" علِمَ واعتقد "- مثل" الفَيْتُ قولكَ صواباً "."

(فان كانت بمعنى "اصاب الشيء وظفر به" ، كانت متعدية إلى واحد، "الفيت الكتاب" ، قال تعالى "وألفيا سيدها لدى الباب" ) .

افعال الظن

أفعال الظن (وهي ما تفيد رُجحان وقوع الشىء) نوعان

نوعُ يكونُ الظنّ واليقين، والغالبُ كونُهُ الظنّ، ونوع يكونُ الظنَ فحَسْبُ.

فالنوعُ الأول ثلاثةُ أفعالٍ

الأول "ظنّ" - وهو لرُجحان وقوعِ الشىء - كقول الشاعر [من الطويل]

ظَنَنْتُكَ، إن شَبَّتْ لظى الحربِ، صالِياً ... فَعَرَّدْتَ فيمن كانَ فيها مُعرَّدا

وقد تكون لليقين، كقوله تعالى: {يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] وقولِه: {وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ} [التوبة: 118] ، أي: علموا واعتقدوا.

(فان كانت بمعنى، "اتهم" فهي متعدية إلى واحد، مثل "ظن"

القاضي فلانا "، أي اتهمه والظنين والمظنون المتهم. ومنه قوله تعالى" وما هو على الغيب بظنين "أي متهم) ."

والثاني خالَ - وهي بمعنى "ظنّ" التي للرجحان - كقول الشاعر [من الطويل]

إخالُكَ، إِن لم تُغْمِضِ الطَّرْفَ، ذا هَويً ... يَسومُكَ مالا يُسْتطاعُ منَ الوجْد

وقد تكون لليقين والاعتقاد، كقول الآخر [من الطويل]

دعاني العواني عَمَّهنَّ. وخِلْتُني ... لِيَ اسمٌ، فَلا أُدْعَى به وَهُوَ أَولُ

(ي دعونني عمَّهنَّ، وقد علمت ان لي اسما، افلا ادعي به وهو اول اسم لي. وياء المتكلم مفعول خال الاول، وجملة "اسم" في موضع نصب على انها مفعوله الثاني) .

والثالث "حَسِبَ" - وهي للرُّجحان، بمعنى "ظنّ" - كقوله تعالى {يَحسَبهمُ الجاهلُ أغنياء من التعفّف} ، وقولهِ {وَتحسبُهم أيقاظاً وهم رُقودٌ} . وقد تكون لليقين، كقول الشاعر [من الطويل]

حَسِبْت التُّقَى والجودَ خيرَ تِجارةٍ ... رباحاً، إِذا ما الْمَرْءُ أَصبح ثاقِلا

والنوعُ الثاني (وهو ما يُفيدُ الظَّنَّ فَحَسْبُ) خمسةُ أفعال

الأول "جعلَ - بمعنى" ظنّ "كقوله تعالى {وَجعلوا الملائكة - الذين هم عبادُ الرَّحمن - إناثاً} ."

(فان كانت بمعنى "أوجد" أو بمعنى "أوجب" ، تعدت الى واحد، كقوله تعالى {وجعل الظلمات والنور} أي خلق وأوجد، وتقول (اجعل لنشر العلم نصيباً من مالك) ، أي اوجب. وان كانت بمعنى (صير) فهي من افعال التحويل. و (سيأتي الكلام عليها) . وان كانت بمعنى (أنشأ) فهي من الافعال الناقصة التي تفيد الشروع في العمل، مثل (جعلتِ الامةُ تمشي في طريق المجد) ، أي (أخذت وأنشأت) .

والثاني "حَجا" بمعنى "ظنَّ" - كقول الشاعر [من البسيط]

قد كُنتُ أحجُو أبا عَمْرٍ أَخا ثِقَةٍ ... حَتَّى أَلمَّتْ بِنا يوماً مُلِماتُ

(فان كانت بمعنى (غلبة في المحاجة) ، أو بمعنى (رد ومنع) أو بمعنى (كتم وحفظ) او بمعنى (ساق) فهي متعدية الى واحد، تقول (حاجيته فحجوته) ، أي فاطنته فغلبته، و (حجوت فلاناً) أي منعته ورددته، و (حجوت السر) ، أي كتمته وحفظته، و (حجت الريح سفينة) ، أي ساقتها. وان كانت بمعنى (وقف أو أقام) ، مثل (حجا بالمكان، او بمعنى (بخل) مثل (حجا بالشيء) أي ضن به، (فهي

لازمة) .

والثالثُ "عَدَّ" - "ظنَّ" كقول الشاعر [من الطويل]

فَلا تَعْدُدِ الْمَوْلى شَريكَكَ في الغنى ... وَلكنَّما الْمَوْلى شَريكُكَ في العُدْم

(فان كانت (بمعنى "أحصى" تعدَّتْ إلى واحد مثل "عددت الدراهم" ، أي (حسبتها واحصيتها) .

والرابع "زعَمَ" - بمعنى "ظنّ ظناً راجحاً" - كقول الشاعر [من الخفيف]

زَعَمَتْني شَيْخاً، ولست بِشَيْخٍ ... إنَّما الشَّيْخُ مَنْ يَدِبُّ ذَبيبا

والغالبُ في "زعَمَ" أن تُستَعمَلَ للظنِّ الفاسد، وهو حكاية قولٍ يكون مِظنَّةً للكذب، فيقال فيما يُشكّ فيه، أو فيما يُعتقدُ كذبُهُ، ولذلك يقولون "زَعموا مطيِيَّةُ الكذب" أي إنّ هذه الكلمة مركبٌ للكذب. ومن عادة العرب أنّ من قال كلاماً، وكان عندهم كاذباً، قالوا "زَعمَ فلانٌ" . ولهذا جاء في القرآن الكريم في كل موضع ذُمّ القائلون به.

وقد يردُ الزَّعم بمعنى القول، مُجرَّداً عن معنى الظنّ الرَّاجحِ، أو الفاسد، أو المشكوك فيه.

(فان كانت "زعم" بمعنى "تأمر ورأس" ، أو بمعنى "كفل به" تعدّتْ الى واحد بحرف الجر، تقول "زعم على القوم فهو زعيم" ، أي تأمر عليهمْ ورأسهم، و "زعم بفلان وبالمال" ، أي كفل به وضمنه، وتقول "زعم اللبن" أي أخذ يطيب، فهو لازم) .

والخامسُ "هبْ" - بلفظ الأمر، بمعنى "ظُنَّ" - كقول الشاعر [من المتقارب]

فَقُلتُ أَجِرْني أَبا خالدٍ ... وإِلاّ فَهَبْني امرَءًا هالِكا

(فان كانت امراً من الهبة، مثل "هب الفقراء مالاً" ، لم تكن من أفعال القلوب، بل هي من "وهب" التي تنصب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبراً. على الفصيح فيها أن تتعدى الى الاول باللام، نحو "هب للفقراء مالا" . وان كانت امراً من الهيبة تعدت الى مفعول واحد، مثل "هب ربك" ، أي خفه) .

(2) افعال التحويل

أفعالُ التحويل ما تكونُ بمعنى "صيَّرَ" . هي سبعةٌ "صيَّر ورَدَّ وترَك وتَخِذ واتخذ وجعل ووهب" .

وهي تنصبُ مفعولين أصلُهما مُبتدأ وخبرٌ.

فالأولُ مثل "صيّرْتُ العدُوَّ صديقاً" .

والثاني كقوله تعالى وَدّ كثيرٌ من أهل الكتاب لوْ يرُدُّونكم من بعد إِيمانِكم كُفَّاراً "، وقال الشاعر [من الوافر] "

رَمَى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آل حَرْبٍ ... بِمقْدارٍ سمَدْنَ لهُ سُمُودا

فردَّ شُعُوْرَهنَّ السُّودَ بِيضاً ... ورَدَّ وُجوهَهُنَّ البِيضَ سُودا

والثالثُ كقوله عزَّ وجل وتركنا بعضهم يومئذٍ يموجُ في بعضٍ "، وقول الشاعر [من الطويل] "

ورَبَّيْتهُ، حتى إِذا ما تَرَكْتُهُ ... أَخا القومِ، واستَغْنى عن الْمَسْحِ شارِبُهُ

والرابعُ "تَخِذتُكَ صديقاً" .

والخامسُ كقوله تعالى {واتخذ اللهُ ابراهيمَ خليلا} .

والسادسُ كقوله سبحانهُ و {قدِمْنا إلى ما عَمِلوا من عمل، فجعلناهُ هباءً منثوراً} .

والسابع مثل وهبَني اللهُ فداء المُخلصين "."

(وهذه الافعال لا تنصب المفعولين الا اذا كانت بمعنى "صير" الدالة على التحويل وان كانت "رد" بمعنى "رجع" - كرددته، أي رجعته - و "ترك" بمعنى "خلى" - كتركت الجهل، أي خليته و "جعل" بمعنى "خلق" ؛ كانت متعدية الى مفعول واحد. وان كانت "هب" بمعنى أعطى لم تكن من هذا الباب، وان نصبت المفعولين، مثل "وهبتك فرساً" . والفصيح أن يقال "وهبت لك فرساً" .

المتعدي الى ثلاثة مفاعيل

المتعدِّي إلى ثلاثة مفاعيل، هو "أرى وأعلمَ وأنبأ ونَبَّأ وأخبرَ وخرَّ وحدثَ" . ومُضارعها "يُرِي ويُعلِمُ ويُنبِيءُ ويُنبِّىءُ ويُخبر ويُخبِّرُ ويحدِّث" ، تقول "أريتُ سعيداً الأمرَ واضحاً، وأعلمتُهُ إياهُ صحيحاً، وأنبأتُ خليلاً الخبرَ واقعاً، ونَبَّأته إيَّاهُ، أو أخبرتهُ إِياهُ، أو أخبرته إياهُ أو حدَّثتهُ إياهُ حقا" .

والغالبُ في "أنبأ" وما بعدها أن تُبنى للمجهول، فيكون نائبُ الفاعلِ مفعولها الأول، مثل "أُنبئْتُ سليماً مجتهداً" ، قال الشاعر [من الكامل]

نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسفاهَةُ كاسمِها، ... يُهدِي إِليّ غَرائبَ الأَشعار

وقال الآخرُ [من الكامل]

نُبِّئْتُ أنَّ أبا قابوسَ أوعَدَني ... ولا قَرارَ على زأرٍ من الأَسَد


(الفعل اللازم)

الفعلُ اللازمُ هو ما لا يتعدى أثرُهُ فاعلَهُ، ولا يتجاوزُه إلى المفعول به، بل يبقى فى نفسِ فاعله، مثل "ذهب سعيدٌ، وسافر خالدٌ" .

وهو يحتاجُ إلى الفاعل، ولا يحتاجُ إلى المفعول به، لأنه لا يخرج من نفس فاعلِه فيحتاجُ إلى مفعول به يَقعُ عليه.

ويُسمى أيضاً. (الفعلَ القاصرَ) - لقُصوره عن المفعول به، واقتصاره على الفاعل - و (الفعلَ غيرَ الواقع) - لأنه لا يقع على المفعول به - و (الفعل غيرَ المُجاوِزِ) لأنه لا يجَاوِزُ فاعلهُ.

متى يكون الفعل لازما؟

يكونُ الفعل لازماً

إذا كان من أفعال السجايا والغرائز، أَي الطبائع، وهي ما دَلّت على معنى قائم بالفاعل لازمٍ له - وذلك، مثل "شَجع وجَبُنَ وحَسنُ وقَبحَ" .

أو دلَّ على هيئة، مثل طال وقصرَ وما أَشبه ذلك "."

أو على نظافةٍ كَطهر الثوبُ ونظُف.

أو على دنسٍ كوسِخ الجسمُ ودنسَ وقذِر.

أو على عرضٍ غير لازمٍ ولا هو حركةٌ كمرِض وكسِل ونشِط وفرح وحزن وشَبع وعطِش.

أو على لون كاحمرَّ واخضرَّ وأدم.

أو على عيبٍ كعَمش وعور.

أو على حلية كنَجيل ودعج وكحل.

أو كان مُطاوعاً لفعلٍ مُتعدٍّ إلى واحد كمددت الحبل فامتدَّ.

أو كان على وزن (فَعُل) - المضموم العينِ - كحسُن وشرُف وجمُل وكرُم.

أو على وزن (انفعل) كانكسر وانحطم وانطلق.

أو على وزن (افعلَّ) كاغبرَّ وازورَّ.

أو على وزن (افعالَّ) كاهامَّ وازوارَّ.

أو على وزن (افعلَلَّ) كاقشعرَّ واطمأنَّ.

أو على وزن (افعنلل) كاحرنجم واقعنسس.

متى يصير اللازم متعديا

يصيرُ الفعلُ مُتعدياً بأحدِ ثلاثة أشياء

إما بنقله إلى باب (افعل) مثل "أكرمتُ المجتهد" .

وإما بنقله إلى باب (فعَل) - المَضعّف العين - مثل "عظّمتُ العلماء" .

وإما بواسطة حرف الجرِّ، مثل "أعرِضْ عن الرذيلة، وتَمسَّكْ بالفضيلة" .

سقوط حرف الجر من المتعدي بواسطة

إذا سقط حرفُ الجرِّ بعد المتعدي بواسطة، نصبت المجرورَ، قال تعالى "واختار موسى قَومهُ سبعين رجلا" ، أي من قومه، وقال الشاعر [من الوافر]

تَمُرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا ... كلامُكُم عَلَيّ إِذاً حَرام

والأصلُ تَمرّونَ بالديار. فانتصب المجرورُ بعد سُقوط الجارِّ.

وسُقوطُ الجار بعد الفعل اللازم سماعيٌّ لا يُقاسُ عليه، إلا في "أَنْ"

وأَنَّ "، فهو جائزٌ قياساً إذا منَ اللَّبْسُ، كقوله تعالى {أَوَعَجِبتم أَن جاءكم ذكرٌ من ربِّكم على رجل منكم؟} أَي من أَن جاءكم، وقولِه سُبحانهُ {شهِدَ اللهُ أَنهُ لا إِله إِلا هُو} ، أَي بأنه."

فإن لم يُؤمن اللبْسُ لم يَجُزْ حذفهُ قبلها، فلا يجوز أن تقول "رغِبت أَن أَفعل" لإشكال المُرادِ بعد الحذف، فلا يفهم السامعُ ماذا أَدرتَ أَرغبتك في الفعل، أَو رغبتك عنه فيجبُ ذكرُ الحرف ليتعيَّن المُرادُ، إِلا إِذا كان الابهامُ مقصوداً لتعمية المعنى المرادِ على السامع.


(المعلوم والمجهول)

ينقسم الفعل باعتبار فاعله الى معلوم ومجهول. فالفعل المعلوم ما ذُكر فاعِلهُ في الكام نحو "مصَّرَ المنصورُ بغداد" .

وإذا اتصل بالماضي الثلاثيّ المجرّد المعلوم - الذي قبل آخره ألفٌ - ضميرُ رفعٍ متحركٌ، فإن كان من باب (فَعَلَ يَفْعلُ) - نحو "سامَ يَسومُ، ورام يرومُ، وقاد يقُودُ" ضُم أوله، نحو سُمْتُه الأمر، ورُمْتُ الخير، وقُدْتُ الجيش "."

وإن كان من باب (فعل يفعِلُ) - نحو "باع يبيعُ وجاء يجيء،"

وضامَ يضيمُ ". أو من باب (فعل يفعلُ) - نحو" نال ينالُ، وخاف يخافُ "- كُسِرَ أَولهُ، نحو" بِعتُهُ، وجِئتُهُ، وضِمت الخائنَ، ونِلْتُ الخير وخِفْتُ الله "."

والفعلُ المجهول ما لم يُذكر فاعله في الكلام بل كان محذوفاً لغرضٍ من الأغراض إما للايجاز، اعتماداً على ذكاء السامع، وإما للعلم به، وإما للجهل به، وإما للخوف عليه، وإما للخوف منه، وإما لتحقيره؛ فتُكْرِمُ لسانك عنه، وإما لتعظيمه تشريفاً له فتكرمُه أن يُذكر، إن فعل ما لا ينبغي لمثله أن يفعله، وإما لإبهامه على السامع.

وينوبُ عن الفاعل بعد حذفه المفعولُ به، صريحاً، مثل "يُكرَم المجتهدُ" ، أو غير صريح، مثل "أَحسنْ فيحسَن إليك" ، أو الظَرفُ، مثل "سُكنت الدارُ وسُهرتِ الليلةُ" ، أو المصدرُ، مثل "سِير سيرٌ طويل" .

(ولنيابة الظرف والمصدر عن الفاعل شروط ستراها في الجزء الثاني، في "مبحث نائب الفاعل" ان شاء الله) .

ولا يُبنى المجهولُ إلا من الفعل المتعدي بنفسه، مثل "يُكرم المجتهدُ" ، أَو بغيره، مثل يُرْفَقُ بالضعيف "."

وقد يُبنى من اللازم، إن كان نائبُ الفاعل مصدراً نحو "سُهر سهرٌ طويلٌ" أو ظرفاً، مثل "صيم رمضانُ" .

بناء المعلوم للمجهول

متى حُذفَ الفاعلُ من الكلام وجب أن تتغيّر صورة الفعل المعلوم.

فإن كان ماضياً يُكسر ما قبل آخره، ويُضم كل مُتحرك قبله، فتقولُ كسر وأَكرم وتعلم واستغفر. "كُسِر واكرِمَ وتُعلِّمَ واسْتُغْفِرَ"

وإن كان مضارعاً يُضمّ اوَّلهُ، ويُفتح ما قبلَ آخره، فتقول في يَكسِرُ ويُكرِمُ ويَتعلمُ ويَستغفِرُ "يُكسَرُ ويُكرَمُ ويُتعلَّمُ ويستغفَرُ" .

أما فعلُ الأمرِ فلا يكونُ مجهولاً أبداً.

بناء ما قبل آخره حرف علة للمجهول

إذا أُريدَ بناءُ الماضي - الذي قبلَ آخره ألفٌ - للمجهول (إن لم يكن سُداسيّاً) تُقلبُ ألفه ياءً، ويُكسَرُ كلُّ متحرَّكٍ قبلَها، فتقولُ في باعَ وقال "بِيع وقيلَ" ، وفي ابتاعَ واقتادَ واجتاحَ "ابتِيعَ واقتيدَ واجْتِيحَ" ؛ والأصل "يُبِيعَ وقُوِلَ وابتِيعَ واقتُوِدَ واجتُوِح" .

فإِن كان على ستة أحرفٍ - مثل استتابَ واستماحَ - تُقلَب ألِفُه ياءً، وتُضَمّ همزتُه وثالثُه، ويُكسَر ما قبلَ الياءِ، فتقول "أَستُتيبَ وأُستُميحَ" .

وإن اتصلَ بنحو "سِيمَ ورِيمَ وقِيدَ" من كل ماضٍ مجهول ثلاثيٍّ أجوفَ - ضميرُ رفعٍ متحركٌ، فإن كان يُضَمُّ أوَّلُه في المعلوم نحو "سُمتُه"

الأمرَ، ورُمتُ الخيرَ، وقُدْتُ الجيشَ "كُسِرَ في المجهول، كيلا يَلتبسَ معلوم الفعل بمجهوله، فتقولُ" سِمتُ الأمر، ورِمتُ بخيرٍ، وقِدتُ للقضاءِ "."

وإن كان يُكسَرُ أَوَّله في المعلوم - نحو "بعته الفرَسَ وضمتُه، ونِلته بمعروفٍ" ضُمَّ في المجهول، فتقول "بُعت الفرَسَ، وضُمت، ونُلْتُ بمعروفٍ" .

وإذا اريدج بناءُ المضارع - الذي قبلَ آخرِه حرفُ مدٍّ - للمجهول، يُقلَب حرفُ المدِّ ألفا، فتقول في يقولُ ويبيعُ "يُقالُ ويُباعُ" ، وفي يستطيعُ ويَستتيبُ يُستطاعُ ويُستتابُ "."


(الصحيح والمعتل)

ينقسم الفعلُ - باعتبار قوةِ أحرفه وضَعفها - إلى قسمينِ صحيحٍ، ومُعتلٍّ.

فالصحيح ما كانت أحرُفه الأصلية أحرفاً صحيحة مثل "كتبَ وكاتبَ" .

وهو ثلاثة أقسامٍ سالِمٌ، ومهموزٌ، ومُضاعَفٌ.

فالسالم ما لم يكن أحدُ أحرفهِ الأصليّةِ حرفَ علّة. ولا همزة، ولا مضعَّفاً، مثل "كتب وذهب وعلمَ" .

والمهموز ما كان أحدُ أحرفِه الأصليةِ همزة.

وهو ثلاثة أقسامٍ مهموزُ الفاء كأخذ، ومهموزُ العين كسألَ، ومهموزَ اللام كقرَأ.

والمضاعفُ ما كان أحدُ أحرفِه الأصليةِ مُكرّراً لغيرِ زيادة.

وهو قسمان مضاعَفٌ ثُلاثيٌّ كمدَّ ومَرَّ، ومضاعَفٌ رُباعيّ كزَلزَلَ ودمدمَ.

فإن كان المكرَّرُ زائداً - كعظَّمَ وشَذَّبَ واشتدَّ وادهامَّ واعشوشبَ - فلا يكون الفعل مضاعفاً.

والفعلُ المعتلُّ ما كان أحد أحرفهِ الأصليَّة حرفَ عِلَّة، مثل "وَعَدَ وقالَ ورَمى" .

وهو أربعةُ أقسام مثالٌ، وأجوفٌ، وناقصٌ، وَلفيفٌ.

فالمثال ما كانت فاؤُهُ حرفَ علَّة كوَعَدَ ووَرِثَ.

والأجوفُ ما كانت عينُه حرفَ علة كقالَ وباع.

والناقصُ ما كانت لامُه حرف علة كرَضِيَ ورمى.

واللَّفيفُ ما كان فيه حرفانِ من أحرف العلة أصليَّان، نحو "طَوى ووَفى" .

وهو قسمانِ لفيفٌ مقرونٌ، ولفيفٌ مفروق.

فاللَّفيف المقرون ما كان حَرفا العلةِ فيه مُجتمعينِ، نحو "طوى ونوى" .

واللفيفُ المفروقُ ما كان حرفا العلةِ فيه مُفترقينِ، نحو "وَفى"

ووَقى "."

ويُعرَفُ الصحيحُ والمعتلُّ من الأفعالِ - في المضارع والمزيدِ فيه - بالرُّجوع إلى الماضي المجرَّد.


(المجرد والمزيد فيه)

الفعلُ - بِحسَبِ الأصلِ - إما ثلاثيّ الأحرفِ، وهو ما كانت أحرفهُ الأصلية ثلاثةً. ولا عِبرةَ بالزائد، مثل حَسُنَ وأَحسَّنَ، وهَدى واستهدى "."

وإما رُباعيَّها وهو ما كانت أَحرفهُ الأصليه أربعةً ولا عبرةَ بالزائد، مثل "دحرَجَ وَتدَحرجَ وَقشعرَ واقشعرَّ" .

وكلٌّ منهما إما مجرَّدٌ وإما مزيدٌ فيه.

فالمجردُ ما كانت أحرفُ ماضيه كلُّها أصلية (أي، لا زائدَ فيها) ، مثل "ذهبَ ودحرجَ" .

والمزيدُ فيه ما كان بعضُ أحرفِ ماضيهِ زائِداً على الأصل، مثل "أذهبَ وَتدحرجَ" .

وحروفُ الزيادة عشَرَةٌ يجمعها قولك "سألتُمونيها" .

ولا يُزادُ من غيرها إلاَّ كان الزائدُ من جنس أحرف الكلمة كعَظَّمَ واحمَرَّ.

وأقلُّ ما يكونُ عليه الفعلُ المجرَّدُ ثلاثة أحرف. واكثر ما يكون عليه أربعة أحرف. وأكثر ما ينتهي بالزيادة إلى ستَّة أحرف.

والفعل المجرَّد قسمانِ

مجرَّدٌ ثلاثيّ، وهو ما كانت أحرف ماضيه ثلاثةً فقطْ من غير زيادةٍ

عليها، مثل "ذهبَ وقرأ وكتبَ" .

مجرَّدٌ رباعيٌّ، وهو، ما كانت أحرفُ ماضيه أربعةً أصلية فقطْ، لا زائدَ عليها مثل "دحرجَ ووسوسَ وزلزلَ" .

والمَزيدُ فيه قسمان أيضاً

مزيدٌ فيه على الثُّلاثي، وهو ما زيدَ على أحرف ماضيه الثلاثة حرفٌ واحدٌ، مثل "أكرمَ" ، أو حرفانِ، مثل "انطلقَ" ، أو ثلاثة أحرفٍ مثل "استغفرَ" .

ومَزيدٌ فيه على الرُّباعي، وهو ما زيدَ فيه على أحرف ماضيه الأربعة الأصليةِ حرفٌ واحدٌ نحو "تَزلزلَ" ، او حرفان، نحو "احرنجمَ" .


(الجامد والمتصرف)

الفعلُ - من حيث أداؤُهُ معنىً لا يتعلَّقُ بزمان، أو يَتعلقُ به - قسمان جامدٌ ومُتصرفٌ.

(لأنه، ان تعلق بزمان؛ كان ذلك داعياً الى اختلاف صوره، لافادة حدوثه في زمان مخصوص. وإن لم يتعلق بزمان، كان هذا موجباً لجموده على صورة واحدة) .

الفعل الجامد

الفعلُ الجامد هو ما أشبهَ الحرفَ، من حيث أداؤه معنًى مُجرَّداً عن الزمان والحدَثِ المُعتبرينِ في الأفعال، فلزِمَ مِثله طريقةٍ واحدةٌ في التعبير، فهو لا يَقبَلُ التحوُّلَ من صورةٍ إلى صورة، بل يلزَمُ صورةً واحدةً لا يُزايِلُها

وذلك مثل "ليسَ وعَسى وهَبَّ ونِعمَ وبِئسَ" .

(فالفعل الجامد - كما علمت - لا يتعلق بالزمان، وليس مراداً به الحدث. فخرج بذلك عن الأصل في الأفعال من الدلالة على الحدث والزمان، فأشبه الحرف من هذه الجهة، فكان مثله في جموده ولزومه صيغة واحدة في التعبير. وإذا كان مجرداً عن معنى الحدث والزمان لم يحتج الى التصرف، لان معناه لا يختلف باختلاف الازمنمة الداعي الى تصريف الفعل على صور مختلفة، لأداء المعاني فى أزمنتها المختلفة، فمعنى الترجّي المفهوم من (عسى) ومعنى الذم المفهوم من (بئس) ومعنَى المدح المفهوم من (نعم) ، ومعنى التعجب المفهوم من (ما أشعر زهيراً) ، لا يختلف باختلاف الزمان, لان الحدوث فيها غير مراد ليصح وقوعه في أزمنة مختلفة تدعو إلى تصرفه على حسبها.

فشبه الفعل بالحرف يمنعه التصرف ويلزمه الجمود، كما أن شبه الاسم بالحرف يمنعه أن يتأثر ظاهراً بالعوامل، فلزم آخره طريقة واحدة لا ينفك عنها، إن اختلفت العوامل الداعية إلى تغير الآخر. فالجمود في الفعل كالبناء في الإسم، كلاهما مسبب عن الشبه بالحرف) .

وهو، إما ان يُلازمَ صيغةَ الماضي، مثل "عسى وليسَ ونِعْمَ وبِئس وتبارك اللهُ" (أي تقدَّسَ وتنزَّهَ) ، أو صيغةَ المضارع، مثل "يَهبطُ" (بمعنى يصيحُ ويَضِجُّ) ، أو صيغةَ الأمر، مثل "هَبْ وهاتِ وتعالَ" ،

ومثل "هلُمَّ" في لغة تَمِيمٍ.

(هلم - في لغة تميم - فعل أمر، لأنه عندهم يقبل علامته، فتلحقه الضمائر، نحو "هلمي وهلما وهلموا وهلمين" . أما في لغة الحجاز فهي اسم فعل أمر لأنها تكون عندهم بلفظ واحد للجميع، فلا تلحقها الضمائر، فتقول "هلم" بلفظ واحد للواحد والواحدة والاثنين والاثنتين والجمع المذكر والمؤنث. وبها نزل القرآن الكريم، قال تعالى "هلم شركاءكم" ) .

ومن الأفعال الجامدة "قَلَّ" - بصيغة الماضي - للنفي المَحضِ، فترفعُ الفاعلَ مَتلُوًّا بصفةٍ مُطابقةٍ له نحو "قَلَّ رجلٌ يفعلُ ذلك، وَقلَّ رجلانِ يفعلانِ ذلك" ، بمعنى "ما رجلٌ يفعلُ ذلك" .

(ذكر ذلك السيوطي في "همع الهوامع" غير أن الكثير في استعمالها للنفي إذا كانت ملحقة بما الزائدة الكافة كمنا سيأتي) .

قال سِيبويه "كما في القاموس وشرحهِ" ، يقال "قُلُّ رجلٍ (بِضمِّ القاف) وأَقلُّ رجلٍ يقول ذلك إِلاَّ زيدٌ" ، أي ما رجلٌ يقوله إِلا هو.

(ومما حينئذ اسمان مرفوعان بالابتداء، ولا خبر لهما، لمضارعتهما حرف النفي. والجملة بعدهما في محل جر صفة للمجرور بالاضافة لهما) .

وإذا لحِقته (ما) الزائدةُ كفَّتهُ عن العمل، فلا يَليه حينئذ إلا فعلٌ. ولا فاعلَ له، لجريانهِ مجرى حرف النفي، نحو "قلَّما فعلتُ هذا، وقَلما"

أفعلهُ "، أي ما فعلت، ولا أفعل، ومنه قول الشاعر [من الخفيف] "

قَلَّما يَبْرَح اللَّبيبُ، إِلى ما ... يُورِثُ المجدَ، داعياً أو مُجيبا

أي لا يزالُ اللبيب داعياً. وقد يليه الاسم في ضرورة الشعر، كقوله [من الطويل]

صدَدْتِ، فأطوَلتِ الصُّدودَ، وقَلَّما ... وِصالٌ على طُول الصُّدود يَدُومُ

(وقد يراد بقولك "قلما أفعل" اثبات الفعل القليل (كما في الكليات لأبي البقاء) غير ان الكثير استعمالها للنفي الصرف) .

ومما يدل على أنها للنفي المحض أداؤها معنى (لا) النافية في البيت السابق "قلما يبرح اللبيب ... لأن (برح) وأخواتها لا تعمل عمل (كان) الناقصة إلا إذا تقدمها نفي أو شبهه، كما هو معروف. ومما يدل على ذلك أيضاً أنها إذا سبقت فاء السببية أو المعية نصب الفعل بعدهما، كقولك" قلّ رجل يهملُ فينجحَ، ومما يدل على ما ذكر صحة الاستثناء بعدهما كما يستثنى من المنفي نحو "قلما يفعل هذا إلا كريم" - كما تقول "لا يفعله إلا كريم" . وهذا اللفظ كما في النهاية - مستعمل في نفي أصل الفعل، كقوله تعالى "قليلا ما يؤمنون" . أي فهم لا يؤمنون. ومنه الحديث "إنه كان يقلّ اللغو" أي كان لا يلغو) .

ومثل "قلَّما" في عدم التَّصرُّفِ "طالما وكثُرَ ما، وقَصُرَ ما، وشَدَّ ما فإنَّ (ما) فيهنَّ زادة للتوكيد، كافةٌ لهنَّ عن العمل، فلا فاعلَ لهنَّ. ولا يَليهنّ إلا فعلٌ، فَهُنَّ كقلما."

(قال في لسان العرب "فارقت (طل وقلّ) بالتركيب الحادث فيهما"

ما كانتا عليه من طلبهما الأسماء ألا ترى أن لو قلت طالما زيد عندنا، أو قلما محمد في الدار لم يجز. والتركيب يحدث في المركبين معنى لم يكن قبل فيهما "اهـ. وقال ابو علي الفارسي" طالما وقلما ونحوهما افعالٌ لا فاعل لها مضمراً ولا مظهراً، لان الكلام لما كان محمولا على النفي سوّغَ ذلك أن لا يحتاج إليه. و (ما) دخلت عوضاً عن الفاعل "اهـ. وقال بعض العلماء ان (ما) في مثل ذلك مصدرية فما بعدها في تأويل مصدر فاعل. فان قلت" طالما فعلت "كان التأويل" طال فعلي ". ولو كان الأمر كما قال لوجب فصلها عن الفعل في الخط، لأنها لا توصل باسم ولا فعل ولا حرف إلا إذا كانت زائدة، إلا ما اصطلحوا عليه من وصلها ببعض حروف الجر. ولم نرهم كتبوها موصولة بهذه الافعال قطّ. فدل ذلك على ما ذكرناه. على ان قوله لا يخلوا من رائحة الصحة، لأن ما بعدها صالح للتأويل بالمصدر) ."

ومن الأفعال الجامدة قولهم "سُقِط في يده" بمعنى "نَدِم، وَتحيَّرَ، وزلَّ، وأخطأ" . وهو مُلازمٌ صورةَ الماضي المجهول، قال تعالى "ولَمَّا سُقِطَ في أيديهم" . وقد يُقال "سَقَط في يده" ، بالمعلوم.

(وهذا من باب الكناية لا الحقيقة. ويقال لكل من ندم أو تحير أو عجز أو حزن أو تحسر على فائت من فعل أو ترك "قد سقط فى يده" . وهذا الكلام لم يسمع قبل القرآن الكريم، ولا عرفته العرب. كما في شرح القاموس نقلا عن هذا الباب) .

ومنها "هَدَّ" في قولهم "هذا رجُلٌ هَدَّكَ من رجل" أى كفاك من رجل. وقيل معناه أثقلَكَ وصفُ محاسنه. وقال الزمخشري في الأساس "هذا رجلٌ هَدَّكَ من رجلٍ" . إذا وُصِفَ بِجَلدٍ وشدَّةٍ، أي "غَلبك وكسرك" . وهو يُثنى ويُجمَعُ ويُذكّر ويُؤنث، إذا كان ما هو له كذلك،

تقول "هذا رجلٌ هدَّك من رجل. وهذه امرأةٌ هَدَّتكَ من امرأَة" ، كما تقول "كفاك وكفَتْك" وقِسْ على ذلك أمثلةَ المثنى والجمع.

(ومن العرب من يُجريه مجرى المصدر الموصوف به، فيجعله مصدراً لهدّ يهد هدّاً. وإذا كان كذلك بقي بلفظ واحد للجميع. ويتبع ما قبله في اعرابه على أنه نعت له - تقول "هذا رجل هدّك من رجل" (بالرفع) ، و "مررت بأمرأة هدك من امرأة" (بالجر) و "أكرمت رجلين هدّك من رجلين" (بالنصب) . كما تقول "هذا رجل حسبك من رجل" (بالرفع) و "مررت بامرأة حسبك من امرأة" (بالجر) ؛ و "أكرمت رجلين حسبك من رجلين (بالنصب) ."

ويُقالُ "لَهَدَّ الرجل" ، للمدحِ، بمعنى "نِعْمَ" ، وذلك إذا أُثنيَ عليهِ بجَلدٍ وشِدَّة. ويقال "لَهَدَّ الرجلُ!" ، للتَّعجُّب، بمعنى "ما أجلَدَه!" وفي الحديث "إن أَبا لهَبٍ قال لَهَدَّ ما سَحَركم صاحبُكم!" ، أراد التعجُّبَ. واللاَّم فيها للتأكيد.

(وفي (الفائق) للزمخشري عند شرح هذا الحديث إن معناه لنعم ما سحركم، وفي (النهاية) لابن الأثير إن معناه التعجب. قال "لهدّ" كلمة يتعجب بها يقال لهدّ الرجل! أي ما أجلده. ثم ذكر أنها تكون ايضاً بمعنى "نعمَ" وفي لسان العرب وتاج العروس نحو ذلك. وكونها هنا للتعجب أقرب إلى واقعة الحال، لأن أبا لهب (تبت يداه) إنما يتعجب من مصيرهم وجلدهم على تصديقهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل ما جاءهم به، حتى زعم أنه قد سحرهم، فكأنه قال ما أصبركم وما أجلدكم على سحر صاحبكم إِياكم) .

ومن الأفعال الجامدة "كذَبَ" ، التي تُستعمَلُ للاغراءِ بالشيء والحث عليه، ويرادُ بها الأمر به ولزومهُ وإِتيانُهُ، لا الإخبارُ عنه. ومنه قولهم

"كذَبك الأمرُ، وكذَبَ عليك" . يُريدونَ الإغراءَ به والحملَ على إتيانه، أي عليكَ به فالزَمهُ وائتهِ، وقولهم "كذبَك الصَّيدُ أي أَمنك فارْمِه. وأصلُ المعنى كذبَ فيما أَراكَ وخدَعكَ ولم يَصدُقك، فلا تُصدِّقه فيما أَراك، بل عليك به والزَمه وائته. قال ابن السّكَّيت" تقول للرجل إذا أَمرتهُ بشيءٍ وأَغريتهُ. كذَبَ عليك كذا وكذا، أي "عليك به، وهي كلمةٌ نادرة" اهـ.

ثم جرى هذا الكلامُ مَجرى الأمر بالشيء والإغراء به والحثِّ عليه والحضِّ على لزومه وإِتيانه، من غير التفاتٍ إلى أصل المعنى، لأنه جرى مَجرى المثل، والأمثالُ لا يُلاحَظُ فيها أصلُ معناها وما قيلتْ بسَببه، وإنما يُلاحظُ فيها المعنى المجازيُّ الذي نُقِلت إليه وأشرِبتهُ.

(وهذا الكلام، إما من قولهم "كذبته عينه" ، أي أرته ما لا حقيقة له. كما قال الأخطل [من الكامل]

كذَبَتْكَ عَيْنُكَ؟ أَم رأَيتَ بِواسطٍ ... غَلَسَ الظلاَمِ من الرَّبابِ خيالاً

(وإما من قولهم "كذَب نفسه، وكذبته نفسه" . إذا غرّها أو غرته، وحدثها او حدثته بالأماني البعيدة والأمور التي يبلغها وسعه ومقدرته. ومنه قيل النفس "الكذوب" ، وجمعها "كُذُب" - بضمتين - قال الشاعر "حتى إِذا صدقته كُذبه" ، أي نفوسه، جعل له نفوساً لتفرّق رأيه وتشتته وانتشاره. وقالوا ضد ذلك "صدقته نفسه" أي ثبطته واضعفت عزيمته كما قال الشاعر [من المتقارب]

فأقبَلَ يجري على قَدرِهِ ... فَلَما دَنا صَدَقتْهُ الكَذُوبُ

أي فلما دنا من الامر الذى وطد عزيمته عليه ثبطته نفسه وكسرت من همته وقال لبيد [من الرمل]

واكْذِب النَّفْسَ، إِذا حَدَّثْتَها ... إِنّ صدْقَ النَّفْسِ يُزْري بالأَمَلْ

(والمعنى نشطها وقوِّها ومَتّنْها، ولا تثبطها، فانك، إن صدقتها، (أي ثبطتها وفترتها) كان ذلك داعياً إلى عجزها وكلالها وفتورها، خشية التعب في سبيل ما أنت تريده) .

ومن ذلك حديثُ "فمنِ احتجمَ، فيومُ الخميس والأحدِ كذَباك، أي عليك بهذين اليومين، فاحتجمْ فيهما."

ومنه قولُ أعرابيّ، وقد نظرَ إلى جمل نِضْو كذبَ عليك البزْرُ والنَّوى، وفي رواية "القَتُّ والنَّوى" ، أي عليك بهما والزَمهما فإنهما يُسمّنانِكَ. وفي حديث عُمَرَ "شَكا إليه عَمْرو بنُ مَعد يكرِبَ، أوغيرهُ، النّقْرِسَ فقال" كذَب عليك الظهائرُ "، أي عليك بالمشي فيها. وفي روايةٍ" كذَب عليك الظواهرُ ". وفي جديثٍ له آخر إنَّ عَمْروَ بنَ مَعد يِكرِب شكا إليه المَعَص، فقال" كذَبَ عليك العَسَلُ "،"

يُريدُ العَسلانَ، (وهو مشى الذِّئبِ) أي عليك بِسُرْعة المشي. وفي حديثٍ له غيرِه أنهُ قال كذَب عَليكمُ الحَجُّ، كذب عليكم العُمْرةُ، كذب عليكُم الجِهادُ، ثلاثةُ أسفارٍ كذبْن عليكم "أي الزمُوا ذلك وعليكم به."

(وهذا كلام يراد به الاغراءُ بالشيء والحث عليه ولزومه، كما قدمناه، وهو خبر في معنى الأمر، كما في قولك "رحمه الله" أي اللهم ارحمه، ونحو "امكنتك الفرصة، وأمكنك الصيد، يريد الاغراءُ بهما والأمر باتيهانهما. والمعنى عليكم بالحج والعمرة والجهاد، فأتوهن، فانهن واجبات عليكم. قال الزمخشري في (الفائق) (إنها كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم. ولذلك لم تنصرف، ولزمت طريقة واحدة في كونها فعلا ماضياً معلقاً بالمخاطب ليس إلا. وهي في معنى الأمر، كقولهم في الدعاء رحمك الله، والمراد بالكذب الترغيب والبعث، من قول العرب كذبته نفسه إذا منته الأماني، وخيلت من الآمال ما لا يكاد يكون. وذلك ما يرغب الرجل في الأمور، ويبعثه على التعرض لها. ومن ثمة قالوا للنفس" كذوب "اهـ. وقال (الاعلم) العرب تقول" كذبك التمر واللبن "، أي عليك بهما. وأصل الكذب الامكان. وقولك للرجل" كذبتَ "أي امكنت من نفسك وضعفت فلهذا اتسع فأغريَ به، لأنه متى أغريَ بشيء فقد جعل المغرى به ممكناً مستطاعاً إن رامه المغري" اهـ. وقال الجوهري "كذب" معناه هنا وجب.

وقد ذكرنا لك من قبل ما فيه الكفاية في الكشف عن حقيقة هذا الكلام. فاعتصم به فانه يقول هو القول. فلا غاية وراءَه والله اعلم) .

ومن الأفعال الجامدة فِعلا التَّعجُّبِ وأفعالُ المدْحِ والذَّمّ وسيأتي الكلام عليها

الفعل المتصرف

الفعلُ المتصرِّف هو ما لم يُشبِه الحرفَ في الجُمود، أي في لُزومه طريقةً واحدةً في التعبير لانه يدُلُّ على حَدث مقترن بزمان، فهو يَقبَل التحوُّلَ من صورة إلى صورة لأداءِ المعاني في أزمنتها المختلفة. وهو قسمان

تامُّ التصرُّف وهو ما يأتي منه الأفعال الثلاثةُ باطِرادٍ، مثل

"كتبَ ويكتُبُ واكتُبْ" . وهو كلُّ الأفعال، إِلا قليلا منها.

ونَاقصُ التَّصرُّفِ وهو ما يأتي منه فعلانِ فقط. إما الماضي والمضارع، مثل "كادَ يَكادُ، وأوشكَ يُوشكُ، وما زالَ وما يزالُ، وما انفكَّ وما ينفكُّ، وما بَرِحَ وما يَبرحُ" . وكلُّها من الأفعال الناقصة. وإما المضارع والأمر، نحو "يَدَعُ ودَعْ ويَذَرُ وذَرْ" .

(وقد سمع سماعاً نادراً الماضي من "يَدَعُ ويذَرُ" ، فقالوا (ودَع ووَذر) ، بوزن (وضع) ، إلا ان ذلك شاذ في الاستعمال، لأن العرب كلهم، إلا قليلا منهم، فقد اميت هذا الماضي من لغاتهم. وليس المعنى انهم لم يتكلَّما به البتة، بل قد تكلموا به دهراً طويلا، ثم أماتوه باهمالهم استعماله فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب وجدوه مماتاً، إلا ما سمع منه سماعاً نادراً. ومن هذا النادر حديث "دَعوا الحبشة وما وَدَعوكم" . وقرئ شذوذاً {ما ودّعك ربك وما قلى} ، بتخفيف الدال. وسمع المصدر، من (يدعُ) كحديث "لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات" ، أي عن تركهم إياها، وسمع منها اسم الفاعل واسم المفعول في أبيات الشعر وكل ذلك نادر في الاستعمال.

وذكر السيوطي في (همع الهوامع) . أن (ذر ودع) يُعدان في الجوامد، إذ لم يستعمل منهما إلا الأمر. وهذا غفلة منه (رحمه الله) فإن

(يدع) مضارع (دع) مستعمل كثيراً. وأما المضارع من (ذر) فقد جاء مستفيضاً في أفصح الكلام وأشرفه وقد أحصيت ما ورد منه في القرآن الكريم، فكان عشرين ونيفاً) .


(فعلا التعجب)

التَّعجُّبُ هو استعظامُ فعلِ فاعلٍ ظاهر المزية.

ويكونُ بالفاظٍ كثيرةٍ، كقوله تعالى {كيفَ تكفرون بالله! وكنتم أمواتاً فأحياكم} ، وكحديث "سُبحانَ اللهِ! المؤمن لا يَنجَسُ حيًّا ولا ميْتاً" ، ونحو "للهِ دَرُّهُ فارساً! ولله أنت!" ونحو "يا لك من رجل! وحَسبُكَ بخالدٍ رجلاً ونحو ذلك."

وكلُّ ذلك إنما يُفهمُ من قرينة الكلام، لا بأصل الوضع. والذي يُفهم التعجُّبَ بصيغته الموضوعةِ للتعجب، إنما هو "فعلا التعجب" .

وهُما صيغتانِ للتعجب من الشيءِ ويكونان على وزن "ما أفعل" و "أفعِلْ بِ" نحو "ما أحسنَ العِلم! وأقبِحْ بالجهل!" .

وتُسمى الصيغةُ الأولى (فعل التعجب الأوَّل) ، والصيغةُ الثانية (فعل التعجبِ الثانيّ) . وهما فعلان ماضيان. وقد جاءت الثانية منهما على صيغة الأمر، وليست بفعل أمرٍ.

ومَدلولُ كلا الفعلين واحدٌ، وهو إنشاءُ التعجُّب.

شروط صوغهما

فعلا التعجُّب، كاسم التفضيل، لا يُصاغان إلا من فعلٍ ثلاثي الأحرف، مُثبتٍ، متصرّفٍ، معلومٍ، تامٍّ، قابلٍ للتفضيل، لا تأتي الصفة المُشبَّهةُ منه على وزن "أفعلُ" .

فلا يُبنيان مما لا فعل له. كالصخر والحمار ونحوهما. وشذّ قولهم. "ما أرجله!" فقد بنوه من الرجولية ولا فعلَ لها، ولا من غير الثلاثي المجرد. وشذّ قولهم، ما اعطاه للدراهم، وما أولاه للمعروف! "، بنوهما من" أعطى وأولى "وهما رباعيا الأحرف. وقولهم" ما اتقاه! وما املاء القربة! وما اخصره! "بنوها من (اتقى وامتلاء واختُصر) ، وهي خماسية الأحرف، وفي اختصر (بالبناء للمجهول) شذوذ وهو انه فعل مجهول. وكذلك لا يبنيان من فعل منفي، خشية التباس النفي بالاثبات، ولا من فعل مجهول، خشية التباس الفاعلية بالمفعولية. لأنك ان بنيته من (نُصر) المجهول، فقلت (ما انصره!) التمس الأمر على السامع، فلا يدري أتتعجب من نصره أم من منصوريته. فان أمن اللبس بأن كان الفعل مما لا يرد إلا مجهولا، نحو (زُهِي علينا، وعُنيت بالأمر) جاز التعجب به على الأصح، فتقول (ما أزهاه علينا وما أعناه بالأمر!) ولا يبنيان من فعل ناقص. ككان وأخواتها، وكاد واخواتها. وأما قولهم" ما أصبح أبرَدَها! وما أمسى أدفأها! "ففعل التعجب إنما هو أبرد وادفأ" وأصبح وأمسى زائدتان، كما تزاد (كان) بين (ما) وفعل التعجب، كما سيأتي. غير أن زيادتهما نادرة، وزيادتها كثيرة، ولا يبنيان مما لا يقبل المفاضلة. كمات وفني، إلا أن يراد بمات معنى البلادة، فيجوز نحو "ما أمْوت قلبه!" . ولا مما تأتي الصفة المشبهة منه على وزن (أفعلَ) كأحمرَ واعرجَ واكْحل واشيب وشذ قولهم (ما اهوجه، وما احمقه وما ارعنه! لأن الصفة منها هي اهوج واحمق وارعن) .

وإذا أردتَ صوْغَ فِعلي التعجب مما لم يستوف الشروط، أتيت بمصدره منصوبا بعد "أشدّ" أو "أكثر" ونحوهما، ومجروراً بالباءِ الزائدة بعد

"أشدِدْ" أو "أكثرْ" ونحوهما، تقول "ما أشدَّ إيمانهُ، أَو ابتهاجَهُ، أَو سوادَ عينيه!" ، وتقول "أَبْلِغ بعورِه، أَو كحلهِ، أَو اجتهاده!" .

صيغة (ما افعله!)

يَلي صيغةَ "ما أفعلَ" في التعجُّبِ المُتعجَّبُ منه منصوباً على المفعولية لأفعل.

والهمزةُ في "ما أفعلَ" للتَّعدية. فمعنى قولك "ما أجملَ الفضيلةَ" شيءٌ جعلها جميلةً، كما تقولُ "أمرٌ أقعدَهُ واقامه!" ، تريدُ أنَّ قُعودَه وقيامَهُ لم يكونا إلاّ لأمرٍ. ثمَّ حُملَ الكلامُ على معنى التعجب، فجرى مَجرى المَثل، فلزِمَ طريقاً واحدةً في التعبير. و (ما) اسمٌ نكرةٌ تامةٌ بمعنى "شيءٌ" ، وقيلَ هي (ما) الاستفهاميةُ خرجت عن معناها إلى معنى التعجب.

(وعلى كل فهي في موضع رفع على الابتداء. وجاز الابتداء بها مع أنها نكرة، لتضمنها معنى التعجب. والفعل بعدها فعل ماض للتعجب، وفاعله ضمير مستتر وجوباً يعود اليها. والمنصوب مفعوله. والجملة في محل رفع المبتدأ الذي هو (ما) .

و (ما) النكرة التامة، هي التي تكون مكتفية بنفسها، فلا تحتاج أي صلة او صفة، نحو "أَكرم رجلا ما" . ومنه المثل "لأمر ما جدع قصير انفه" . ومنها (ما) قبل فعل التعجب.

فان احتاجت (ما) إلى جملة توصل بها فهي، معرفة موصولة. نحو "افعل ما تراه خيراً" وان احتاجت إلى ما توصف به من مفرد او جملة، فهي نكرة موصوفة، نحو "اعمل ما نافعاً للأمة" اي شيئاً نافعاً لها، ونحو "اعمل ما من الأمور ينفع" ، اي "شيئاً من الأمور نافعاً" ، فجملة

(ينفع) في موضع نصب نعت لما.

وسيأتي القول على الموصولية والموصوفية مبسوطاً في الكلام على الاسماء الموصولة واسماء الاستفهام) .

وتُزادُ (كان) كثيراً بين (ما) . وفعلِ التعجب، نحو "ما (كان) أعدَلَ" عمَرَ! "ومنهُ قولُ الشاعر [من الكامل] "

ما (كانَ) أَسْعَدَ مَنْ أَجابكَ آخِذاً ... بِهُداكَ، مُجْتَنِباً هَوىً وعِنادا

وقل الآخر [من الكامل]

حَجَبَتْ تَحِيَّتَها، فقلتُ لصاحبي ... ما كانَ أَكثرها لنا وأَقَلّها!

(فكان تامة رافعة ما بعدها على الفاعلية و (ما) مصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر منصوب على انه مفعول به لفعل التعجب والمصدر المؤول هو المتعجب منه فإنه اردت الإستقبال قلت "ما احسن ما يكون البدر ليلة الغد" .

صيغة (افعل به!)

كما يَلي المُتعجَّبُ منهُ صيغةَ "ما أفعَلَ" ، منصوباً على المفعولية، يلي صيغة "أفعِلْ" المُتعجَّبُ منه، مجروراً بباءٍ زائدةٍ لفظاً، مرفوعا على الفاعلية مَحلاًّ.

ويبقى الفعل بلفظٍ واحد للجميع، تقول "يا رجلُ أكرمْ بسعادَ! ويا رجلان ويا امرأتان أكرمْ بها! ويا رجالُ أكرمْ بها ويا نساء أكرِم بها!" .

فقولُك "أقبحْ بالجهل" أصله أقبحَ الجهلُ "أي صار ذا قُبحٍ."

فالهمزةُ للصَّيرورة، كما قالوا أغدَّ البعير "، أي صار ذا غُدَّةٍ. ثم أُخرِجَ عن لفظ الخبر إلى لفظ الأمر، لإفادة التعجُّب، كما أُخرِجَ الأمر بمعنى الدعاءِ عن لفظه إلى لفظ الخبر في قولهم" رحمه الله، ويرحمك الله "."

والباء هنا زائدة في الفاعل، كما في "كفى بالله شهيداً" . وذلك أنه لما غُيِّرتْ صورة الماضي إلى الأمر، لارادة التعجب، قَبُحَ إسنادُ صيغة الأمر إلى الإسم الظاهر إسناداً صريحاً، فزيدت الباءُ في "أكرمْ" زيادةً مُلتزمة، ليكون على صورة المفعول به المجرور بحرف الجر الزائد لفظاً، كما في قوله تعالى "ولا تُلقوا بأيدكم إلى التَّهلكة" وزيادتُها هنا بخلافها في فاعل "كفى" فهي غيرُ مُلتزمةٍ فيه، فيجوز حذفها، كما قال الشاعر [من الطويل]

عُمَيْرَةً ودِّعْ، إِنْ تَجَهَّزْتَ عاديا ... كفى الشَّيْبُ والإِسلامُ لِلمَرْءِ ناهيا

(وأما اعراب "اقبح بالجهل، فأقبح فعل ماض، جاء على صيغة الأمر، لإنشاء التعجب. وهو مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون الذي اقتضته صيغة الأمر، والباء حرف جر زائد، والجاهل فاعل (أقبح) وهو مجرور لفظاً بالباء الزائدة، مرفوع محلا لأنه فاعل."

وقال الزمخشري في (المفصل) في قولهم "اكرم بزيد" "إِنه أمر لكل احد بأن يجعل زيداً كريماً" ، اي بأن يصفه بالكرم والباء مزيدة - مثلها في قوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} للتأكيد والاختصاص او هو أمر بأن يصيره ذا كرم والباء للتعدية هذا اصله ثم جرى مجرى المثل فلم يغير عن لفظ الواحد في قولك يا رجلان اكرم بزيد ويا رجال اكرم بزيد) أهـ.

فعلى هذا فمجرور الباء في موضع المفعول به لأنه في موضع الفاعل

ويكون فاعل (اكرم) مستتراً تقديره انت مثله في كل امر للواحد وما هذا ببعيد وهو قول جماعة من العلماء غير الزمخشري كالفراء والزجاج وابن كيسان وابن خروف.

(وثمرة الخلاف بين جعله امرا صورة ماضياً حقيقة وجعله امراً صورة وحقيقة انه لو اضطرّ شاعر الى حذف هذه الباء الداخلة على المتوجب منه لزمه ان ينصب ما بعدها على رأي الفراء ومن تابعه لأنه مفعول به وان يرفعه على رأي الجمهور لانه فاعل) .

ولا يجوزُ حذفُ الباءِ الداخلة على المُتعجَّب منه في نحو قولك أجملْ بالفضيلة! "، وإن كانت زائدةً، لأنّ زيادتها مُلتزِمةٌ، كما قدَّمنا، إلا ان تكون قبل" أنْ وأنَّ "، فيجوز حذفُها، لاطِّراد حذف حرف الجرِّ قبلهما، كقول الشاعر [من الطويل] "

وقال نَبيُّ المُسْلمين تَقَدَّموا ... وأَحبِبْ إِلينا أَن يكون المُقَدَما

أي أحببْ إلينا بأن يكون المُقدَّم.

احكام فعلي التعجب

(1) لا يكون المُتعجَّبُ منه (منصوباً كان، أو مجروراً بالباءِ الزائدة) إلا معرفةً أو نكِرةً مُختصَّة، لتحصُل الفائدةُ المطلوبة، وهي التعجب من حال شخصٍ مخصوص فلا يُقالُ "ما أحسنَ رجلاً!" ، ولا أحسنْ بقائمٍ "، لعدم الفائدة. فإن قلت" ما أحن رجلاً يفعلُ الخير! "و" أحسنْ بقائمٍ بالواجب! "جاز، لحصول الفائدة."

(2) يجوز حذفُ المُتعجَّب منه - وهو المنصوب بعد "ما أفعلَ" . والمجرورُ بالباءِ بعد "أفعلْ" - إن كان الكلام واضحاً بدونه، فالأول كقوله [من الطويل]

جزى الله عني، والجزاءُ بفضله، ... بِيعةَ خَيراً، ما أَعفَّ وأَكْرما

أي "ما أعفَّهم! وما أكرمهم!" والثاني كقوله تعالى "أسْمِعْ بهم! وأبصِرْ بِهمْ!، وقول الشاعر [من الوافر] "

أعزِزْ بنا وأَكْفِ! إن دُعِينا ... يوماً إِلى نُصْرةِ مَنْ يَلِينا

أي وأكفِ بنا! والمعنى ما أعزَّنا! وما أكفانا لهذاالأمر!.

ويُشترَطُ في حذفه بعد "أفعِلْ" أن يكون معطوفاً على أفعِلْ آخرَ مذكورٍ معه مِثلُ ذلك المحذوف، كما رأيتَ في الآية الكريمة والبيت. ولا يجوز حذفه إن لم يكن كذلك. وشذَّ قول الشاعر [من الطويل]

فَذَلك، إِن يَلْقَ الْمَنِيَّةَ يَلْقَها ... حَمِيداً، وإِنْ يَسْتَغْنِ يوماً فَأَجْدِر

أي فأجدِرْ به أَن يستغنيَ!

(3) إذا بُنيَ "فِعْلا التعجب" من مُعتل العين، وجب تصحيح عينهما، فلا يجوز إعلالها، نحو ما أطوَلهُ! وأطوِلْ به! "."

وكذلك يجبُ فَكُّ الإدغام في "أَفعِلْ" ، نحو أَعزِزْ علينا بأن تفارقَنا! "و" أشدِدْ بسوادِ عينيه! "."

(4) لا يُتصرَّفُ في الجملة التعجّبية بتقديمٍ ولا تأخيرٍ ولا فصل، إلا الفصلَ بين فعلِ التعجُّبِ والمتعجَّبِ منه بالظَّرف، أَو المجرور بحرف الجرّ (بشرط أَن يتعلقا بفعل التعجب) ، أَو النداء، فالفصل بها جائز. فالفصلُ بالظرف نحو أَن تقول "ما أَجملَ ليلةَ التَّمَ البدرَ!" ونحو قول الشاعر [من الطويل]

أُقيمُ بِدارِ الحَزْمِ، ما دامَ حَزْمُها ... وأَحرِ إِذا حالتْ، بأَن أَتحوَّلا

والفصلُ بالجارِّ والمجرور نحو "أَحسنْ بالرجلِ أَن يصدُقَ! وما أَقبح أَن يَكذِبَ!" ، ومنه وأحببْ إلينا أن يكونَ المُقدِّما "، وقول الآخر [من الطويل] "

خَلِيلَيَّ، ما أَحْرَى بِذِي اللبِّ أَن يُرى ... صَبوراً، ولكنْ لا سَبِيلَ إِلى الصَّبْر

وقولُ عَمْرِو بن مَعد يكرِب نَثْراً للهِ دَرُّ بني سُلَيم! ما أحسنَ في الهيجاء لِقاءَها! وأَكرمَ في اللَّزبات عَطاءها! وأثبت في المَكرمات بَقاءها! "."

والفصلُ بالنداءِ كقولِ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه السلامُ) "أعزِزْ عليَّ، أبا اليقطَانِ، أن أراك صريعاً مُجدَّلا!" .

(5) إن تَعلَّق بِفعلَي التعجب مجرورٌ هو فاعلٌ في المعنى، جُر بإلى،

نحو "ما أحبَّ زُهيراً إلى أبيه!" ونحو "ما أبغضَ الخائنَ إليَّ" . ولا يكونُ هذا إلا إذا دَلَّ فعلُ التعجب على حُبٍّ أو بُغضٍ، كما رأيتَ.

فإن كان في المعنى مفعولا، وكان فعلُ التعجب في الأصل مُتعدياً بنفسه، غير دالٍّ على عِلْمٍ أو جهلٍ، جُرَّ بالَّلام نحو "ما أحب زُهَيراً لأبيه! وما أبغضَني للخائن! وما أكسبَني للخير!" .

فإن دلَّ على علمٍ أو جهلٍ جرَرْتُ المفعول بالباءِ، نحو "ما أعرفني بالحقِّ! وما أجهلَهُ بالصدق! وما أبصَرك بمواقع الصواب! وما أعلمَهُ بطرُقِ السّداد!" .

وإن كان فعلُ التعجب في الأصل مُتعدِّياً بحرف جر، جرَرتَ مفعولهُ بما كان يَتعدّى به من حرفٍ، نحو "ما أغضبَني على الخائن! وما ارضاني عن الأمين! وما أمسكني بالصدق، وما أكثرَ إذعاني للحقّ" .

(6) وقد وَرَدَ تصغيرُ "ما أفعلُ" شُذوذاً، وهو فعلٌ لا يُصغّرُ، لأنَّ التصغير من خصائص الأسماءِ. غير أنه لما أشبهَ اسم التفضيل وزناً وأَصلا ودلالةً على المبالغة، سهلَ عليهم ذلك، كقوله [من البسيط]

يا ما أَمَيْلَحَ غِزْلاناً، شَدَنَّ، لنا ... مِنْ هؤُليّائِكُنَّ الضّالِ والسَّمُرِ

قالوا "ولم يُسْمعُ إلا في ما أملحَ، وما أحسن" . غير أنه يجوز القياسُ على هذا الشُّذوذ، إِذا أريدَ به مع التعجب التَّحبُّبُ كما رأيتَ في البيت. وعليه يجوز أن تقول ما أحَيلاهُ! وما أُدَيناهُ إِلى قلبي! وما أَطَيرِف حديثهُ! وما أُظيرِفَ مجلسه! "."


(أفعال المدح والذم)

أفعال المدح هي "نعْمَ وحبّ وحبّذا" .

وأفعالُ الذمِّ هي "بئس وساء ولا حبّذا" .

وهي أفعالٌ لإنشاءِ المدح أو الذم فجُملها إنشائيةٌ غير طلبية، لا خبرية، ولا بُدَّ لها من مخصوصٍ بالمدح أو الذم.

(فإّا قلت "نعم الرجل خالد، وبئس الرجل فلان" . فالمخصوص بالمدح هو (خالد) ، والمخصوص بالذم هو (زيد) .

وهي غير محتاجة إلى التصرف، للزومها اسلوباً واحداً في التعبير، لأنها تدل على الحدث المتطلب للزمان، حتى تحتاج إلى التصرف بحسب الازمنة. فمعنى المدح والذم لا يختلف باختلاف الزمان) .

حبذا وحب ولا حبذا

حَبَّذا وحَبَّ فعلان لإنشاءِ المدح.

فأما "حبَّذا" فهي مُركبةٌ من "حَبَّ" و "ذا" الإشارية، نحو "حبذا رجلاً خالدٌ" .

(فحبّ فعل ماض، و "ذا" اسم اشارة فاعلة، ورجلا تمييز لذا

رافع ابهامه. وخالد مبتدأ مرفوع مؤخر، خبره جملة "حبذا" مقدمة عليه) .

ولا يتقدم عليها المخصوصُ بالمدح، ولا التّمييزُ فلا يُقالُ "خالدٌ حبّذا رجلا" ولا "رجلاً حبّذا خالدٌ" .

أما تقديم التّمييز على المخصوص بالمدح فجائزٌ، كما رأيت، بل هو الأوَّل، ومنه قول الشاعر [من الطويل]

أَلا حَبَّذا قوماً سُلَيْمٌ، فإِنهم ... وفَوْا، وتَواصوْا بالإِعانةِ والصَّبْر

ويجوزُ أن يكون بعدهُ، كقول الآخر [من الخفيف]

حَبَّذا الصَّبْرُ شِيمَةً لامرىءٍ رامَ - ... مُباراةَ مُولَع بالْمَغاني

و (ذا) في "حبذا" تَلتزم الأفرادَ والتذكيرَ في جميع أحوالها، وإن كان المخصوصُ بخلاف ذلك. قال الشاعر [من البسيط]

يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيّانِ من جَبَلٍ ... وحَبَّذا ساكِنُ الرَّيّانِ، مَنْ كانا

وحَبَّذا نَفَحاتٌ من يَمانيَةٍ ... تأتِيكَ من قِبَلِ الرَّيّانِ أَحيانا

فذا مفردٌ مذكر، والمخصوصُ - وهو "النَّفَحات" - جمعٌ مؤنث، وقال الآخر [من الخفيف]

حبَّذا أَنتُما خَلِيلَيَّ إِنْ لم ... تعْذُلاني في دَمْعِيَ المُهراق

فالمخصوص هنا مثنى، و "ذا" مفرد. وقال غيره ألا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ، فذا مذكر. وهذا مؤنث.

وقد تدخلُ "لا" على "حبذا" فتكون مثلَ "بِئسَ" في إفادة الذَّمِ كقول الشاعر [من المتقارب]

أَلا حَبَّذا عاذري في الهَوى ... ولا حَبَّذا الجاهلُ العاذِل

وقل الآخر [من الطويل]

أَلا حَبَّذا أَهلُ الْمَلا، غيرَ أنَّهُ ... إِذا ذُكرَتْ هِنْدٌ، فلا حَبَّذا هِيا

ولا يجوز أن تدخلَ على مخصوص "حبَّذا" نواسخُ المبتدأ والخبر، وهي "كان وأخواتُها، وظنَّ وأخواتُها، وإنَّ وأخواتها" ، فلا يقال "حبَّذا رجلاً كان خالدٌ" ولا "حبَّذا رجلاً ظننتُ سعيداً" .

ويجوز حذفُ مخصوصها إن عُلمَ كأن تُسأل عن خالدٍ مثلا، فتقول "حبَّذا رجلاً" أي حبَّذا رجل هو، أي خالدٌ. ومنه قول الشاعر [من الطويل]

ألا حَبَّذا، لَوْلا الحَياءُ. ورُبَّما ... مَنَحْتُ الهَوى ما لَيْسَ بِالمتَقارِبِ

وأما "حبَّ" ففاعله هو المخصوص بالمدح، نحو "حبَّ زُهيرٌ رجلاً" . وقد يُجرُّ بباءٍ زائدة، نحو حبَّ به عاملا، ومنه قول الشاعر

فَقُلْتُ اقتلوها عنكم بِمِزاجها ... وحَبَّ بها مقتولةً حينَ تُقْتَلُ

وأصلُه "حَبُبَ" بضم الباء، بمعنى صار محبوباً، ولذا يجوز أن يقالَ فيه "حُبَّ" ، بضمِّ الحاءِ، بنقلِ حركةِ الباءِ إلى الحاءِ وهو كثيرٌ في الاستعمال.

نعم وبئس وساء

نعم فعلٌ لإنشاء المدح. وبِئس وساءَ فِعلان لإنشاءِ الذَّم.

(قال في المختار "نعم منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين" ؛ اذا اصاب النعمة. وبئس "منقول من بئس، بفتح الباء وكسر الهمزة" اذا اصاب بؤساً فنقلا الى المدح والذم - فشابها الحروف، "فلم يتصرفا" اهـ واما (ساء) فهول منقول من (ساء يسوء سواء) بفتح السين في المصدر) ذا قبح. تقول "ساء عمله، وساءت سيرته" . ثم نقل إلى الذم، فلم تنصرف كما تنصرف (بئس ) ) .

وفي "نِعْمَ وبِئْسَ" ، أربعُ لغاتٍ "نِعْمَ وبِئْس" بكسر فسكونٍ - وهي أَفصحهُنَّ، وهي لغةُ القرآن الكريم. ثمَّ "نِعِمَ وبِئسَ" - بكسر أوَّلهما وثانيهما -، غير أنَّ الغالبَ في "نِعِمَ" أن يجيء بعدهُ (ما) ، كقوله تعالى {نِعمّا يَعِظُكم به} . ثم "نَعْمَ وبأس بفتحٍ فسكونٍ - ثمَّ" نِعْمَ وبَئِسَ "، - بفتحٍ فكسرٍ - وهي الأصلُ فيهما."

ولا بُدَّ لهذه الأفعال من شيئين فاعل ومخصوصٍ بالمدح أو الَّم

نحو "نِعْمَ الرجلُ زُهَيرٌ" . فالرجلُ هو الفاعلُ والمخصوصُ بالمدح هو زهيرٌ.

أحكام فاعل هذه الافعال

فاعلُ هذه الأفعالِ نوعانِ

الأوَّل اسمٌ ظاهرٌ مُعرَّفٌ بأل الجِنسيَّةِ، التي تُفيد الاستغراق (أي شُمولَ الجنس) حقيقةً، أو اسمٌ مُضافٌ إلى ما اقترنَ بها، أو مُضافٌ إلى اسمٍ أضيفَ إلى مُقترنٍ بها.

فالأولُ نحوُ "نِعْمَ التلميذُ زهيرٌ" و "بئسَ الشراب الخمرُ" . والثاني، نحو {وَلنِعْمَ دارُ المتَّقِينَ} ، و {بِئسَ مثوى المُتكبِّرينَ} . والثالثُ، نحو "نِعمَ حكيمُ شُعراءِ الجاهليةِ زهيرٌ" ، ومنه قول الشاعر [من الطويل]

فنِعْمَ ابنُ أُختِ الْقومِ، غَيرَ مُكذِّبٍ ... زُهَيْرٌ، حُسامٌ مُفْرَدٌ من حمائِلِ

(والحق أن (أل) ، التي تسبق فاعل هذه الأفعال، للجنس على سبيل الاستغراق حقيقة، كما قدّمنا. فهي مفيدة للاحاطة والشمول حقيقة لا مجازاً، فيكون الجنس كله ممدوحاً أو مذموماً، والمخصوص مندرج تحت الجنس، فيشمله المدح أو الذم. فاذا قلت "نعم الرجل زهير" فالمدح قد وقع أولا على جنس الرجل كله على سبيل الشمول حقيقة. ثم على سبل المخصوص بالمدح، وهو زهير، فيكون المخصوص قد مدح مرتين مرة مع غيره، لدخوله في عموم الجنس، لأنه فرد من افراد ذلك الجنس، ومرة

على سبيل التخصيص، لأنه قد خص بالذكر، ولذلك يسمى المخصوص.

والغرض من جعلها للاستغراق والشمول على سبيل الحقيقة هو المبالغة في اثبات المدح للمدوح "الذم للمذموم، بجعلك المدح والذم للجنس، الذي هو المخصوص فرد منه. ثم يأتي المخصوص مبيناً المدار من الاجمال في مدح الجنس على سبيل الحقيقة."

ولك أن تجعل (أل) هذه للاستغراق لا على سبيل الحقيقة. بل على سبيل المجاز. مدعياً أن هذا المخصوص هو جميع الجنس لجمعه ما تفرَّق في غيره من الكمالات أو النقائص فان قلت "نعم الرجل زهير" ، فقد جعلت زهيراً هو جميع الجنس مبالغة، لاستغراقه جميع كمالاته، ولم تقصد من ذلك الا مدحه. ونظير ذلك أن تقول "أنت الرجل" ، أي اجتمعت فيك كل صفات الرجال) .

وقد يقومُ الاسمُ الموصولُ، إذا اريدَ به الجنسُ لا العَهدُ مَقام المُعرَّف بألِّ الجنسيَّةِ، فيكون فاعلا لهذه الأفعال، كما تكون هي، نحو "نِعْم الذي يفعلُ الخيرَ زهيرٌ" و "بِئسَ من يخون أمتهُ فُلانٌ" .

(فان الاسم الموصول، اذا لم يرد به المهد، بل اريد به العموم، أشبه المقترن بأل الجنسية فيصحُ أن تسند إليه هذه الأفعال، كما تسند إلى المقترن بأل الجنسية) .

الثاني أن يكون فاعلُها ضميراً مستتراً مُفَسّراً بنكرةٍ منصوبة على التَّمييز، واجبةِ التأخير عن الفعل والتقديمِ على الممدوح أو المذموْم، مطابقةٍ لهما إفراداً وتَثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً. ويأتي بعد ذلك المخصوص بالمدح أو الذَّم مرفوعاً على الابتداء، والجملةُ قبلَه خبرُهُ، نحو "نِعْمَ رجلاً"

زهيرٌ "."

والتمييزُ هنا مُحَموَّلٌ عن فاعلٍ مُقترنٍ بِـ (ألْ) ، لذا يجوز تحويلُه إلى فاعلٍ مُقترنٍ بها، فتقول "نعم الرجلُ زهيرٌ" .

وقد تكون النكرةُ كلمة (ما) - التي هي اسمٌ نكرة بمعنى "شيء" - فتكون فى موضع نصبٍ معلى التمييز، على ما اختارَهُ المُحققون من النُّحاة. وهو أقربُ الأقوال فيها. سَواءٌ أتُليتْ باسمٍ، نحو "نِعمَّا التَّقوى، ومنه قولُه تعالى {إن تبدوا الصَّدقاتِ فَنعما هي} ، أم تُليت بجملةٍ فعليَّةٍ، كقوله تعالى {نِعِمًّا يَعظُكم به} " أم لم تُتْلى بشيءٍ نحو "أكرمته إكراماً" .

ومتى كان فاعلها ضميراً وجبَ فيه ثلاثةُ أشياء

الأول والثاني إفرادُه وأستتارُه، كما رأيت فلا يجوز إبرازُه في تثنيةٍ ولا جمع، استغناءً عنه بتثنية تمييزه أو جمعه، سواءٌ أتأخرَ المخصوصُ أم تقدَّم. فلا يقالُ "نِعما رجلين خالدٌ وسعيدٌ" ، ولا "خالدٌ وسعيدٌ نِعما رجلين" .

الثالث وجوبُ أن يُفسّرَهُ اسمٌ نكرةٌ يُذكرُ بعده منصوباً على التمييز كما قدَّمنا.

وإذا كان الفاعلُ مُؤنثاً جازَ أن تلحقَ الفعلَ تاءُ التأنيث، سواءٌ أكان مُظهَراً، نحو "نِعْمت المرأةُ فاطمةُ" ، وجاز أن لا تلحقه هذه التاءُ استغناء عنها بتأنيث التمييز المُفسّر، ذَهاباً إلى أن هذه الأفعالَ لما أشبهت الحرفَ في

الجمود لزِمت طريقة واحدةً في التعبير، فتقول "نعمَ المرأةُ فاطمةُ، ونعمَ امرأةً فاطمةُ. ومنه قول الشاعر [من الرجز] "

تَقولُ عِرسِي، وهي لي عَوَمَرهْ ... بِئس امرَأ، وإِنَّني بِئسَ المَرَهْ

وقول الآخر [من البسيط]

نِعْمَ الْفتاةُ فَتاةً هِنْدُ، لَوْ بَذَلتْ ... رَدَّ التَّحِيةِ نُطْقاً، أو بإِيماءِ

وكذا، إذا كان المخصوصُ مؤنثاً، يجوز تذكير الفعلِ وتأنيثُهُ، وإن كان الفاعلُ مُذكراً، فتقولُ "بِئْسَ أو بِئستِ الشَّرابُ الخمرُ" و "نِعمَ أو نِعمت الثْوابُ الجنّةُ، وعليه قول الشاعر [من الرجز] "

نِعْمَتْ جزاءُ المُتَّقينَ الجنَّهْ ... دارُ الأَمانِ والمُنى والمِنَّهْ

احكام المخصوص بالمدح والذم

لا يجوز أن يكون المخصوصُ بالمدح أو الذَّم إلا معرفةً، كما رأيتَ في الأمثلة المتقدمة، أو نكرةً مُفيدةً، نحو "نِعمَ الرجلهُ رجلٌ يُحاسبُ نفسهُ" . ولا يقاله "نِعْمَ العاملُ رجل" ، لعدَم الفائدة.

وهذا المخصوصُ مرفوعٌ أبداً، إما على الابتداءِ، والجملةُ قبلَهُ خبرُهُ.

وإما على أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وجوباً، لا يجوزُ ذكرُهُ، ويكونُ التقديرُ في قولك "نِعمَ الرجلُ زهيرٌ" . "نِعمَ الرجلُ هو زهيرٌ" .

(والكلام حينئذ يكون كأنه جواب لسائل سأل "من هو؟" حين

قلت "نعم الرجل" ، فقلت مجيباً "زهير" ، اي هو زهير. ولا يجوز ذكر هذا المبتدأ، لأنه احد المواضع التي يجب بها حذفه. كما ستعلم في الجزء الثاني من هذا الكتاب) .

وقد يُحذفُ المخصوصُ، إِذا دلَّ عليه دليل، كقوله تعالى "نِعْمَ العبدُ، إنه أَوَّابٌ" ، أي نعم العبد أيوبُ. وقد عُلم من ذكره قبلُ. وقوله سبحانه والأرض فرشاناها، فنعمَ الماهدون "، أي فنعم الماهدون نحنُ. ومنه قول الشاعر [من الرجز] "

نِعْمَ الفَتى فَجعَتْ به إِخوانَهُ ... يومَ البَقيعِ حوادِثُ الأَيَّامِ

أي نِعْم الفتى فتى فجعتْ حوادث الأيام به إخوانَهُ يومَ البقيع. فجملةُ "فجعت" في موضع رفعِ صفةٍ لفتًى المحذوف، وهو المخصوصُ المحذوف.

ومن حق المخصوص أن يُجانس الفاعلَ. فإن جاء ليس من جنسه، كان في الكلام مجازٌ بالحذف، كأن تقول "نِعْمَ عَمَلاً زهيرٌ" ، فالكلام على تقدير مُضافٍ نابَ فيه عنه المضافُ إليه، إذ التقديرُ "نِعمَ عملاً عملُ زهيرٍ" ، ومنه قوله تعالى {ساء مثلاً القومُ الذين كذَّبوا بآياتنا} . والتقديرُ "ساء مَثلاً مثلُ القومِ" .

ويجوز أن يُباشِرَ المخصوصَ، في هذا الباب، نَواسخُ المبتدأ والخبر، سواءٌ أتقدَّم المخصوصُ، نحو كان زهيرٌ نِعمَ الشاعرُ، ونحو قوله [من مجزوء الكامل]

إِنَّ ابنَ عَبدِ الله نِعْمَ ... أخُو النَّدَى وابنُ العشيرَهْ

أم تَأخرَ، نحو "نِعْم الرجلُ ظننتُ سعيداً" ، ومنه قول زهير [من الطويل]

يَميناً، لنِعْمَ السَّيِّدانِ وُجدْتُما ... على كُلِّ حالٍ من سَحيلٍ ومُبرَمِ

وقول الآخر [من الطويل]

إِذا أَرسلوني عندَ تَعذيرِ حاجةٍ ... أُمارِسُ فيها، كُنتُ نِعْم الْمُمارِسُ

أحكام التمييز في هذا الباب

يجبُ في تمييز هذا الباب خمسةُ أمور

(1) أن يتأخرَ، فلا يُقالُ "رجلاً نِعْمَ زهيرٌ" . وقد يتأخرُ عنه نادراً، نحو "نعم زهيرٌ رجلا" .

(3) أَن يكون مُطابقاً للمخصوص إفراداً وتَثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، نحو "نِعمَ رجلاً زهيرُ" ، ونعمَ رجلينِ زهيرٌ وأخوهُ "، و" نعمَ رجالا أنتمْ"، ونِعمتْ فتاةً فاطمةُ "، و" نعمتْ فتاتَينَ فاطمةُ وسُعادُ"، "ونِعمت فَتَياتٍ المجتهداتُ" ، ومن ذلك قولِ الشاعر [من الرجز]

نِعْمَ امْرأَين حاتمٌ وكَعْبٌ ... كِلاهُما غَيْثٌ، وسَيْفٌ عَضْبُ

(4) أن يكونَ قابلاً لألْ، لأنه محوَّلٌ عن فاعلٍ مُقترِنٍ بها، كما تقدَّمَ، فإن قلتَ "نِعمَ رجلاً زهيرٌ" ، فالأصلُ "نعمَ الرجل زهيرٌ" . فإن لم يَقبلها كمِثْلٍ وأيٍّ وغير وأفعلَ في التَّفضيل، فلا يُمَّيزُ به هذا الباب.

(اذا اريد بأفعل معنى التفضيل فلا يُميز به، فلا يقال "نعم أَكرم"

منك خالد "، ولا" نعمَ أفضل رجل علي "، لانه حينئذ لا يقبل (أل) اذا حوّله فاعلا. أما ان لم يرد به معنى التفضيل، فجائز التعبير به نحو" نِعْمَ أعلم زهير "اي نِعْم عالماً زهير" لأنه يصح أن تباشره (أل) في هذه الحالة، فنقول "نِعْمَ الاعلم زهير" ) .

(5) أنه لا يجوز حذفُهُ، إذا كان فاعلُ هذه الأفعال ضميراً يعودُ عليه، وقد يُحذَف نادراً كقولك "إن قلت كذا فَبِها ونعْمتْ" ، أي "نِعمتْ فِعلةً فعلتُك" ومنه حديثُ "مَنْ توَضأ يوم الجمعة فَبِها ونِعمتْ" ، أي "فبالسُّنةِ أخذَ، ونِعمت سُنَّةُ الوَضوء" .

أما إن كان فاعله اسماً ظاهراً، فلا يحتاج الكلام إلى ذكر التمييز، نحو "نعمَ الرجلُ عليٌّ" لأنَّ التمييزَ إنما هو لرفعِ الإبهام، ولا إبهامَ مع الفاعل الظاهر.

وقد يجتمع التمييز مع الفاعل الظاهر، تأكيداً له، فإنَّ التمييزَ قد يُذكرُ للتأكيد، لا لرفعِ الإبهام، كقول الشاعر "نِعمَ الفتاةُ فتاةً هند ..." (البيتَ السابقَ) .

وقد يُجرُّ التمييزُ، في هذا الباب، بِمنْ كقولِ الشاعر [من الوافر]

تخَيَّرَهُ، فلم يَعْدِل سِواهُ ... فَنعْمَ الْمَرءُ من رجلٍ تِهامِي

ومِثله تمييزُ "حَبّذا وحَبَّ" ، كقول الشاعر [من البسيط]

يا حَبَّذا جَبلُ الرَّيانِ من جَبَلٍ ... وحبَّذا ساكِنُ الرّيان، مَنْ كانا

الملحق بنعم وبئس

قد يجري مَجرى (نِعْمَ وبئسَ) - في إنشاء المدح أو الذمّ - كل فعلٍ ثلاثي مجرَّد، على وزن (فَعُلَ) - المضمومِ العين - على شرط أن يكون صالحاً لأنْ يُبنى منه فعلُ التعجب، نحو "كرُمَ الفتى زهيرٌ!" و "ولَؤمَ الخائنُ فلانٌ!" .

فإن لم يكن في الأصل على وزن (فَعُلَ) ، حوَّلته إليه، لأنَّ هذا الوزن يَدُلُّ على الخِصال والغرائز التي تستحق المدح أو الذَّم، فتقولُ في المدح من (كتبَ وفهِمَ) "كتُبَ الرجلُ خالدٌ! وفَهُم التلميذُ زهيرٌ!" ، وتقول في الذم من "جَهِل وكذَبَ" "جَهُل الفتى فلانٌ! وكذُبَ الرجلُ فلانٌ!" .

فإن كان الفعلُ مُعتَلَّ الآخر، مثلُ "قضى ورمى وغزا ورضِيَ وصَدِي" ، قلْتَ آخرَهُ واواً عندَ نقله إلى باب (فَعُلَ) ، لتُناسبَ الضمة قَبلها، فتقول "قضُوَ ورَمُوَ وغَزُوَ ورَضُوَ وصدُوَ"

وإن كان معتلَّ العين، مثل "جادَ وسادَ" ، بقيَ على حاله، وقُدِّرَ النّقل إلى باب (فَعُلَ) ، لأنك لو قلتَ "جَوُدَ وسَوُد" ، لَعادت الواوُ ألفاً، لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها.

ومن هذا الباب (ساء) - المتقدّمُ ذكرُه مع (نِعْمَ وبِئس) - فإنه لما أُريدَ به معنى (بئس) ، حُوّل إلى باب (فَعُلَ) فصار "سَوْاَ" ، ثم قُلِبَتِ الواوُ أَلفاً لأنها متحركةٌ مفتوحٌ ما قبلها، فَرَجعَ إلى "ساءَ" . وإنما يُذكرُ مع "نِعْمَ وبِئسِ" ، لأنهُ يجريّ مَجراهما في كل أمر، يُخالفُهما في حُكم.

واعمل أنه يجوزُ فيما يجري مَجرى "نِعْمَ وبِئسَ" ، سواءٌ أكان مضمون

العين أصالةً أو تَحويلاً، أن تَسكُنَ عينُهُ، مثل "ظَرْفَ وفُهْمَ" وأن تُنقَلَ حركتُها إلى فائِه، نحو "ظُرْفَ وفُهْمَ" ، وعليه قولُ الشاعر [من البسيط]

لا يَمْنَعُ الناسُ مني ما أرَدْتُ، ولا ... أُعطيهِم ما أرادوا! حُسْنَ ذا أدَبا!

(أي حسن هذا أدباً، فذا اسم إشارة فاعل. وأدباً تمييز، والواو في قوله "ولا أعطيهم" واو المعية التي ينتصب الفعل بعدها بأن مضمرة، فأعطيهم منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية المسبوقة بنفي. وكان حقه أن يظهر الفتحة على الياء لخفتها لكنه أضمرها ضرورة. يقول "ما أحسن ان لا يمنع الناس مني ما أردت من مالهم ومعونتهم مع بذلي لهم ما يريدون مني من مال ومعونة" . يقول ذلك منكراً على نفسه أن يعينه الناس ولا يعينهم. فحسن للمدح والتعجب. وأراد بها هنا التعجب الإنكاري. وقيل في معناه يريد أن يقهر الناس فيمنعهم ما يريدون منه، ولا يستطيعون أن يمنعون ما يريد منهم لعزته وسطوته. وجعل هذا أدباً حسناً. والصواب ما قدمناه، لأن ما قبله من القصيدة يدل على ذلك وهو قوله [من البسيط]

قَد يَعْلَمُ الناسُ أني من خيارِهم ... في الدِّينِ ديناً، وفي أحسابهمْ حَسبَا

(واعلم أن الأدب الذى كانت تعرفه العرب هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم؛ كترك السفه، وبذل المجهود، وحسن اللقاء. واصطلح الناس بعد الاسلام بمدة طويلة على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب "أديبا" وأن يسموا هذه العلوم "الأدب" . وذلك كلام مولدٌ لم تعرفه العرب بهذا المعنى، لأن هذه العلوم قد حدثت في الاسلام) .

ويُفيدُ ما يجري مجرى "نِعْمَ وبِئسَ" - معَ المدحِ أو الذَّم - التَّعَجُّبَ، ومعنى التعجب فيه قويٌّ ظاهرٌ، كما رأيتَ. حتى إن بعضَ العلماءِ ألحقهُ بباب التعجب. والحقُّ أنه مُلحقٌ بالبابين، لتضمُّنهِ المعنيين، لذلك تجري عليه أحكامُ ها البابِ وأحكام ذلك من بعض الوجوه كما ستعلم.

حكم الملحق بنعم وبئس

يجري ما يُلحقُ بِنعم وبِئسَ مَجراهما، من حيثُ الجُمودِ وإنِشاء المدحُ والذَّم، (إلا أنهُ يَتضمَّنُ أيضاً معنى التعجب، كما تقدّم) ، وكذلك من حيثُ الفاعلِ والمخصوصِ.

فيكونُ فاعلهُ، كفاعلهما، إِمّا اسماً ظاهراً مُعرّفاً بألْ نحوُ "عَقُلَ الفتى زهيرٌ!" ، أو مَضافاً إلى مُقترنٍ بها، نحو قَرُؤ غلامُ الرجل خالدٌ! "."

وإما ضميراً مستتراً بنكرةٍ بعدَهُ منصوبة على التمييز، نحو "هَدُوَ رجلا عليٌّ!" .

غير أنَّ فاعله الظاهرَ يُخالفُ فاعلهما الظاهر في أمرين

الأول جوازُ خُلُوِّهِ من (ألْ) نحو "خطُبَ عليٌّ!" ولا يجوز ذلك في فاعلِ "نِعْمَ وبِئسَ" .

الثاني أنه لما أَفادَ فعلهُ - مع المدح أو الذْمّ - التعجُّبَ

جاز أن يُجرَّ بكسرةِ باءٍ زائدةٍ تشبيهاً له "بأفعِلْ به" في التعجُّب، نحو "شَجُع بخالدٍ!" . ولا يجوز ذلك في فاعلهما.

أَما فاعله المَضمَرُ العائدُ على التمييز بعده فَيوافقُ فاعلَها المُضمر في أَنَّ الفعل معه يجوز أن يكون بلفظٍ واحدٍ للجميع، نحو "المجتهدةُ حسُن فتاةً، والمجتهدانِ حَسُن فَتَييْنِ والمجتهدون حَسُن فِتياناً" ، والمجتهداتُ حَسُنَ فتياتٍ ". كما تقول" المجتهدةُ نعمَ فتاةً، والمجتهدانِ نعمَ فتَييْن "الخ."

ويُخالفُه في جواز أن يكون على وَفقِ ما قبله إفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً

وتأنيثاً، نحو المجتهدُ حَسُن فتًى، والمجتهدةُ حَسُنتْ فتاةً، والمجتهدانِ حَسُنا فَتَييْنِ والمجتهدونَ حَسنُوا فِتياناً، والمجتهداتُ حَسُنَ فَتياتٍ ". ولا يجوز في" نعم وبئس "إلا أن يكونا بلفظٍ واحد، وذلك بأن يكون فاعلهما المَمضمرُ مفرداً عائداً على التمييز بعده إلا ما كان من جواز تأنيثه، اذا عاد على مؤنثٍ، كما تقدَّم."


(نونا التوكيد مع الفعل)

نونا التوكيد، إحداهما ثقيلةٌ مفتوحة، والاخرى خفيفةٌ ساكنة. وقد اجتمعتا في قوله تعالى لَيُسجَنننَّ وَليكوناً من الصاغرين "."

(ويجوز ان تكتب النون المخففة بالألف مع التنوين كما في الآية الكريمة، (وهو مذهب الكوفيين) فان وقفتَ عليها وقفت بالألف. ويجوز أن تكتب النون، كما هو شائع، وهو مذهب البصريين) .

ولا يُؤكدُ بهما إِلا فعلُ الأمرِ، والمضارع.

فأمّا فعلُ الأمر، فيجوز توكيدُهُ مُطلقاً، مثل "اجتهدَنَّ، وَتعلَّمَنَّ" .

وأَما الماضي لا يجوز توكيدُهُ مطلقاً. وقال بعضُهم إن كان ماضياً لفظاً، مُستقبلاً معنىً، فقد يُؤكدُ بهما على قلَّةٍ.

ومنه الحديث "فإما أدركنَّ أَحدٌ منك الدَّجالَ" ، فإنه على معنى "فإما يُدرِ كنَّ" . ومنه قول الشاعر [من الكامل]

دَامَنَّ سَعْدُكِ، لو رَحِمْتِ مُتَيّماً ... لولاكِ لم يَكُ للصَّبابَةِ جائحا

لأنَّه على معنى "لِيدُومَنَّ" فهو في معنى الأمر، والأمر مستقبل.

وأما المضارعُ فلا يجوز توكيدُه، إِلا أن يَقعَ بعد قَسَمٍ، أو أَداةٍ من

أَدوات الطَّلبِ أو النفي أَو الجزاء، أَو بعد (ما) الزائدة.

وتأكيدُه في هذه الأحوال جائز، إلا بعد القسم، فيجبُ تارة، ويمتنع تارة أُخرى، كما ستعلم.

تأكيد المضارع بالنون وجوباً

يُؤكدُ المضارعُ بالنون وجوباً، إذا كان مُثبَتاً مستقبلا، واقعاً في جواب القسَمِ غيرَ مفصولٍ من لامِ الجواب بفاصل، كقوله تعالى {تاللهِ لأكيدَنَّ أَصنامَكم} .

وتوكيده بالنون، ولزوم اللام في الجواب - في مثل هذه الحال - واجبٌ لا مَعدِل عنهُ.

وما ورد من ذلك غير مُؤكدٍ، فهو على تقدير حرف النفي. ومنه قوله تعالى "تاللهِ تَفتأ تذكرُ يوسف" أَي "لا تفتأ" . وعلى هذا فمن قال "والله أَفعلُ" ، أثِمَ إن فَعَلَ، لأنَّ المعنى واللهِ لا أَفعل "فإن أَراد الإثبات وجبَ أَن يقول" واللهِ لافعلَنَّ ". وحينئذٍ يأثَمُ إن لم يفعل."

التوكيد بها جوازاً

يُؤكدُ المضارعُ بالنون جوازاً في أربع حالات

(1) أن يَقعَ بعد أداةٍ من أدوات الطَّلب، وهي "لامُ الأمر" مو "لا" الناهيةُ، وأَدوات الإستفهام والتَّمنّي والتّرجي والعَرْضِ والتّحضيض. وهذه

أمثلتُها "اجتهدنَّ. لا تَكسلَنَّ. هل تَفعلنَّ الخيرَ؟ ليتكَ تَجدنَّ. لَعلَّكَ تَفوزَنَّ. أَلا تَزروَنَّ المدارس الوطنية. هَلاَّ يرعوِنَّ الغاوي عن غَيّه" .

(2) أَن يقعَ شرطاً بعد أداة شرطٍ مصحوبة بِـ (ما) الزائدة.

فإن كانت الأداة "إِنْ" فتأكيدُه حينئذٍ قريبٌ من الواجب، حتى قال بعضهم بوجوبه. ولم يَرِد في القرآن الكريم غير مؤكد، كقوله تعالى {فإِما يَنزَغنَّك من الشيطان نَزغٌ فاستعِذْ بالله} ، وقوله {فإمّا تَرَينَّ من البَشر أَحداً} . وَندَرَ استعْمالهُ غير مُؤكدٍ، كقول الشاعر [من البسيط]

يا صاح، إِمَّا تَجِدْني غيرَ ذي جِدَةٍ ... فما التَّخلِّي عن الإِخوانِ من شِيمي

وإن كانت الأداةُ غير "إن" فتأكيدُه قليل، نحو "حينما تكونَنَّ آتِكَ. متى تُسافِرَنَّ أُسافرْ" .

وأقلُّ منه أن يقع جواب شرطٍ، أو بعد أَدتةٍ غيرِ مصحوبة بِـ (ما) الزائدة.. فالأول كقول الشاعر [من الطويل]

ومَهْما تَشأْ منهُ فَزارةُ تُعْطِكمْ ... ومَهْما تَشَأْ منهُ فَزارةُ تَمْنَعاً

والآخرُ كقول الآخرُ [من الكامل]

مَنْ نَثْقَفَنْ منهم فَلَيسَ بآيبٍ ... أَبَداً. وقَتْلُ بَني قُتيبَةَ شافي

(3) أن يكون منفيًّا - بِـ (لا) - بشرطِ أن يكون جواباً للقسم - كقوله تعالى {واتقوا فِتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلموا منكم خاصةً} .

وأَقل منه أَن يكون منفيًّا بِـ (لم) كقول الشاعر، يَصفُ جبلاً عَمَّهُ الخِصبُ وحفَّهُ النبات: [من الرجز]

يَحسَبُهُ الجاهلُ - ما لَمْ يَعْلَما - ... شيخاً على كُرسِيِّهِ مُعَمَّما

وإنما سَوَّغَ توكيدَ المنفيّ بِـ (لم) مع أَنه في معنى الماضي، والماضي لا يُؤكدُ بالنون - كونه منفيًّا، وأنه مضارع في اللفظ.

(4) أن يقعَ بعد (ما) الزائدة، غير مسبوقةٍ بأداة شرط. ومنه قولهم "بِعينٍ ما أرَيَنَّك" ، وقَولهم بِجَهدٍ ما تَبْلُغنَّ! "، وقولهم" بألمٍ ما تُخْتَنِنَّهُ "، ويروى أيضاً تُخْتَتَنَّ"

وقول الشاعر [من الطويل]

إذا ماتَ منهُم مَيِّتٌ سُرِقَ ابنُه ... ومِن عَضَةٍ ما يَنْبُتَنَّ شَكيرُها

امتناع توكيد المضارع بالنون

يمتنع تأكيدُ المضارع بالنون في أربع حالات

(1) أن يكون غيرَ مسبوقٍ بما يُجيزُ توكيدَه كالقسم وأدوات الطلب والنفي والجزاء و (ما) الزائدةِ.

(2) أن يكون منفيًّا وافعاً جواباً لقَسمٍ، نحو "واللهِ لا أنقُضُ عهدَ امتي" . ولا فرق بين أن يكون حرفُ النفي ملفوظاً - كهذه الأمثلة - وأن يكون مُقدَّراً، كقوله تعالى {تاللهِ تفتأ تَذكُرُ يوسفَ} ، أَي "لا تفتأُ" .

(3) أن يكون للحال، نحو "واللهِ لتذهبُ الآنَ" ، ومنه قول

الشاعر [من المتقارب]

يَميناً لأُبغِضُ كُلَّ امرئ ... يُزَخرِفُ قولاً ولا يَفْعَل

وقل الآخر [من الطويل]

لئِنْ تَكُ قد ضاقتْ عليكمْ بُيوتُكمْ ... ليعلمُ رَبِّي أَنَّ بيتَي واسعُ

(4) أن يكون مفصولا من لام جواب القسَم، كقوله تعالى

{لئن مُتُّمْ، أو قُتِلْتُمْ لإِلى اللهِ تُحشرون} وقوله {ولَسَوفَ يُعْطيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى} .

احكام النون والفعل المؤكد بها

(1) لا تَقعُ نون التوكيدِ الخفيفةُ بعد ضمير التَّثنية، فلا يقالُ "واللهِ لَتذهباننْ" ولا بعد نونِ النسوة فلا يقال "لا تَذهبننْ" أَما بعد واو الجماعة وياءِ المخاطبة فتقَعُ، نحو "هل تذهبونَنْ؟ هل تذهبيَننْ؟" ونحو "لا تذهبُنْ. اذهبُن. لا تذهِبنْ. إذهِبنْ."

(2) إِذا وقعت النون المشدَّدة بعد ضمير التَّثنية، ثبتت الألفُ، وكُسِرت النونُ تشبيهاً لها بنون التثنية في الأسماء نحو "اكتُبانِّ، لِيكتُبانِّ" . فإن كان الفعل مضارعاً مرفوعاً، حُذفت نون الرفع أيضاً، كيلا تَتوالى ثلاثُ نونات، نحو "هل تكتُبانِّ؟" والأصل "تكتباننَّ" .

(وإنما ثبتت الألف مع اجتماع ساكنين - هي النون الأولى من النون المشددة - سهولة النطق بالألف مع ساكن بعدها) .

(3) وإذا وقعت نونُ التوكيد بعد واوِ الجماعة - المضمومِ ما قبلها - أو ياء المخاطبة - المكسورِ ما قبلها - حُذفت واوُ الجماعة وياءُ المخاطبة، حَذَر التقاء الساكنين، وبقيتْ حركةُ ما قبلهما على حالها، نحو "أَكتُبُنَّ، أَكتُبِنَّ. لِيكتُبُنَّ، - أَدْعُنَّ. ادْعِنَّ. لِيَدْعُنَّ - إِرْمُنَّ إِرْمِنَّ لِيَرْمُنَّ" ، والأصلُ "اكتُبونَّ. اكتُبينَّ. لِيكتُبونَّ - أدْعُونَّ، أُدْعِينَّ. لِيَدعُونَّ - إِرْمُونَّ. إِرْمِينَّ. لِيَرْمُونَّ" .

فإن كان الفعلُ مضارعاً مرفوعاً تُحذف نونُ الرفع أولاً، ثم تُحذفُ الواوُ والياءُ لاجتماع ساكنينِ بعد حذف النون، نحو "هل تَذهبُنَّ، هل تَذهِبنَّ" والأصل "تذهبونَنَّ تذهبينَنَّ" .

(حذفت نون الرفع كراهية اجتماع ثلاث نونات، فاجتمعت بعد حذفها ساكنان واو الجماعة أو ياء المخاطبة والنون الأولى من النون المشددة، فحذفت الواو والياء حذر التقاء الساكنين) .

(4) إن كان ما قبلَ واو الجماعة وياء المخاطبة - المتّصلينِ بالنون - مفتوحاً، ثبتت الواوُ والياءُ، نحو "هل نَخشَوُنَّ؟ اخشَوُنَّ؟ هل ترْضَيِنَّ؟ إِرْضِينَّ" غير أن واو الجماعة تضمُّ، وياءَ المخاطبة تكسر، ويبقى ما قبلهما على حالة من الفتح، كما رأيت.

(وحق الواو والياء أن تكونا ساكنتين وإنما حرّكت الواو بالضمة والياء بالكسرة تخلصاً من اجتماع ساكنين - وهما الواو أو الياء والنون الأولى من النون المشددة.

واعلم أن النون المشددة حرفان أولهما ساكن. فان الحرف المشدد

حرفان في اللفظ وان كان حرفاً واحداً في الخط) .

(5) إذا لَحِقت نون التوكيد آخر الفعل المُسندِ إلى ضميرٍ مستترٍ أو اسمٍ ظاهر، فُتح آخرُهُ، نحو "هل تكتبَنَّ؟ لِيكتُبِنَّ زهيرٌ. أَكتبن" فإن كان مُعتلَّ الآخر بالألف قلَبتها ياءً، نحو "هل تَسعَينَّ؟ إِسعينَّ" .

(6) إذا أَكدتَ بالنون الأمرَ المبنيّ على حذف آخره، والمضارعَ، المجزوم نحذف آخره، رَددتَ إليه آخرهُ - إن كان واواً أَو ياءً - مبنيًّا على الفتح، فتقول في "ادعُ ولا تدعُ وامشِ ولا تمش" "ادْعونّ. لا تَدْعُونّ - إمشيَنَّ. لا تمشينَّ" . فإن كان المحذوفُ ألفاً قلبتها ياءً، فتقول في "اخش وليخش" "إخشينَّ، ليخشينَّ" .

(7) إذا ولي نون النَّسوة نون التوكيد المُشدَّدةُ، وجب الفصل بينهما بألف، كراهية اجتماع النونات، نحو "يكتُبَنانِّ واكتُبْنانِّ" . وحينئذٍ تُكسرُ نون التوكيد وجوباً، كما رأيت، تشبيهاً لها بالنون بعد ألف المثنى.

أما النون المخفّفة فلا تَلحقُ نون النّسوة، كما تقدم.

(8) النون المخفّفةُ ساكنةٌ كما علمت، فإن وَلِيها ساكنٌ حُذفت فراراً من اجتماع الساكنين، نحو "أكرم الكريم" . والأصلُ "أكرِمَنْ" . ومنه قول الشاعر [من المنسرح]

ولا تُهينَنَّ الفقيرَ، عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يوماً، والدَّهرُ قد رَفَعَه

والأصل "لا تَهينَنْ" .

ويجوز قلبُها ألفاً عند الوقف، فتقول في اكتُبَنْ "- إذا وقفت عليه -" اكتُباً ". ومنه قول الشاعر [من الكامل] "

أقصِرْ، فَلَسْتَ بَمُقْصِرٍ، جُزْتَ الْمَدَى ... وَبْلَغتَ حيثُ النَّجْمُ تَحْتَكَ، فارْبَعا

وقول الآخر [من الطويل]

وإِيّاك والْمَيْتاتِ، لا تَقْرَبَنَّها ... ولا تَعْبُدِ الشيطانَ والله فاعبُدا 

 (الاسم وأقسامه)

 (الموصوف والصفة)

الاسمُ على ضربين موصوفٍ وصفة.

فالاسمُ الموصوفُ ما دلَّ على ذات الشيء وحقيقتهِ. وهو موضوعٌ لتُحملَ عليه الصفةُ كرجل وبحرٍ وعلمٍ وجهلٍ.

ومنه المصدر وإسما الزمانِ والمكان وإسمُ الآلة.

وهو قسمان اسمُ عينٍ، واسمُ معنىً.

فاسم العين ما دلَّ على معنى يقومُ بذاتهِ كفرسٍ وحجرٍ.

واسمُ المعنى ما دلَّ على معنى لا يقومُ بذاته، بل يقوم بغيره.

ومعناه، إما وُجوديٌّ كالعلمِ والشجاعة والجُودِ وإما عَدَميٌّ كالجهلِ والجُبنِ والبُخل.

والاسمُ الصفةُ ما دلَّ على صفة شيءٍ من الأعين أو المعاني، وهو موضوعٌ ليُحمَلُ على ما يوصفُ به.

وهو سبعةُ أنواعٍ اسمُ الفاعلِ، واسمُ المفعولِ، والصفةُ المشبّهة، واسمُ التّفضيل، والمصدرُ الموصوفُ به، والاسمُ الجامدُ المتضمنُ معنى الصفةِ المشتقّةِ، والاسمُ المنسوب.


(المذكر والمؤنث)

 
الاسم إما مذكرٌ وإما مؤنثٌ.

فالمذكرُ ما يَصحُّ أن تُشيرَ إليه بقولك "هذا" كرجلٍ وحصانٍ وقمرٍ وكتابٍ.

وهو قسمانِ حقيقيٌّ وهو ما يَدُلُّ على ذكرٍ من الناس أو الحيوان كرجل وصبيّ وأسد وجمل، ومجازيٍّ وهو ما يُعامَلُ مُعاملةَ الذّكر من الناس أو الحيوانِ وليس منها كبدرٍ وليلٍ وبابٍ.

والمؤنثُ ما يصحُّ أن تشير إليه بقولك "هذه" كامرأةٍ وناقةٍ وشمسٍ ودارٍ.

وهو أربعةُ أقسامٍ لفظيٌّ ومعنويٌّ، وحقيقيٌّ ومجازيٌّ.

فالمؤنثُ اللفظيُّ ما لحقتهُ علامةُ التأنيثِ، سواءٌ أدل على مؤنث كفاطمةَ وخديجةَ، أم على مذكرٍ مطلحة وحمزة وزكريَّاء وبُهْمة. والمؤنّثُ الحقيقيُّ ما دلَّ على انثى من الناسِ أو الحيوانِ كامرأةٍ وغُلامةٍ وناقةٍ وأتانٍ.

والمؤنثُ المجازيُّ ما يُعاملُ مُعاملةَ الأنثى من الناسِ أو الحيوانِ، وليس منها كشمسٍ ودارٍ وعينٍ ورجلٍ.

ومن الأسماءِ ما يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ كالدَّلوِ والسكين والسبيلِ والطريق والسوقِ واللسانِ والذِّراعِ والسلاحِ والصَّاعِ والعُنُقِ والخمرِ، وغيرها.

ومنها ما يكون للمذكر والمؤنثِ، وفيه علامة التأنيث كالسَّخلةِ والحيّةِ والشاةِ والرّبعةِ.

علامات التأنيث

للتأنيثِ ثلاثُ علاماتٍ التاءُ المربوطةُ، وألفُ التأنيثِ المقصورةُ، وألفهُ الممدودةُ كفاطمة وسلمى وحَسناء.

فالتاءُ المربوطةُ تَلحقُ الصفاتِ تَفْرِقةً بين المذكرِ منها، والمؤنث كبائع وبائعةٍ، وعالمٍ وعالمةٍ، ومحمودٍ ومحمودةٍ، ولِحاقُها غير الصِّفات سَماعيٌ كتَمْرةٍ وغُلامةٍ وحمارةٍ.

والأوصافُ الخاصةُ بالنساءِ لا تلحقها التاءُ إلا سماعاً، فلا يُقال "حائضةٌ وطالقةٌ وثَيّبةٌ ومُطفِلةٌ ومُتْئمةٌ" ، بل "حائضٌ وطالقٌ وثيبٌ ومُطفلٌ ومُتْئمٌ" . وسُمع "مُرْضِعةٌ" ، قال تعالى {يومَ تذهلُ كلُّ مُرضعةٍ عمّا أرْضَعَتْ} .

والأصلُ في لحاق التاءِ الأسماءَ إنما هو تمييزُ المؤنثِ من المذكرَ. وأكثرُ ما يكون ذلك في الصفات ككريم وكريمة وفاضل وفاضلة. وهو في الأسماءِ قليلٌ كإمريء وإمرأةٍ، وإنسانٍ وإنسانةٍ، وغُلامٍ وغلامةٍ، وفتىً وفتاةٍ ورَجُل ورَجُلةٍ.

وتكثُرُ زيادةُ التاءِ لتمييز الواحد من الجنس في المخلوقات كَثمَرٍ وثمَرةٍ وتمرٍ وتَمرةٍ، ونخلٍ ونخلةٍ، وشجرٍ وشجرةٍ. وتقل في الموضوعات كجرٍّ وجرَّةٍ. ولِبنٍ ولبنةٍ وسفينٍ وسفينة.

وقد يُؤتى بها للمبالغة كعلاَّمة وفهّامة ورحّالة.

وقد تكون بدلا من ياءِ (مفاعيلَ) كجحاجِحةٍ ويكثر ذلك في المُعرَّب كزنادقةٍ، أو بدَلا من ياءِ النّسبة كدَماشقة ومشارقة ومغاربة، أو للتعويض من فاءِ الكلمة المحذوفة كعِدَة (وأصلُها وَعْدٌ) ، أو من عينها المحذوفة كإقامةٍ (وأصلُها إقوامٌ) ، أو من لامها المحذوفة كلُغةٍ (أصلُها لُغوٌ) .

ما يستوي فيه المؤنث والمذكر

ما كان من الصفات على وزن (مِفْعل) كمغْشَمٍ ومِقْوَلٍ أو (مِفعالٍ) كمِعْطارٍ ومِقْوالٍ، أو (مِفْعيلٍ) كمِعطيرٍ ومِسكيرٍ، أو (فَعولٍ) بمعنى فاعل كصَبورٍ وغَيورٍ، أو (فَعيل) بمعنى مفعولٍ. كقتيلٍ وجريحٍ، أو على وزن (فِعْلٍ) بمعنى مفعول كذِبْجٍ وطِحْنٍ، أو (فَعَلٍ) بمعنى مفعول كجَزرٍ وسَلبٍ أو مصدراً مُراداً به الوصفُ كعَدْلٍ وحَقٍّ - يستوي فيه المذكرُ والمؤنث، فلا تلحقهُ علامةُ التأنيث، يقال "رجلٌ مِغْشمُ ومِقوالٌ ومِسكيرٌ وغيورٌ وقتيلٌ وعدلٌ، وجمَلٌ ذِبْحٌ وجزَرٌ، وإمرأَةٌ"

مقْوالٌ ومِعْطارٌ ومِعطيرٌ وجَريحٌ وعَدْلٌ، وناقةٌ وذبحٌ وجزرٌ "."

وما لحِقتهُ التاءُ من هذه الأوزان كعدُوَّةٍ ومِيقانةٍ ومِسكينة ومِعطارة، فهو شاذٌّ.

وإن كان (فَعولٌ) بمعنى (مفعول) تَلحقهُ التاءُ كأكولةٍ بمعنى مأكولة، وركوبة بمعنى مركوبة، وحلوبة بمعنى محلوبةٍ. ويقال أيضاً أكولٌ وركوبٌ وحلوبٌ.

وإن كان (فعيلٌ) بمعنى (فاعلٍ) لحِقتهُ التاءُ ككريمة وظريفة ورحيمة. وقد يُجرَّدُ منها كقوله تعالى {إنَّ رحمةَ اللهِ قريبٌ من المُحسنين} .

وإن كان بمعنى (مفعول) ، فإن أُريدَ به معنى الوصفية، وعُلمَ الموصوفُ، لم تلحقهُ في الأكثر الأغلب "كإمرأةٍ جريحٍ، وقد تلحقهُ على قلةٍ كخَصلةٍ حميدةٍ وفعلةٍ ذميمة."

وإن استُعملَ استعمالَ الأسماء لا الصفات لحِقتهُ التاءُ كذبيحة وأَكيلة ونطيحة. وكذا إن لم يُعلمِ الموصوفُ أَمذكرٌ هو أم مؤنثٌ؟ مثل "رأيتُ جريحة" . أما إذا عُلمَ فلا، نحو "رأيتُ امراةً جريحاً" أو "رأيتُ جريحا مُلقاةً في الطريق" ، ونحو "كوني صبوراً على المصائبِ، حمولاً للنَّوائبِ" .


(المقصور والممدود والمنقوص)

الإسمُ، إِما صحيحُ الآخر وهو ما ليس آخرُه حرفَ علَّة، ولا ألفاً ممدودة كالرجلِ والمرأة والكتابِ والقلمِ.

وإما شِبهُ الصحيحِ الآخر وهو ما كان آخرُه حرفَ علَّة ساكناً ما قبلهُ كدلْو وظبيٍ وهدْيٍ وسعيٍ.

(سمي بذلك لظهور الحركات الثلاث على آخره، كما تظهر على الصحيح الآخر، مثل "هذا ظبي يشرب من دلوٍ" و "رأيت ظبياً، فملأت له دلواً" ) .

وإما مقصورٌ، وإما ممدودٌ، وإما منقوص.

الاسم المقصور

الإسم المقصورُ هم اسمٌ مُعربٌ آخرُه ألفٌ ثابتةٌ، سواءٌ أكتبتْ بصورة الألف كالعصا، أم بصورة الياء كموسى.

ولا تكونُ ألفُهُ أصليَّة أبداً وإنما تكونُ منقبلة، أو مزيدة.

والمنقلبةُ، إما منقلبةٌ عن واوٍ كالعصا، وإما منقلبةٌ عن ياءٍ كالفتى، فإنك تقولُ في تثنيتهما "عصَوانِ، وفتيانِ" .

والمزيدةُ، إما أن تُزادَ للتأنيث كحُبلى وعطشى وذكرى، فإنها من الحبَل والعطشِ والذكر.

وإما أن تُزادَ للإلحاق كأرْطى وذِفرى. الأولى مُلحَقَةٍ بجعفر والأخرى ملحقةٍ بِدِرهم.

وتسمى هذه الألف "الألفَ المقصورة" .

وهي ترسم بصورة الياء، إن كانت رابعةً فصاعداً كبُشرى ومُصطفى ومُستشفىً، أو كانت ثالثةً أصلها الياء كالفتى والهدى والندى؛ وترسم بصورة اللف إن كانت ثالثة أَصلها الواو كالعصا، والعلا، والرُّبا.

وإذا نُوِّنَ المقصورُ حُذِفت ألفُه لظفاً، وثَبتت خطًّا مثل "كنْ فتىً يدعو إلى هدىً" .

والمقصورُ على نوعينِ قِياسيٌّ وسماعيٌّ.

الاسم المقصور القياسي

الإسمُ المقصورُ القياسيُّ يكون في عشرةِ أنواع من الأسماء المعتلَّةِ الآخر، وهي

الأول مصدرُ الفعل اللازِم الذي على وزنِ (فَعِلَ) ، بكسر العين، فإنَّ وزنَه "فَعَلٌ" ، بفتحتين مثل جَوِيَ جَوىً، ورَضِيَ رِضاً، وغَنِيَ غِنىً "."

الثاني ما كان على وزن (فِعَلٍ) بكسرٍ فَفتحٍ، ممَّا هو جمعُ "فِعْلة" بكسرٍ فسكونٍ، مثل "مِرىً وحِلىً" ، جمع "مِرْية وحِلية" . الثالثُ ما كان على وزن (فُعَل) بضمٍّ ففتحٍ، ممَّا هو جمعُ "فُعْلة" بضمٍّ فسكونٍ مثل "عُراً ومُدى ودُمى" جمع "عُرْوة ومُدْية ودُمْية" .

الرابعُ ما كان على وزن (فَعَل) بِفتحتينِ، من أسماء الأجناس، التي التي تدُلُّ على الجمعيَّة، إذا تجرَّدتْ من التَّاء، وعلى الوحدة إذا لحِقتها التّاء، مثل "حصاةٍ وحصىً، وقطاةٍ وقطاً" .

الخامِسُ اسمُ المفعول الذي ماضيه على ثلاثة أحرف، مثل "معطىً ومصطفىً ومستشفىً" .

السادسُ وزنُ (مَفْعَل) بفتحِ الميم والعين، مدلولا به على مصدر أو زمان أو مكان؛ مثل "المحْيا والمأتى والمرْقى" .

السابعُ وزن (مِفْعِل) بكسر الميم والعين، مدلولا به على آلة، مثل "المِكوى والمِهدى والمْرْمى" .

الثامنُ وزن (أفعلَ) صفة للتَّفضيل، مثل "الأدنى والأقصى" أو لغير التفضيل، مثل الأحوى والأعمى "."

التاسعُ جمعُ المُؤنثِ من (أَفعلَ) للتفضيل مثل "الدنا والقِّصا" جمع الدُّنيا والقُصوى "."

العاشرُ مؤنثُ "أَفعلَ" للتَّفضيل من الصحيح الآخرِ أو معتلّةِ مثل "الحُسنى والفُضلى" تأنيثِ "الأحسن والأفضل" والدُّنيا والقُصوى تأنيثِ "الأدنى والأقصى" .

الاسم المقصور السماعي

الاسمُ المقصورُ السماعيُّ يكون في غير هذه المواضعِ العشرة ممَّا ورَدَ مقصوراً، فيْحفَظُ ولا يقاسُ عليه، وذلك مثل الفتى وألحِجا والثَّرى والسَّنا والهُدى والرَّحى "."

الاسم الممدود

الاسم الممدودُ هو اسمٌ مُعربٌ، آخرُهُ همزةٌ قَبلها ألفٌ زائدةٌ، مثل "السَّماءِ والصَّحراءِ" .

(فان كان قبل آخره ألفٌ غير زائدة فليس باسمٍ ممدودٍ، وذلك مثل "الماء والداء" . فهذه الألفُ ليست زائدة، وانما هي منقلبة. والاصل "مَوَء ودَوَء" . بدليل جمعهما على "أمواء وأدواء" ) .

وهمزتُهُ إمَّا أن تكون أصليةً، كقُرَّاءٍ، وَوُضّاءٍ لأنهما من "قرأَ وَوُضوءَ" .

وإمَّا أنْ تكون مُبدَلة من واو أو ياء. فالمبدلةُ من الواو مثل "سَماءٍ وعدّاءٍ" وأَصلُهما "سَماوٌ وعدّوٌ" لأنهما من "سما يَسمو، وعدا يعدو" . والمبدَلةُ من الياءِ، مثل "بنَّاء ومَشَّاء" ، وأَصلُهما "بِنايٌ ومَشايٌ" لأنهما من "بنى يَبني، ومشى ويمشي" . وإما أن تكون مزيدة للتأنيث كحسناءَ وحمراء، لأنهما من الحُسنِ والحُمرة.

وإما أن تكون مزيدة للإلحاق كحِرباءِ وقوباءِ.

والممدودُ قسمان قياسيٌّ وسماعيٌّ.

الممدود القياسيُّ

الإسمُ الممدودُ القياسيُّ في سبعة أنواع من الاسماء المعتلَّة الآخر.

والأولُ مصدرُ الفعلِ المزيد في أوله همزةٌ، "آتى إيتاء، وأعطى إعطاء، وانجلى انجلاءً، وارعوى ارعواء، وارتأى ارتئاء، واستقصى استقصاء" .

الثاني ما دلّ على صوت، من مصدرِ الفعل الذي على وزن "فَعلَ يَفْعُلُ" (بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع) مثل "رَغا البعيرُ يرغو رغاءً، وثَغَثِ الشّاةُ تَثغو ثُغاء" .

الثالثُ ما كان من المصادر على "فِعال" (بكسر الفاءِ) مصدراً لِفاعلَ مثل "والى ولاء" "وعادي عِداء، ومارى مِراء، وراءى رِئاء، ونادى نداء، ورامى رِماء" .

الرابعُ ما كان من الأسماء على أربعة أحرف، مما يُجمعُ على (أَفعِلة) مثل كِساء وأَكسية ورِداء وأردية، وغطاء وأغطية، وقباء وأقبية "."

الخامسُ ما صِيغ من المصادر على وزن (تَفْعال) أو (تِفْعال) ، مثل "عدا يعدو تعداء، ومشى يمشي تمشاء" .

السادسُ ما صيغ من الصفاتِ على وزن (فَعَال) أو (مِفْعال) للمبالغة، مثل "العدَّاءِ والمِعطاء" .

السابعُ مؤنثُ "أفعلَ" لغيرِ التفضيل، سواءٌ أكان صحيحَ الآخر، مثل "أحمرَ وحمراء، وأعرجَ وعرجاء؛ وأنجلَ ونجلاء، أم مُعتلّة،"

مثل أحوى وحَوَّاء، وأعمى وعَمياء، وألمى ولمياء "."

الممدود السماعي

الاسمُ الممدودُ السّماعيُّ يكون في غير هذه المواضِع السبعة مما ورَدَ ممدوداً، فَيُحفَظُ ولا يُقاسُ عليه. وذلك مثل "الفَتاءِ والسَّناءِ والغَناءِ والثّراءِ."

قصر الممدود ومد المقصور

يجوزُ قَصرُ الممدود، فيقال في دُعاء "دُعا" وفي صفراء "صفرا" .

ويَقبُحُ مدُّ المقصور فيقبُحُ أن يقالَ في عصا "عصاء. وفي غِنى" غِناء "."

الاسم المنقوص

الاسمُ المنقوصُ هو اسمٌ معرَب آخرُه ياءٌ ثابتةٌ مكسورٌ ما قبلها، مثل "القاضي والرَّاعي" .

(فان كانت ياؤه غير ثابتة فليس بمنقوص، مثل "أحسن الى أخيك" . وكذا ان كان ما قبلها غير مكسور. مثل "ظبي وسعي" ) .

وإذا تَجرَّدَ من (ألْ) والإضافةِ حذفتْ ياؤهُ لفظاً وخطًّا في حالتي الرَّفع والجرِّ، نحو "حكمَ قاضٍ على جانٍ" ، وثبتتْ في حال النصب، نحو "جعلك اللهُ هادياً إلى الحق، داعياً إليه" .

أما معَ (أل) والإضافة فَتثبُتُ في جميع الأحوال، نحو "حكم"

القاضي على الجاني "و" جاء قاضي القُضاة "."

وترد إليه ياؤُهُ المحذوفة عند تثنيته، فتقول في قاضٍ "قاضيان"


(اسم الجنس واسم العلم)

الاسمُ أيضاً على نوعين اسمُ جنس، واسمُ عَلَم.

اسم الجنس

اسمُ الجنسِ هو الذي لا يختصُّ بواحد دون آخرَ من أفراد جنسه كرجل وامرأة ودار وكتاب وحصان.

ومنه الضمائرُ، وأسماءُ الاشارة، والأسماءُ الموصوله، وأسماءُ الشرط، وأسماءُ الاستفهام. فهي أسماءُ أجناس، لأنها لا تختصُّ بفرد دون آخر.

ويُقابلهُ العَلَمُ، فهو يختصُّ بواحد دون غيره من أفراد جنسه.

(وليس المرادُ بإسم الجنس ما يقابل المعرفة، بل ما يجوز اطلاقه على كل فرد من الجنس. فالضمائر، مثلا، معارف، غير أنها لا تختص بواحد دون آخر. فإنّ "أنت" ضمير للواحد المخاطب. ويصح أن تخاطب به كل من يصلح للخطاب. و "هو" ضمير للغائب. ويصح أن يكنى به عن كل مذكر غائب. و "أنا" ضمير للمتكلم الواحد. ويصح أن يكنى به عن نفسه كل متكلم. فأنت ترى أن معناها يتناول كل فرد. ولا يختص بواحد دون آخر. وقس على ذلك أسماء الإشارة والأسماء الموصولة.

فإسم الجنس انما يقابل العلم فذاك موضوع ليتناول كل فرد. وهذا

مختص بفرد واحد لا يتناول غيره وضعاً) .

اسم العلم

العَلَمْ اسمٌ يَدُلُّ على معيّن، بحسَب وضعه، بلا قرينة كخالد وفاطمةَ ودِمَشقَ والنّيلِ.

ومنه أسماء البلاد والأشخاص والدُّولِ والقبائل والأنهار والبحار والجبال.

(وإنما قلنا "بحسب وضعه" ، لأن الاشتراك بحسب الإتفاق لا يضر؛ كخليل المسمى به أشخاص كثيرون، فاشتراكهم في التسمية انما كان بحسب الإتفاق والتصادف، لا بحسب الوضع، لأن كل واحد من الواضعين انما وضع هذا الاسم لواحد بعينه. أما النكرة كرجل، فليس لها اختصاص بحسب الوضع بذات واحدة، فالواضع قد وضعها شائعة بين كل فرد من أفراد جنسها، وكذا المعرفة من أسماء الأجناس كالضمائر وأسماء الإشارة، كما قدمنا.

والعلم يعين مسماه بلا قرينة أما بقية المعارف، فالضمير يعين مسماه بقرينة التكلم أو الخطاب أو الغيبة. واسم الإشارة يعينه بواسطة إشارة حسية أو معنوية. واسم الموصول يعينه بواسطة الجملة التي تذكر بعده. والمعرّف بأل يعينه بواسطتها. والنكرة المقصودة بالنداء تعينه بواسطة قصدها به. والنكرة المضافة إلى معرفة تعينه بواسطة إضافتها إليها) .

وينقسمُ العَلمُ إلى علم مفرد كأحمد وسليم، ومُركّب إضافيّ. كعبدِ الله وعبد الرحمن، ومركب مزجيّ كبعلبكّ وسيبويهِ، ومركب

إسناديّ كجادَ الحقُّ وتأبط شرًّا (عَلَمينِ لرجلينِ) وشابَ قَرْناها (عَلَماً لامرأة) .

وينقسم أيضاً إلى اسم وكنية ولقب، وإلى مُرتجل ومنقول، وإلى علَم شخص وعلمِ جنس. ومن أنواعه العَلمُ بالغَلبة.

الاسم والكنية واللقب

العَلمُ الإسمُ ما وُضعَ لتعيينِ المُسمّى أولاً، سواءٌ أدلَّ على مدح، أم ذم، كسعيد وحنظَلةَ، أمْ كان لا يَدُلُّ، كزيد وعمرو. وسواءٌ أُصدّرَ بأب أو أم، أم لم يُصدَّر بهما، فالعبرةُ بإسميَّةِ العلم إنما هو الوضعُ الأوَّليُّ.

والعلمُ الكُنيةُ ما وضعَ ثانياً (أي بعد الاسم) وصُدّرَ بأب أو أمّ كأبي الفضلِ، وأُمَّ كلُثوم.

والعلمُ اللّقبُ ما وُضعَ ثالثاً (أي بعد الكُنية) وأشعرَ بمدح كالرَّشيد وزَينِ العابدين، أو ذمٍّ كالأعشى والشَنْفري، أو نسبة إلى عشيرة أو قبيلة أو بلدة أو قُطر كأن يُعرَفَ الشخصُ بالهاشميّ أو التَمميَ أو البغداديٍّ أو المِصريِّ.

ومن كان لهُ علمٌ مُصدَّر بأب أو ام، ولم يُشعِر بمدح أو ذمّ، ولم يوضع له غيرُه كان هذا العلمُ اسمَهُ وكُنيتهُ. ومن كان له علمٌ يدلُّ على مدح أو ذمّ، ولم يكن مصدَّراً بأب أوْ أمٍّ، ولم يكن له غيرُه، كان اسمَهُ ولقبه. فإن صُدِّرَ - مع إِشعارِه بمدح أو ذمّ - بأب أو أُمّ، كان اسمه وكنيته ولقبه.

فالمشاركةُ بين الاسم والكُنية واللّقب قد تكون، إن وضِعَ ما يَصلحُ للمشاركةِ وضعاً أوَّليًّا.

أحكام الاسم والكنية واللقب

إذا اجتمع الاسمُ واللّقبُ يُقدَّم الاسمُ ويؤخرُ اللّقب كهارون الرشيد، وأُوَيس القَرنيّ. ولا ترتيب بين الكنية وغيرها تقول "أبو حفْصَ عُمَرُ أو عمرُ أبو حفصٍ" .

وإذا اجتمع علمانِ لِمُسمًّى واحد، فإن كانا مفردَين أَضفتَ الأولَ إلى الثاني، مثل "هذا خالد تميم" . ولك أَن تتبع الآخر الاولَ في إعرابه على أنه بدلٌ منه أَو عطفُ بيان له، فتقول "هذا خالدٌ تميمٌ" ، إلا إن كان الاول مسبوقاً بأل، أو كان الثاني في الاصلِ وصفاً مُقترناً بأل، فيجب الاتباع، مثل "هذا الحارث زيدٌ، ورحمَ الله هارون الرَّشيدَ، وكان حاتمُ الطّائيُّ مشهوراً بالكرم" .

وإِن كانا مُركبين، أَو كان أَحدُهما مفرداً والآخر مُركباً، أَتبعت الثانيَ الأوَّل في إعرابه وجوباً، تقول "هذا أبو عبدِ الله محمدٌ" ورأيتَ أَبا عبد الله محمداً، ومررتُ بأبي عبد الله محمد "، وتقول" هذا عليٌّ زينُ العابدينَ، ورأَيت عليًّا زينَ العابدين، ومررت بعليّ زينِ العابدين "، وتقول" هذا عبدُ الله عَلمُ الدِّين، ورأَيت عبدَ الله علمَ الدِّين، ومررت بعبد الله علمِ الدين "."

العلم المرتجل والعلم المنقول

العَلمُ المُرتجل مالم يسبِق له استعمالٌ قبل العلميّة في غيرها بل استُعمل من أول الأمر علماً كسعادَ وعُمرَ.

والعلمُ المنقول (وهو الغالب في الأعلام) ما نقل عن شيء سبق استعماله فيه قبل العلميّة.

وهو إما منقولٌ عن مصدر كفضل وإِما عن اسم جنس كأسد وإما عن صفة كحارث ومسعود وسعيد، وإما عن فعل كشمَّر وأبان ويَشكر ويحيى واجذِمْ وقُمْ وإما عن جملة كجاد الحقُّ، وتأبط شرًّا.

علم الشخص وعلم الجنس

العلَمُ الشَّخصي ما خُصِّصَ في أصل الوضع بِفردٍ واحدٍ، فلا يتناولُ غيرَهُ من أفراد جنسه كخالدٍ وسعيدٍ وسعادَ. ولا يَضره مشاركةُ غيرِهِ إيَّاهُ في التَّسمية، لانَّ المشاركة إنما وقعت بحسَب الإتفاق، لا بحسبِ الوضع. وقد سبقَ الكلامُ عليه.

والعَلم الجنسيُّ ما تناولَ الجنسَ كلَّهُ غيرَ مُختصٍّ بواحدٍ بعينهِ كأسامةِ (عَلماً على الاسدِ) ، وأبي جَعْدةَ (على الذئب) ، وكسرى (على من مَلَكَ الفُرسَ) ، وقيصرَ (على من ملكَ الرُّومَ) ، وخاقان (على من ملكَ التُّركَ) ، وتُبَّعٍ (على من ملك اليمنَ) ، والنَّجاشي (على من ملك الحبشة) ، وفِرْعَونَ (على من ملكَ القبطَ) ، والعزيز (على من ملكَ مصرَ) .

وهو يكونُ اسماً كثُعالى، (للثَّعلب) ، وذُؤالة، (للذئب) . ويكونُ كُنيةً كأمِّ عِرْيَطٍ (للعقربِ) ، وأمِّ عامر (للضَّبُعِ) ، وأبي الحارثِ (للأسد) ، وأبي الحُصَين (للثَّعلبِ) . ويكون لقباً كالأخطلِ (للهِرِّ) ، وذي النَّابِ (للكلب) .

وقد يكونُ علماً على المعاني كبرَّةَ (علماً على البِرّ) وفَجارِ على الفَجْرةِ، وكَيْسانَ (على الغَدرِ) ، وأمِّ قَشْعمٍ (على الموت) ، وأمِّ صَبورٍ (على الأمر الشديد) ، وحَمادِ للمَحْمَدة، ويَسارِ (للمَيسرة) .

(وعلم الجنس نكرة في المعنى، لانه غيرُ مختص بواحد من افراد جنسه كما يختصُ علم الشخص. وتعريفُه انما هو من جهة اللفظ، فهو يعامل معاملة علم الشخص في أحكامه اللفظية والفرق بينهما هو من جهة المعنى، لان العلم الشخصي موضوع لواحد بعينه، والموضوع الجنسي موضوع للجنس كله. أما من جهة اللفظ فهو كعلم الشخص من حيث أحكامه اللفظية تماماً، فيصح الابتداء به مثل "ثعالة مراوغ" ؛ ومجيء الحال منه، مثل "هذا أسامة مقبلا" . ويمتنع من الصرف إذا وجد مع العلمية علة أُخرى، مثل "ابتعد من ثعالة" . ولا يسبقه حرف التعريف؛ فلا يقال "الأسامة" ، كما يقال "الأسد" . ولا يضاف، فلا يقال "أسامة الغابة" ؛ كما تقول "أسد الغابة" . وكل ذلك من خصائص المعرفة. فهو بهذا الإعتبار معرفة.

والفرق بينه وبين اسم الجنس النكرة، أن اسم الجنس نكرة لفظاً ومعنى. أما معنىً فلعدم اختصاصه بواحد معين، وأما لفظاً فلانه تسبقه "أل" فيعرف بها، ولانه لا يبتدأ به ولا تجيء منه الحال. وأما علم الجنس فهو نكرة من حيث معناه، لعدم اختصاصه، معرفة من حيث لفظه، فله أحكام العلم اللفظية كما قدمنا.

ولا فرق بينه وبين المعرف بأل الجنسية من حيث الدلاة على الجنس

برمته، ومن حيث التعريف اللفظي، تقول "أسامة شجاع، كما تقول" الاسد شجاع "، فهما نكرتان من جهة المعنى، معرفتان من جهة اللفظ. فعلم الجنس عند التحقيق كالمعرف بأل الجنسية من حيث المعنى والإستعمال اللفظي) ."

العلم بالغلبة

وقد يَغلِبُ المُضافُ إلى معرفةٍ والمُقترِنُ بأل العهديةِ على ما يُشارِكُهما في الدَّلالة، فيصيرانِ عَلمينِ بالغَلبة، مُختصَّينِ من بين سائر الشُّركاء بواحدٍ، فلا ينصرفان إلى غيره. وذلك كابنِ عباسٍ وابنِ عُمرَ وابن مالك والعَقَبةِ والمدينة والألفيّة، فهيَ أعلامٌ بغَلبَةِ الإستعمال، وليستْ أعلاماً بحَسَبِ الوضعِ.

(فابن عباس هو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. وابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب. وابن مالك هو محمد بن مالك صاحب الأرجوزة الألفية المشهورة في النحو. والعقبة ميناء على ساحل البحر الاحمر. والمدينة مدينة الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) وكان اسمها يثرب، والالفية هي الأرجوزة النحوية التي نظمهاابن مالك. وكل هذه الأعلام يصح إطلاقها في الأصل على كل ابن للعباس وعمر ومالك، وعلى كل عقبة ومدينة وألفية. لكنها تغلبت بكثرة الإستعمال على ما ذكر فكانت عليها بالغلبة) .

إعراب العلم

الَعلمُ المُفردُ يُعرَبُ كما يقتضيه الكلامُ من رفعٍ أو نصبٍ أو جرٍّ،

نحو "جاء زهيرٌ، ورأيتُ زهيراً ومررتُ بزهيرٍ" .

والمركّبُ الإضافيُّ يُعرَبُ جُزؤهُ الأوَّلُ كما يقتضيه الكلامُ، ويُجبر الجزءُ الثاني بالإضافة.

والمركبُ المزجيُّ يكون جزؤهُ الاول مفتوحاً دائماً، وجزؤهُ الثاني، إن لم يكن كلمةَ "وَيْهِ" ، يُرفعُ بالضمة، وينصبُ ويُجرّ بالفتحة، لأنه ممنوعٌ منَ الصّرف للعلميّة والتركيب المزجيّ، مثل "بعلبكُّ بلدةٌ طيبةُ الهواء، ورأيتُ بعلبكَّ، وسافرت إِلى بعلبكَّ وإن كان جزؤهُ الثاني كلمةَ "وَيْهِ" يكنْ مبنيًّا على الكسر دائماً، وهو في محلّ رفعٍ أو نصبٍ أو جرٍّ، كما يقتضيه مركزهُ في الجملة؛ مثل "رُحِم سِيبويهِ، ورَحِم اللهُ سيبويهِ، ورَحمةُ اللهِ على سيبويهِ "."

والمركَّبُ الإسناديُّ يبقى على حاله فيُحكى على لفظه في جميع الأحوال، ويكونُ إعرابهُ تقديريًّا، تقول "جاء جادَ الحقُّ، ورأيتُ جادَ الحقُّ، ومررتُ بجادَ الحقُّ" .

والمركَّبُ العَدَيّ كخمسةَ عشرَ، وما جرى مجراهُ كحَيْصَ بَيْصَ، وبيْتَ بَيْتَ، إن سَمَّيتَ بهما، أبقيتهما على بنائهما، كما كانا قبل العلمية. ويجوزُ إعرابُهما إِعرابَ مالا ينصرفُ. كأنهما مُركَّبانِ مَزجيَّانِ. فيجرِيانِ مجرى "بعلبكَّ وحَضرموت" . والأول أَولى.


(الضمائر وأنواعها)

الضميرُ ما يُكنى به عن مُتكلمٍ أو مخاطبٍ أو غائبٍ، فهو قائمٌ مَقامَ ما يُكنى به عنه، مثل "أنا وأنتَ وهو" ، وكالتاءِ من "كتبتُ وكتبتَ"

وكتبتِ "وكالواوِ من" يكتبون "."

وهو سبعةُ أنواعٍ مُتَّصلٌ، ومنفصلٌ، وبارزٌ، ومستترٌ، ومرفوعٌ، ومنصوبٌ، ومجرور.

الضمير المتصل

الضَّميرُ المتصلُ ما لا يُبتدأُ به، ولا يقعُ بعد "إلا" إلاَّ في ضَرورة الشعر. كالتاءِ والكاف من "أكرمتُكَ" ، فلا يُقالُ "ما أكرمتُ إلاّكَ" . وقد وردَ في الشعر ضَرورةً، كما قال الشاعر [من البسيط]

وما عَليْنا إذا ما كُنتِ جارَتَنا ... ألاَّ يُجاوِزنا إلاَّكِ دَيَّارِّ

وكما قال الآخر [من الطويل]

أَعوذُ بِرَبِّ العَرشِ من فِئَةٍ بَغَتْ ... عليَّ، فمالي عَوْضُ إِلاَّاهُ ناصِرُ

وهو، إما أن يتصلَ بالفعل كالواو من "كتبوا" ، أو بالإسم كالياءِ من "كتابي" ، أو بالحرف كالكاف من "عليك" .

والضمائرُ المتصلةُ تسعةٌ، وهي "التاءُ ونا والواوُ والألفُ والنونُ والكافُ والياءُ والهاءُ وها" .

فالألفُ والتاءُ والواوُ والنونُ، لا تكونُ إلاَّ ضمائرَ للرفع، لانها لا تكون إلا فاعلاً أو نائبَ فاعل، مثل "كتبا وكتبت وكتبوا وكتبْنَ" .

"نا والياءُ" تكونانِ ضميرَيْ رفعٍ، مثل كتَبْنا وتكتُبين واكتُبي "،"

وضميرَيْ نصبٍ، مثل "أكرمني المعلم، وأكرَمَنا المعلمُ" وضميرَيْ جَرٍّ، مثل "صرفَ اللهُ عنّي وعنّا المكروَ" .

"والكافُ والهاءُ وها" تكونُ ضمائرَ نصبٍ، مثل "أكرمتك وأكرمته وأكرمتها" ، وضمائرَ جرّ، "أحسنتُ إليكَ وإليه وإليها" . ولا تكونُ ضمائرَ رفعٍ، لأنها لا يُسند إليها.

فوائد ثلاث

(1) واو الضمير والهاء المتصلة بها ميم الجمع خاصتان بجمع الذكور العقلاء، فلا يستعملان لجمع الإناث ولا لجمع المذكر غير العاقل.

(2) الضمير في نحو "جئتما وجئتم وجئتن" إنما هو التاء وحدها، وفي نحو "أكرمكما وأكرمكم وأكرمكن" إنما هو الكاف وحدها، وفي نحو "أكرمهما وأكرمهم وأكرمهن" إنما هو الهاء وحدها. والميم والألف اللاحقتان للضمير حرفان هما علامة التثنية. ومن العلماء من يجعل الميم حرف عماد، والالف علامة التثنية. وسميت الميم حرف عماد، لاعتماد المتكلم والسامع عليها في التفرقة بين ضمير التثنية وضمير الواحدة، وليس هذا القول ببعيد. والميم وحدها اللاحقة للضمير، حرف هو علامة جمع الذكور والعقلاء. والنون المشددة، اللاحقة للضمير؛ حرف هو علامة جمع المؤنث. ومن العلماء من ينظر الى الحال الحاضرة، فيجعل الضمير وما يلحقه من العلامات كلمة واحدة بإعراب واحد. وهذا أقرب، والقولان الأولان أحق.

(3) تضم هاء الضمير، إلا إن سبقها كسرة أو ياء ساكنة فتكسر، تقول "من عثر فأقله عثرته، وخذه بيده إشفاقاً عليه، وإحساناً إليه" وتقول "هذا أبوهم، وأكرمت أباهم، وأحسنت إلى أبيهم" .

(4) يجوز في ياء المتكلم السكون والفتح، إلا إن سبقها ساكن، كألف المقصور وياء المنقوص وألف التثنية ويائي التثنية والجمع، فيجب فتحها دفعاً لالتقاء الساكنين، مثل "هذه عصاي، وهذا راجيّ، وهاتان عصواي، ورفعت عصويّ، وهؤلاء معلميّ" .

(5) تبدل ألف "إلى وعلى ولدى" ياءً، إذا اتصلت بضمير مثل "إليّ، وعليه، ولديك" .

نون الوقاية

إذا لحقت ياءُ المتكلم الفعلَ أو اسمَ الفعل، وجب الفصلُ بينهما بنونٍ تُسمى (نون الوقاية) ، لأنها تَقي ما تَتَّصلُ به من الكسر (أي تَحْفَظُهُ منهُ) . تقول "أكرَمنِي، ويُكرمني، وأكرمني، وتكرمونني، وأَكرمتَني، وأكرَمتْني فاطمةُ" ، ونحو "رُوَيْدَني، وعليكَني" .

وإن لحقت الأحرفَ المُشبَّهةَ بالفعل، فالكثيرُ إثباتُها معَ "ليتَ" وحذفُها مع "لعلّ" ، وبه وردَ القرآن الكريم، قال تعالى "يا ليتني كنتُ معهم فأفوزَ فوزاً عظيما" ، وقال جلَّ شأنُهُ "لعَلّي أبلُغُ الأسبابَ" . وندَر حذفها مع "ليتَ" وإثباتُها مع "لعلَّ" ، فالأول كقول الشاعر [من الوافر]

كمُنيةِ جابِرٍ إِذ قال لَيْتي ... أُصادفُهُ وأُتلِفَ جُلَّ مالي

والثاني كقول الآخر [من الطويل]

فَقُلتُ أَعيراني الْقُدومَ، لَعَلَّني ... أَخُطُّ بها قَبراً لأَبيضَ ماجِدِ

أما مع "إنَّ وأنَّ ولكنَّ" فأنت بالخيار إِن شئت أثبتَّها وإن شئت حذفتها.

وإن لحقتْ ياءُ المتكلم "من وعن" من حروف الجرّ، فصلت بينهما بنون الوقاية وجوباً، وشذَّ قول الشاعر [من المديد]

أَيُّها السائِلُ عنْهُم وعَني ... لَسْتُ من قَيْسٍ ولا قَيْسُ مِني

أما ما عداهما فلا فصل بها.

الضمير المنفصل

الضميرُ المنفصل ما يَصحُّ الابتداءُ به، كما يصحُّ وقُوعهُ بعد "إلاّ" على كلِّ حال. كأنا من قولك "أنا مجتهدٌ، وما اجتهد إلاَّ أنا" .

والضمائرُ المنفصلةُ أربعةٌ وعشرون ضميراً: إثنا عشر منها مرفوعةٌ وهي: "أنا ونحنُ وأنتَ وأنتِ وأنتما وأنتم وأنتنَّ وهو وهي وهما وهم وهُنَّ" .

واثنا عشر منها منصوبةٌ، وهي: "إيايَ وإيانا وإياكَ وإياكِ وإياكما وإياكم وإياكنَّ وإياهُ وإياها وإياهما وإياهمْ وإياهنَّ" .

ولا تكون (هُم) إلا لجماعة الذُّكورِ العقلاءِ.

ويجوزُ تسكينُ هاءِ (هُوَ) بعد الواو والفاءِ نحو: "وهْوَ الغفور الوَدُود" . ونحو: "فهْوَ على كلِّ شيءٍ قدير" . وهو كثيرٌ شائع. وبعد لامِ التأكيد، كقولك: "إنَّ خالداً لَهْوَ شُجاعٌ" . وهو قليلٌ.

فائدة

الضمير في (أنت وأنتِ وأنتما وأنتنّ) إنما هو (أن) . والتاءُ اللاحقة

لها هي حرف خطاب. والضمير في (هم وهما وهنّ) إنما هو (الهاء) المخففة من (هو) . والميم والألف في (أنتما وهما) حرفان للدلالة على التثنية. أو الميم حرف عماد. والألف علامة التثنية. (كما سبق) . والميم في (أنتم وهم) حرف هو علامة جمع الذكور العقلاء. والنون المشددة في (أنتنّ وهنّ) حرف هو علامة جمع الإناث. ومن النحاة من يجعل الضمير وما يلحق به من العلامات كلمة واحدة بإعراب واحد، كما سبق في الضمير المتصل) .

اتصال الضمير وانفصاله

الضَّميرُ قائمٌ مقامَ الاسمِ الظاهر. والغرَضُ من الإتيان بِه الاختصارُ. والضمير المتصلُ أخصرُ من الضمير المنفصل.

فكلُّ موضع أمكنَ أن يُؤتى فيه بالضمير المتصل لايجوزُ العدولُ عنهُ إلى الضمير المنفصل، فيقال "أكرمتك" ، ولا يقال "أكرمتُ إياك" . فإن لم يُمكن اتصالُ الضميرِ تعيّن انفصالهُ، وذلك إذا اقتضى المقامُ تقديمه. كقوله تعالى {إِياكَ نَعبُدُ} ، أو كان مبتدأ، نحو "أنت مجتهد" ، أو خبراً، نحو "المجتهدونَ أنتم" ، أو محصوراً بإلاّ أو إنما، كقوله تعالى {أمر أن لا تبعدوا إلا إياهُ} ، وقولِ الشاعر [من الطويل]

أَنا الذائذُ الحامي الذِّمارَ، وَإِنمَّا ... يُدافِعُ عن أحسابِهِم أنا أَو مِثْلي

أو كان عاملهُ محذوفاً، مثل، "إياكَ وما يُعتذَرُ منه" ، أو مفعولاً لمصدرٍ مُضافٍ إلى فاعله، مثل "يَسُرُّني إِكرام الأستاذِ إِياك" أو كان تابعاً لما قبله في الإعراب، كقوله تعالى {يُخرِجون الرَّسولٍ وإِياكم} .

ويجوزُ فصل الضميرِ ووصله، إذا كان خبراً لكان أو إحدى أخواتِها، مثل "كنتُه" وكنْتُ إياهُ "، أو كان ثاني ضميرينِ منصوبين بِعامل من باب" أعطى، أو ظنّ "، تقول" سألتُكه، وسألتك إياه، و "ظَنَنتكه، وظَنَنْتك إياه" .

وضمير المتكلم أخصُّ من ضمير المخاطب أي "أعرَفُ منه" .

وضمير المخاطب أخصُّ من ضمير الغائب. فإذا اجتمع ضميرانِ متَّصلان، في باب "كان وأعطى وظنَّ" ، وجب تقديمُ الأخصّ منهما، مثل "كُنتُه، وسَلْنيه، وظَنَنْتكه" . فإن انفصل أحدُهما فَقدِّمْ ما شئتَ منهما، إن أمِن اللَّبسُ، مثل "الدرهمُ أعطيته إياكَ" . فإن لم يُؤمَن التباسُ المعنى وجبَ تقديم ما يزيل اللَّبسَ، وإن كان غير الأخصّ، فتقول "زهيرٌ مَنعتكَ إياه" ، إن أردْت منع المخاطبِ أن يَصل إلى الغائب، و "مَنعته إياك" ، إن أردت منع الغائب أن يصل إلى المخاطب. ومنه الحديث "إن الله ملَّككم إِياهمْ ولو شاء لملَّكهم إياكم" .

وإذا اتحد الضّميران في الرُّتبة - كأن يكونا للمتكلّم أو المخاطب أو الغائب - وجب فصلُ أحدَهما، مثل "أعطيته إياه، وسألتني إياي، وخلْتك"

إياك "."

الضميران البارز والمستتر

الضمير البارز ما كان له صورةٌ في اللَّفظ كالتاءِ من "قمت" والواوِ من "كتبوا" ، والياءِ من "اكتبي" ، والنون من "يَقُمْنَ" .

والضميرُ المستترُ ما لم يكن له صورةٌ في الكلام، بل كان مُقدَّراً في الذّهن ومَنْويًّا، وذلك كالضمير المستتر في "اكتُبْ" ، فإنَّ التقدير "اكتُبْ أنت" .

وهو إما للمتكلمِ "كأكتبُ، ونكتب" ، وإما للمفرد المذكر المخاطب، نحو "اكتُبْ، وتَكتبُ" ، وإما للمفرد الغائب والمفردة الغائبة، نحو "عليٌّ كتبَ، وهندُ تَكتبُ" .

وهو على قسمين مستترٌ وجوباً. ويكونُ في ستة مواضع

الأول في الفعل المُسنَدِ إلى المتكلم، مفرداً أو جمعاص، مثل اجتهدُ وتجتهدُ "."

الثاني في الفعل المسند إلى الواحد المخاطب، مثل "اجتهد" .

الثالث في اسم الفعل المسند الى متكلم، أو مخاطب، مثل "أفٍّ وصَهْ" .

الرابع في فعل التعجُّب الذي على وزن "ما أَفعلَ" ، مثل "ما أحسنَ العِلم!" .

الخامس في أفعال الإستثناءِ، وهي "خلا وعدا وحاشا وليس ولا"

يكون "، مثل" جاء القومُ ما خلا زهيراً، أو ليس زهيراً أو لا يكون زهيرا "."

"فالضمير فيها مستتر وجوباً تقديره" هو "يعود على المستثنى منه. وقال قوم إنه يعود على البعض المفهوم من الإسم السابق. والتقدير" جاء القوم خلا البعضُ زهيراً ". وقال قوم انه يعود الى اسم الفاعل المفهوم من الفعل قبله، والتقدير" جاء القوم خلا الجائي أو لا يكون الجائي زهيراً ". وقال آخرون انه يعود على مصدر الفعل المتقدم، والتقدير جاءوا خلا المجيءُ زهير" . والقولان الأولان، أقرب إلى الحق والصواب. ومن العلماء من جعلها أفعالاً لا فاعل لها ولا مفعول، لأنها محمولة على معنى "إلاّ" ، فهي واقعة موقع الحرف، والحرف لا يحتاج الى شيء من ذلك، فما بعدها منصوب على الاستثناء. وهو قول في نهاية الحذف والتدقيق. وسيأتي بسط ذلك في الجزء الثالث من هذا الكتاب "."

السادس في المصدر النائب عن فعله نحو "صبراً على الشدائد" .

ومستترٌ جوازاً. ويكون في الفعل المُسنَدِ الى الواحد الغائب والواحدة الغائبة، مثل "سعيدٌ اجتهدَ، وفاطمة تجتهد" .

(ومعنى استتار الضمير وجوباً أنه لا يصح إقامة الإسم الظاهر مقامه. فلا يرفع الا الضمير المستتر. ومعنى استتاره جوازاً أنه يجوز أن يجعل مكانه الاسم الظاهر. فهو يرفع الضمير المستتر تارة والاسم الظاهر تارة أخرى. فاذا قلت "سعيد يجتهد" كان الفاعل ضميراً مستتراً جوازاً تقديره "هو" يعود الى سعيد، واذا قلت "يجتهد سعيد" كان سعيد هو الفاعل. أما

إن قلت "نجتهد" كان الفاعل ضميراً مستتراً وجوباً تقديره "نحن" ، ولا يجوز أن يقوم مقامه اسم ظاهر ولا ضمير بارز، فلا يقال "نجتهد التلاميذ" . فإن قلت "نجتهد نحن" ، فنحن ليست الفاعل، وإنما هي توكيد للضمير المستتر الذي هو الفاعل وانما لم يجز أن تكون هي الفاعل لأنك تستغني عنها تقول "نجتهد" ، والفاعل عمدة، فلا يصح الاستغناء عنه) .

ضمائر الرفع والنصب والجر

الضميرُ قائم مقامَ الاسم الظاهر، فهو مثله يكون مرفوعا أو منصوباً أو مجروراً، كما يَقتضيه مركزُه في الجملة، لأنَّ له حُكمه في الإعراب.

فالضمير المرفوعُ ما كان قائماً مقامَ اسم مرفوع، مثل قُمتَ، وقمتِ، وتَكتبان، وتكتبون "."

والضمير المنصوبُ ما كان قائماً مقام اسم منصوب، مثل "أكرَمتُكَ، وأكرَمتهنَّ، وإياكَ نعْبُدُ وإياكَ نستعين" .

والضمير المجرور ما كان قائماً مقام اسم مجرور نحو "أحسِنْ تربيةً أولادك، أحسَنَ اللهُ إِليك" .

وإذا وقع الضمير موقع اسمٍ مرفوعٍ أو منصوبٍ أو مجرور، يُقال في إعرابه إنه كان في محلّ رفعٍ، أو نصبٍ، أو جرٍّ، أو إنه مرفوعٌ محلاًّ، أو منصوبٌ محلاًّ، أو مجرورٌ محلاًّ.

عود الضمير

إن كان الضمير للغَيبة فلا بد له من مرجعٍ يُرجع إليه.

فهو إِما أن يعودَ إِلى اسم سبقه في اللَّفظ. وهو الأصل، مثل "الكتاب أخذتُه" .

وإما أن يعود إلى متأخرٍ عنه لفظاً، متقدّمٍ عليه رُتبةً (أي بحسَب الأصل) ، مثل "أخذَ كتابه زهيرٌ" ؛ فالهاءُ تعود إلى زهير المتأخر لفظاً، وهو في نِيَّة التقديم، باعتبار رُتبته؛ لأنه فاعل.

وإما أن يعود إلى مذكور قبله معنىً لا لفظاً، مثل "اجتهِدْ يكن خيراً لك" أَى يكن الاجتهاد خيراً لك، فالضمير يعود الى الاجتهاد المفهوم من "اجتهِدْ" .

وإما أن يعود الى غير مذكور، لا لفظاً ولا معنىً، إن كان سياقُ الكلام يُعيِّنُهُ، كقوله تعالى {واستوَت على الجُوديّ} ، فالضمير يعود الى سفينة نوحٍ المعلومة من المقام، وكقول الشاعر [من الطويل]

إذا ما غَضِبْنا غضْبَةً مُضْرِيةً ... هَتكْنا حِجابَ الشَّمْس، أو قَطرت دَما

فالضمير في "قطرَت" يعودُ الى السُّيوف، التي يدُل عليها سياق الكلام.

والضمير يعود الى أقرب مذكور في الكلام، ما لم يكن الأقرب مضافاً اليه، فيعود الى المضاف. وقد يعود الى المضاف اليه، إن كان هناكَ ما يعيِّنه كقوله تعالى "كمثَل الحمارِ يَحمِلُ أسفاراً" . وقد يعود الى البعيد بقرينةٍ دالَّةٍ عليه، كقوله سبحانه آمِنوا بالله ورسوله، وأنفِقوا مِمّا جعلَكُم

مُستخلَفينَ فيه؛ فالضميرُ المستترُ في "جعلكم" عائدٌ الى الله، لا الى الرسول.

ضمير الفصل

قد يتوسطُ بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله مبتدأ وخبرٌ، ضميرٌ يسمى ضميرَ الفَصْل، ليؤذَنَ من أوَّل الأمر بأنَّ ما بعدَه خبرٌ لا نعتٌ. وهو يُفيدُ الكلام ضرباً من التوكيد، نحو "زهيرٌ هو الشاعر" و "ظننتُ عبدَ الله هو الكاتبَ" .

وضمير الفصل حرفٌ لا محلَّ له من الإعراب، على الأصح من اقوال النُّحاة. وصورته كصورة الضمائر المنفصلة. وهو يَتصرَّفُ تَصرُّفها بِحسَبِ ما هو له، إلا أنه ليس إِياها.

ثم إنَّ دخوله بين المبتدأ والخبر المنسوخَتَيْنِ بِـ "كانَ وظَنَّ وإنَّ" وأخواتِهنَّ، تابعٌ لدخوله بينهما قبل النسخِ. ولا تأثير له فيما بعدهُ من حيثُ الإعرابُ، فيما بعدهُ متأثرٌ إعراباً بما يسبِقه من العوامل، لا بهِ. قال تعالى {فلما تَوَفيتَني كنتَ أنتَ الرَّقيبَ عليهم} ، وقال {إن كان هذا هو الحقّ} ، وقال {إن تَرَني أنا أقلَّ منك مالاً وولداً "} ."

(وضمير الفصل حرف كما قدمنا، وانما سمي ضميراً لمشابهته الضميرَ في صورته. وسمي (ضميرَ فصلٍ) لأنه يؤتى به للفصل بين ما هو خبر أو نعت. لانك إن قلت "زهير المجتهد" ، جاز انك تريد الإخبار، وانك تريد النعت. فان أردت أن تفصل بين الأمرين أول وهلة، وتبين ان مرادك الاخبار لا الصفة، أتيت بهذا الضمير للاعلام من اول الأمر بأن ما بعده خبر عما قبله، لا نعت له.

ثم ان ضمير الفصل هذا يفيد تأكيدَ الحكم، لما فيه من زيادة الربط.

ومن العلماء من يسميه عمادا "، لاعتماد المتكلم أو السامع عليه في التفريق بين الخبر والنعت) ."


(أسماء الاشارة)

اسمُ الإشارةِ ما يدُلُّ على مُعينٍ بواسطة إشارةٍ حِسّيَّةٍ باليدِ ونحوها، إن كان المشارُ إليه حاضراً، أو إشارة معنويَّة إذا كان المشارُ اليه معنىً، أو ذاتاً غيرَ حاضرة.

وأسماءُ الإشارة هي "ذا" للمفرد المذكر، و "ذانِ وَتْينِ" للمثنى، المذكر، و "ذِهْ وتِهْ" للمفرد المؤنثة، و "تانِ وتَيْنِ" للمثنى المؤنث و "أُولاءِ واولى" (بالمدِّ والقَصر، والمدُّ أفصحُ) للجمع المذكر والمؤنث، سواءٌ أكان الجمعُ للعقلاءِ، كقوله تعالى: {أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون} [البقرة: 5] أم لغيرهم: كقوله تعالى: {إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36] ، وقول الشاعر: [من الكامل]

ذُمّ الْمَنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلةِ اللِّوى ... والعَيْشَ بَعْد أُولئكَ الأَيَّامِ

لكنَّ الأكثرَ أن يشارَ بها الى العقلاءِ، ويستعمل لغيرهم "تلك" ، قال الله تعالى {وتلك الأيامُ نداولها بين الناس}

ويجوز تشديدُ النون في مثنّى "ذا وتا" . سواءُ أكان بالألف أم بالياءِ، فتقول "ذانِّ وَذَينِّ وتَينِّ" . وقد قُرىء {فذانِّكَ برهانانِ} "، كما قرئ {إحدى ابنَتيِّ هاتينِّ} ، بِتشديد النون فيهما."

ومن أسماءِ الإشارة ما هو خاصٌّ بالمكان، فيشارُ إلى المكان القريبِ

بهُنا، وإلى المتوسط بهُناك وإلى البعيد بهنالك وثُمَّ.

ومن أسماءِ الإِشارة كثيراً "ها" التي هي حرفٌ للتَّنبيه، فيقال "هذا وهذه وهاتان وهؤلاء" .

وقد تلحقُ "ذا وتي" الكافُ، التي هي حرفٌ للخطاب، فيقال "ذاك وتِيكَ" وقد تلحقهما هذه الكافُ معَ اللاّمِ فيقال "ذلكَ وتِلك" .

وقد تلحقُ "ذانِ وذَيْنِ وتانِ وتَينِ وأولاءِ" كافُ الخطاب وحدها، فيقال "ذانِكَ وتانِكَ وأُولئكَ" .

ويجوز أن يُفضلَ بين (ها) التَّنبيهيَّةِ واسمِ الإشارة بضمير المُشار إليه، مثل "ها أنا ذا، وها أنت ذي، وها أنتما ذانِ، وها نحن تانِ، وها نحن أُولاءِ" . وهو أولى وأفصحُ، وهو الكثيرُ الواردُ في بليغِ الكلامِ، قال تعالى {ها أنتم أُولاءِ تحبُّونهم ولا يُحبُّونكم} . والفصلُ بغيره قليلٌ، مثل "ها إنَّ الوقتَ قد حان" والفصل بكافِ التَّشبيه في نحو (هكذا) كثيرٌ شائعٌ.

مراتب المشار إليه

للمشارِ إليه ثلاثُ مَراتِبَ قريبةٌ وبعيدةٌ ومتوسطةٌ. فيُشار لذي القُربى بما ليس فيه كافٌ ولا لامٌ كأكرمْ هذا الرجلَ أو هذه المرأةَ ولِذي الوسطى بما فيه الكافُ وحدها كاركبْ ذاك الحصانَ، أو تِيكَ الناقةَ، ولِذي البُعدى بما فيه الكافُ واللام معاً، كخُذْ ذلكَ القلمَ، أو تلك الدَّواةَ.

فوائد ثلاث

(1) "ذانِ وتانِ" يستعملان في حالة الرفع؛ مثل جاء هذان الرجلان؛ وهاتان المرأتان "؛ و" ذين وتين "؛ يستعملان في حالتي النصب والجر؛ مثل:" أكرم هذين الرجلين وهاتين المرأتين: ومررت بهذين

الرجلين وهاتين المرأتين ". وهما في حالة الرفع مبنيان على الألف، وفي حالتي النصب ولاجر مبنيان على الياءِ. وليسا معربين بالألف رفعاً - وبالياء نصباً وجراً، كالمثنى، لأن أسماء الإشارة مبنية لا معربة فمن العلماء من يعربها، اعراب المثنى، فلم يخطئ محجة الصواب. أما قوله تعالى {إنّ هذان لساحران} (في قراءة من قرأ (انّ) مشددة فقالوا انه جاء على لغة من يلزم المثنى الألف في أحوال الرفع والنصب والجر."

(2) (ذه وته) هما بسكون الهاء وكسرها وإن كسرت فلك أن تختلس الكسرة، وان تشبعها فتمدّها.

(3) كاف الخطاب حرف، وهو ككاف الضمير في حركتها وما يلحق بها من العلامات، تقول "ذاك كتابك يا تلميذ، وذاك كتابك يا تلميذة، وذلكما كتابكما يا تلميذان، ويا تلميذتان وذلكم كتابكم يا تلاميذ، وذلكنّ كتابكنّ يا تلميذات" .


(الأسماء الموصولة)

الإسمُ الموصولُ ما يَدلُّ على مُعَينٍ بواسطة جملة تُذكر بعده. وتُسمّى هذه الجملةُ (صِلةَ الموصول) .

والأسماءُ الموصولةُ قسمان خاصة ومشتركة.

الموصول الخاص

الأسماءُ الموصولةُ الخاصةُ، هي التي تُفرَدُ وتُثنَّى وتُجمَعُ وتُذكِّرُ وتُؤنَّثُ، حسبَ مقتضي الكلام.

وهي (الذي) للمفردْ المذكر، (واللَّذان واللّذَينِ) للمثنى المذكر،

و (الّذينَ) للجمع المذكر العاقل، و (التي) للمفردة المؤنثة، و (اللّتانِ واللّتَينِ) للمثنّى المؤنَّث، و (اللاّتي واللّواتي والّلائي) - بإثبات الياءِ وحذفِها - للجمع المؤنث، و (الأُلى) للجمعِ مُطلقاً، سواءٌ أَكان مذكراً أم مؤنثاً، وعاقلاً أم غيرَه، تقولُ "يُفح الذي يجتهدُ، واللذانِ يجتهدانِ والّذين يَجتهدون. وتفلحُ التي تجتهد، واللّتانِ تجتهدانِ، واللاّتي، أو اللّواتي، أو اللاّئي، يجتهدْنَ. ويُفلحُ الألى يجتهدون. وتُفلح الألى يجتهدْنَ. واقرأ من الكتبِ الألى تنفعُ" .

(و "الّلذان والّلتان" تستعملان في حالة الرفع، مثل جاءَ الّلذان سافرا، والّلتان سافرتا ". والّذين واللتين تستعملان في حالتي النصب والجر، مثل" أكرمت اللذين اجتهدا، واللتين اجتهدتا، وأحسنت الى اللذين تعلما، واللتين تعلمتا "وهما في حالتي الرفع مبنيان على الألف، وفي حالتي النصب والجر مبنيان على الياء. وليستا معربتين بالألف رفعاً، وبالياء نصباً وجراً، كالمثنى، لأن الأسماء الموصولة مبنية لا معربة، ومن العلماء من يعربها إِعراب المثنى. وليس ببعيد عن الصواب) ."

ويجوزُ تشديدُ النونٍ في مثنى (الذي والتي) ، سواءٌ أكان بالألف أم بالياءِ. وقد قُريء "والّلذانِّ يأتيِانِها منكم" ، كما قُريء {رَبّنا أرِنا الّلذَيْنِّ} ، بتشديد النُّون فيهما.

وأكثرُ ما يُستعمَلُ (الأُلى) لجمع الذكورِ العقلاءِ. ومن استعماله للعاقل وغيره قول الشاعر [من الطويل]

وتُبْلي الأُلى يُسْتَلْئِمون على الأُلى ... تَراهُنَّ يومَ الرَّوْعِ كالْحِدَإِ الْقُبْلِ

ومن استعماله في جمع المؤنث قولُ الآخر [من الطويل]

مَحا حُبُّها حُبَّ الأُلى كُنَّ قبلها ... وحَلَّتْ مكاناً لم يكنْ حُلَّ من قَبْلُ

وكذلك "اللاّئي" ، فقد تُستعملُ لجماعة الذكور العقلاءِ نادراً كقول الشاعر [من الطويل]

هُمُ الّلائِي أُصيبوا يومَ فَلْجٍ ... بِداهِيَةٍ تَميدُ لها الجِبال

وقول الآخر [من الوافر]

فَما آباؤُنا بأَمَنَّ مِنْهُ ... عَلَيْنا، اللاّءِ قد مَهَدوا الحُجورا

الموصول المشترك

الأسماء الموصولةُ المُشتركةُ هي التي تكونُ بلفظٍ واحدٍ للجميع. فيشترك فيها المفردُ والمثنى والجمعُ والمذكرُ والمؤنثُ.

وهي "مَنْ وما وذا وأيُّ وذُو" غيرَ أنَّ "مَنْ" للعاقل و "ما" لغيره. وأما "ذا وأيُّ وذُو" فتكون للعاقل وغيره. تقول "نجحَ مَن اجتهدَ، ومنِ اجتهدتْ، ومنِ اجتهدا، ومنِ اجتهدتا، ومنِ اجتهدوا، ومنِ اجتهدْن" . وتقول "اركبْ ماشئتَ من الخيلِ، واقرأ من الكتب ما يفيدك نفعاً" .

وتقول "من ذا فتح الشامَ؟" أي "من الذي فتحها" ؟ و "ماذا فتحَ ابو عُبَيدةَ؟" . وتقول "أكرِمْ أيَّهم أكثرُ اجتهاداً" . أي "الذي هو أكثرُ اجتهاداً" ، و "اركبْ من الخيل أيّها هو أقوى" ، أي "الذي هو أقوى" . وتقول "أكرمْ ذو اجتهدَ، وذو اجتهدتْ" ، أي "أكرم الذي اجتهد والتي اجتهدت" .

(من وما) الموصوليتان

قد تُستعمل "مَنْ" لغير العقلاءِ، وذلك في ثلاث مسائل

الأولى أن يُنزَّلُ غيرُ العاقلِ مُنزِلةَ العاقل كقوله تعالى {ومَن أضلُّ مِمَّنْ يدعو من دون اللهِ مَنْ لا يستجيبُ لهُ إلى يومِ القيامة} ، وقولِ امرئ القَيس [من الطويل]

أَلا عِمْ صَباحاً، أيُّها الطَلَلُ الْبالي ... وهَلْ يَعِمَنْ منْ كانَ في العُصُرِ الخالي

وقولِ العباسِ بنِ الأحنف [من الطويل]

بكيْتُ على سِرْبِ الْقَطا إِذْ مَرَرْنَ بي ... فَقُلتُ، ومِثْلي بالبُكاء جُديرُ

أَسِرْبَ الْقَطا، هلْ مَنْ يُعيرُ جَناحَهُ ... لَعلِّي إِلى من قَد هَويتُ أَطِيرُ

(فدعاء الاصنام التي لا تستجيب الدعاء في الآية الكريمة، ونداءُ القط والطلل في البيتين سوّغا تنزيلها منزله العاقل إِذ لا ينادى إلا العقلاء) .

الثانية أن يندمجَ غيرُ العاقل مع العاقل في حُكمٍ واحدٍ، كقوله تعالى {أَفَمَنْ يَخلُقُ كمنْ لا يَخْلقُ} وقوله {ألم تَرَ أنَّ الله يَسجُدُ لهُ مَنْ في السَّموات ومَنْ في الأرض} .

(فعدم الخلق يشمل الآدميين والملائكة والأصنام من المعبودات من دون الله. والسجود لله يشمل العاقل وغيره ممن في السماوات والأرض) .

الثالثة أن يقترنَ غيرُ العاقلِ بالعاقل في عمومٍ مُفَصَّلٍ بـ "مِنْ" كقوله عزَّ شأنه "واللهُ خلقَ كلَّ دابةٍ مِنْ ماءٍ، فمنهم من يمشي على بطنهِ، ومنهم من يمشي على رِجلَين، ومنهم من يمشي على أربع" .

(فالدابة تعم أصناف من يدب على وجه الأرض. وقد فصلها على ثلاثة أنواع الزاحف على بطنه، والماشي على رجلين، والماشي على أربع) .

وقد تُستعملُ (ما) للعاقل) ، كقوله تعالى {فانكِحوا ما طاب لكم من النساءِ} ، وكقولهم "سبحان ما سخَّركنَّ لنا" ، وقولهم "سُبحانَ ما يُسبِّحُ الرعدُ بحمده" . وذلك قليل. وأكثر ما تكون (ما) للعاقل، إذا اقترن العاقِلُ بغير العاقل في حكم واحد، كقوله سبحانه {ويُسبِّح لله ما في السَّمواتِ وما في الأرض} .

(فان ما فيهما ممن يعقل وما لا يعقل في حكم واحد وهو التسبيح،

كما قال تعالى {وان من شيء إلا يُسبح بحمده. ولكن لا تفقهون تسبيحهم} .

(ذا) الموصولية

لا تكونُ (ذا) اسمَ موصولٍ إلا بشرطٍ أن تقعَ بعد (مَنْ) أَو "ما" الاستفهاميَّتين؛ وأن لا يُرادَ بها الإشارةَ، وأن لا تُجعلَ معَ "مَنْ" أو "ما" كلمةً واحدةً للإستفهام. فإن أُريد بها الإشارة مثل "ماذا التواني؟ مَنْ ذا القائم؟" أي ما هذا التواني؟ من هذا القائم؟ فهيَ اسمُ إشارة. وإن جُعلتْ معَ "مَنْ" أو "ما" كلمةً واحدةً للإستفهام، مثل "لماذا أَتيتَ؟" ، أي لِمَ أَتيتَ؟ وقوله تعالى {مَنْ ذا الذي يَشفعُ عِندَه إلا بإِذنِهِ؟} [البقرة: 255] . أي: من الذي يَشفَعُ عندَه؟ كانت معَ ما قبلها اسمَ استفهامٍ.

وقد تقعُ "ذا" في تركيب تحتمل أن تكونَ فيه موصوليَّةً وما قبلها استفهاماً، وأَن تكونَ معَ "مَنْ" أو "كلمةً واحدةً للإستفهام، نحو" ماذا أَنفقتَ؟ "إِذْ يجوز أن يكون المعنى" ما أَنفقتَ؟ وأَن يكون "ما الذي أَنفقتَهُ؟" .

ويظهرُ أَثر ذلك في التَّابعِ، فإن جعلت "ذا" معَ "مَنْ" أَو "ما" كلمة واحدةً للإستفهام، قلتَ "ماذا أَنفقتَ؟ أَدرهماً أَم ديناراً؟" و"مَنْ ذا أَكرمتَ؟ أَزُهيراً أم أَخاهُ؟، بالنصب. وإن جعلتَ "ما" أَو "مَنْ" للإستفهام، و "ذا" ، موصوليَّة، قلتَ "ماذا أَنفقتَ؟ أَدرهمٌ أم دينارٌ "و" مَنْ ذا أَكرمتَ؟ أَزهيرٌ أَم أَخوه بالرفع "."

ومِنْ جَعْلِ "ما" للإِستفهام و "ذا" موصوليَّةٌ قولُ لَبيدٍ: [من الطويل]

ألا تَسْأَلانِ المرءَ ماذا يُحاوِلُ ... أنَحبٌ فَيُقضى؟ أمْ ضَلالٌ وباطِلُ

(اي) الموصولية

"أيٌّ" الموصوليَّةُ تكونُ بلفظٍ واحدٍ للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع. وتُستعمل للعاقل وغيره.

والأسماءُ كلها مبنيوٌ، إِلا (أيًّا) هذه، فهي مَعربَة بالحركات الثلاث، مثل "يُفلحُ أَيُّ مجتهدٌ، وأَكرمتُ أَيًّا هي مجتهدةٌ، وأَحسنتُ إلى أَيٍّ هم مجتهدون" .

ويجوز أن تُبنى على الضمِّ (وهو الأفصحُ) ، إذا أُضيفت وحُذِفَ صدْرُ صلتها، مثل "أَكرِمْ أَيُّهُمْ أَحسنُ أَخلاقاً" ، قال تعالى {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ من كلِّ شيعةٍ أَيُّهُمْ أَشدُّ على الرحمنِ عتِيًّا} .

وقول الشاعر [من المتقارب]

إِذا ما لَقيتَ بَني مالِكٍ ... فَسَلِّم على أيُّهُم أفضَلُ

كما يجوزُ في هذه الحالةِ إِعرابُها بالحركات الثلاثِ أيضاً، تقولُ "أَكرِمْ أَيُهمْ أحسنُ أَخلاقاً" . وقد رُويَ الشعرُ بجرِّ "أَيّ" بالكسرة أَيضاً، كما قُريء "أَيَهمْ" بنصب "أيّ" في الآية الكريمة.

فإن لم تُضَفْ أَو اضيفت وذُكِرَ صدرُ صلتها، كانت مُعرَبةً بالحركاتِ

الثلاث لا غيرُ، فالأولُ مثل "أَكرِمْ أَيًّا مُجتهدٌ، وأَيًّا هو مجتهدٌ" ، الثاني مثل "أَكرِمْ أَيَّهم هو مجتهدٌ" .

(ذو) الموصولية

تكون (ذُو) اسمَ موصول بلفظٍ واحدٍ للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وذلك في لغة طَيِّء من العرب، ولذلك يُسمُّونها (ذُو الطائية) ، تقول "جاء ذُو اجتهدَ، وذُو اجتهدتْ، وذُو اجتهدا، وذُو اجتهدتا، وذُو اجتهدوا، وذُوا اجتهدْنَ" ، قال الشاعر [من الوافر]

فإِنَّ الماءَ ماءُ أبي وجَدِّي ... وبِئْري ذُو حَفَرْتُ وذو طَوَيْتُ

أي بئْري التي حَفرتها والتي طويتُها، أي بنيتُها. وقول الآخر [من الطويل]

فإمّا كرامٌ مُوسِرونَ لَقيتُهُم ... فَحَسْبيَ مشنْ ذُو عِنْدَهُمْ ماكفانِيا

أي من الذي عندهم.

صلة الموصول

يحتاج الإسمُ الموصولُ إلى صِلَةٍ وعائد ومحلّ من الإعراب.

فالصلةُ هي الجملةُ التي تُذكرُ بعدهُ فَتُمتَمُ معناهُ، وتُسمى (صلةَ الموصول) ، مثل "جاء الذي أكرمتُهُ" . ولا محلَ لهذه الجملة من الإعراب.

والعائدُ ضميرٌ يعودُ إلى الموصولِ وتَشتملُ عليه هذه الجملة، فإن قلتَ "تعلْمْ ما تنتفعُ به" ، فالعائدُ الهاءُ، لأنها تعود إلى "ما" . وإن قلتَ "تعلّم ما ينفعك" ، فالعائدُ الضميرُ المستترُ في "ينفعُ" العائدُ إلى

"ما" .

ويُشترَطُ في الضميرِ العائدِ إلى الموصول الخاصّ أن يكون مطابقاً لهُ إفراداً وتثنيةً وجمعاً وتَذكيراً وتأنيثاً، تقول "أَكرِمِ الذي كتبَ، والتي كتبتْ، والَّلذَينِ كتبا، واللتّين كتبتا، والذينَ كتبوا، واللاَّتي كتَبْنَ" .

أما الضمير العائدُ إلى الموصول المشترَك، فلك فيه وجهان مراعاةُ لفظِ الموصول، فَتُفرِدهُ وتَذكرُه مع الجميع، وهو الأكثرُ، ومراعاةُ معناهُ فَيطابقُه إفراداً وتثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، تقول "كرّمْ من هذَّبكَ" ، للجميع، إن راعيتَ لفظَ الموصول، وتقول "كرّمْ من هذَّبَكَ، ومن هذَّباك، ومن هَّبَتاكَ، ومن هَذبوك، ومن هذَّبْنك" إن راعيتَ معناهُ.

وإن عاد عليه ضميرانِ جاز في الأول اعتبارُ اللفظِ، وفي الآخر اعتبارُ المعنى. وهو كثيرٌ. ومنه قوله تعالى {ومنَ الناس من يقول آمنّا بالله وباليوم الآخر، وما هم بؤمنين} ، فقد أَعاد الضميرَ في "يقول" على "من" مفرداً، ثم أَعاد عليه الضميرَ في قوله {وما هم بمؤمنين} جمعاً.

وقد يُعتبرُ فيه اللفظُ، ثم المعنى، ثم اللفظُ، ومنه قوله تعالى {ومنهم مَنْ يشتري لَهْوَ الحديث} ، فأفرد الضمير. ثم قال "أُولئك لهم عذاب مُهينٌ" ، فجمعَ اسم الإشارة. ثم قال {وإذا تُتلى عليه آياتُنا} ، فأفردَ الضمير.

ومحلُّ الموصولِ من الإعراب يكون على حسبِ موقعه في الكلام، فتارة يكون في محلّ رفعٍ مثل {قد أَفلحَ مَنْ تَزكّى} . وتارةً يكون في محلّ نصبٍ مثل "أَحبِبْ من يُحبُّ الخيرَ" . وتارةً يكون في محل جرٍ، مثل "جُدْ بما تَجِدُ" .

ويُشتَرطُ في صلة الموصول أن تكون جملةً خَبريةً مُشتملةً على ضميرٍ بارزٍ أو مُستترٍ يعودُ إلى الموصول. ويسمى هذا الضميرُ (عائداً) ، لعَوده عل الموصولِ. فمثال الضمير البارز "لا تُعاشر الذينَ يُحَسِّنون لك المُنكرَ" ومثال الضمير المستتر "صاحبْ من يدُلك على الخير" .

(والمراد بالجملة الخبرية ما لا يتوقف تحققُ مضمونها على النطق بها. فاذا قلت "كرمت المجتهد أو سأكرمه" فتحقق الإكرام لا يتوقف على الإخبارَ به. فما كان كذلك من الجمل صحّ وقوعه صلةً للموصول. أما الجمل الإنشائية، وهي ما يتوقف تحققُ مضمونها على النطق بها، فلا تقع صلة للموصول، كجمل الأمر والنهي والتمني والترجي والاستفهام، فان قلت (خذ الكتاب) ، فتحقق أخذه لا يكون إلا بعد الأمر به. أما الجملتان الشرطية والقسمية، فهما إنشائيتان، ان كان جوابهما إِنشائياً مثل "إِن اجتهد علي فأكرمه، وبالله أكرم المجتهد" ، وخبريتان إن كان جوابهما خبرِياً، مثل "إن اجتهد علي كرَّمته، وبالله لأكرمنَّ المجتهد" .

فوائد ثلاث

(1) يجبُ أن تقعَ صلةُ الموصول بعده، فلا يجوز تقديمها عليه. وكذلك لا يجوز تقديمُ شيءٍ منها عليه أيضاً. فلا يقال "اليومَ الذينَ اجتهدوا يُكرَمون غداً" . بل يقال "الذين اجتهدوا اليومَ" ، لأنَّ الظرف هنا من متممات الصلة.

(2) تقع صلةُ الموصولِ ظرفاً وجارًّا ومجروراً، مثل "أكرِم مَنْ عنده أدبٌ، وأحسنْ إلى مَنْ في دار العجزة" ، لأنهما شبيهتان بالجملة، فإنَّ التقدير "منِ استقرَّ أو وُجِدَ عنده أدبٌ، ومن استقرَّ أو وُجِدَ في دار"

العجزة ". والصلة في الحقيقة إنما هي الجملة المحذوفة، وحرف الجرّ والظرفِّ متعلقانِ بفعلها."

(3) يجوز أن يُحذَفَ الضميرُ العائد إلى الموصول، إن لم يقع بحذفه التباسٌ كقوله تعالى {ذَرْني ومَنْ خلقتُ وحيداً} ، أي خلقتهُ، وقوله {فاقضِ ما أنتَ قاضٍ} ، أي قاضيه، وقولهم "ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءًا، أي بالذي هو قائلٌ."


(أسماء الاستفهام)

إسمُ الإستفهامِ هو اسمٌ مُبْهَمٌ يُستعلَمُ به عن شيءٍ، نحو "مَنْ جاء؟ كيفَ أنتَ؟" .

وأسماءُ الإستفهامِ هي "مَنْ، ومَنْ ذا، وما، وماذا، ومتى، وأيّانَ، وأَينَ، وكيفَ، وأنّى، وكمْ، وأَيُّ" .

وإِليكَ شرحها

من ومن ذا

(مَنْ ومَنْ ذا) يُستفهَمُ بهما عن الشخص العاقل، نحو "مَنْ فعلَ هذا. ومَنْ ذا مُسافرٌ؟" ، قال تعالى {مَنْ ذا الذي يُقرِضُ اللهَ قرْضاً حَسناً، فَيُضاعفه له؟} .

وقد تُشربَانِ معنى النّفيِ الإنكاريّ، كقولك "مَنْ يستطيع أن يَفْعَلَ هذا؟" ، أي لا يستطيعُ أن يفعله أحد. ومنه قولهُ تعالى {ومَنْ يَغفِرُ الذنوبَ إِلا اللهُ؟!} أي لا يغفرها إلا هو، وقوله {مَنْ ذا الذي يَشفَعُ عندَهُ إِلا بإِذنه؟!} أي لا يشفع عنده أحدٌ إلا بإِذنه.

ما وماذا

(ما وماذا) يُستفَهمُ بهما عن غير العاقلِ من الحيوانات والنبات والجماد والأعمال، وعن حقيقةِ الشيءِ أو صفتهِ، سواءٌ أكان هذا الشيءُ عاقلاً أم غيرَ عاقلٍ، تقولُ "ما أو ماذا ركبتَ، أو اشتريتَ؟ ما أو ماذا كتبتَ؟" ، وتقول "ما الأسدُ؟ ما الإنسانُ؟ ما النَّخل؟ ما الذهبُ؟" ، تستفهمُ عن حقيقة هذه الأشياء، وتقول "زهيرٌ من فُحول شعراءِ الجاهلية" ، فيقولُ قائلٌ "ما زهيرٌ!" يستعلمُ عن صفاته ومُمَيزاته.

(وقد تقع "من ذا وماذا" في تركيب يجوز أن تكونا فيها إستفهاميتين. وأن تكون "من وما" للاستفهام. و "ذا" بعدهما اسم موصول. وقد تتعين "من وما" للإستفهام؛ فتتعين "ذا" للموصولية أو الإشارة. وقد تقدم شرح ذلك في الكلام على "ذا" الموصولية في الفصل السابق) .

(من وما) النكرتان الموصوفتان

كما تقعُ "مَنْ وما" مَوصوليَّتينِ واستفهاميَّتين "، كما تقدَّم، تقعانِ شرطيتين، كقوله تعالى: {مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] ، وقوله: {َمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [البقرة: 272] ."

وقد تقعانِ نكرتين موصوفتين. ويتعينُ ذلك، إذا وُصِلتا بمفرد، أو سبقتهما "رُبَّ الجارَّةُ" ، لأنها لا تُباشرُ إلاًَّ النّكراتِ. فمن وصفهما بمفردٍ أن تقولَ "رأيتُ مَنْ مُحبًّا لك، وما سارًّا لك، أي شخصاً مُحبًّا لك، وشيئاً سارًّا لك، و" جئتُك بمنْ مُحِبٍّ لك، وبما سارٍّ لك "أي بشخصٍ مُحبٍّ لك، وشيءٍ سارٍّ لك، ومنه قولُ حَسَّان بنِ ثابت [من الكامل] "

فكفَى بِنا فَضلاً على مَنْ غيرِنا ... حُبُّ النَّبيِّ مُحمَّدٍ إِيّانا

أي على قومٍ غيرِنا، وقولُ الآخر [من الطويل]

لِما نافِعٍ يَسْعى اللَّبيبُ، فَلا تكُن ... لشيءٍ بعيدٍ نَفْعُهُ، الدَّهْرَ ساعيا

(ولا يجوز أن تكون "من وما" فيما تقدم موصولتين، لأن الاسم الموصول يحتاج إلى جملة توصل به، وهو هنا موصول بمفرد. فان رفعت ما بعدها على انه خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو) جاز فتكونان حينئذ إما نكرتين موصوفتين بجملة المبتدأ والخبر، وإما موصولتين، وجملة المبتدأ والخبر صلة لهما. فاذا قلت "جاءَني من محب لي، وما سار لي" ، جاز أن تكونا موصوفتين بمفرد، فيكون (محب وسار) صفتين لهما، وان تكونا موصوفتين بجملة، فيكون محب وسار خبرين لمبتدأين محذوفين، وجاز أن تكونا موصولتين بجملة المبتدأ والخبر) .

ومِن سبقِ (رُبَّ) إيَّاهما قول الشاعر [من الرمل]

رُبَّ مَنْ أنضجْتُ غَيظاً قَلْبَهُ ... قَدْ تَمَنَّى لِيَ مَوْتاً لم يُطَعْ

أي رُبَّ رجلٍ، وقولُ الآخر [من الخفيف]

رُبَّ ما تَكْرَهُ النُّفوسُ من الأَمرِ - ... - لَهُ فَرْجةٌ كَحَلِّ الْعِقالِ

أي رُبَّ شيءٍ من الأمر.

(ولا يجوز أن تكون (من وما) هنا موصولتين، لأن الاسم الموصول معرفة، و (ربَّ) لا تباشر شيئاً من المعارف. فلا تدخل إلا على

النكرات) .

وإذا قلتَ "اعتصمْ بمن يَهديكَ سبيلَ الرَّشاد، وتَمسَّكْ بما تَبلُغُ به السَّداد، جاز أن تكونا موصولتين، فالجملة بعدهما صلةٌ لهما، وأن تكونا نكرتين موصوفتين، فالجملة بعدهما صِفةُ لهما."

(فان كان المراد بمن يهدي شخصاً معهوداً، وبما تبلغ أمراً معهوداً، كانتا موصولتين، وإن كان المراد شخصاً ما هادياً، وأمراً مبلغاً، كانتا نكرتين موصوفتين) .

وأما قوله تعالى "ومن الناسِ مَنْ يقول آمنَّا" فجزمَ قومٌ بأنها موصوفةٌ، وجماعةٌ بأنها موصولةٌ. والأول أقربُ. وقال الزمخشريُّ "إن قَدَّرتَ (ألْ) أي (في الناس) للعَهدِ، فموصولةٌ، أو للجنس، فموصوفةٌ" .

(يريد أن المعرّف بأل العهدية تعريفه معنوي كما هو لفظي، فيناسبه أن تجعل "من" موصولية، لأن الموصول معرفٌ تعريفٌ ما تسبقه "أل" العهدية. وأما المعرفُ بأل الجنسية فتعريفه لفظي، وهو في معنى النكرة، فيناسبه أن تجعل "من" معه نكرة موصوفة) .

(متى) الاستفهامية

متى ظرفٌ يُستفهم به عن الزَّمانين الماضي والمُستقبل، نحو "متى أتيتَ؟ ومتى تذهبُ؟" ، قال تعالى {متى نصرُ الله؟} ويكون اسمَ شرطٍ جازماً؛ كقول الشاعر

أنا ابنُ جَلا، وطَلاّعُ الثَّنايا ... متى أضعِ الْعِمامةَ تَعْرفُوني

(أين) الاستفهامية

أين ظرفٌ يُستفهم به عن المكان الذي حلَّ فيه الشيءُ، نحو "أين"

أخوكَ؟ أينَ كنتَ؟ أينَ تتعلَمُ؟ "."

وإذا سبقته "مِنْ" كان سُؤالاً عن مكان بُروزِ الشيءِ، نحو "من أينَ قَدِمتَ؟!" .

وإن تَظمَّنَ معنى الشرط جزم الفعلين مُلحقاً بِـ "ما" الزائدة للتوكيد، كقوله تعالى {أينما تكونوا يُدرككُم الموتُ} ، أو مجرداً منها، نحو "أينَ تَجلسْ أَجلسْ" .

(أيان) الاستفهامية

أيَّانَ ظرفٌ بمعنى الحين والوقت. ويقاربُ معنى "متى" . ويُستفهم به عن الزَّمان المستقبل لا غيرُ، نحو "أيَّانَ تُسافرُ؟" أي في أيّ وقت سيكونُ سفرُك؟ وأكثر ما يُستعمل في مواضع التَّفخيم أو التَّهويل، كقوله تعالى {يَسألُ أيَّانَ يومُ الدِّين؟} أي في أيّ وقتٍ سيكونُ يومُ الدين، أي يومُ الجزاءِ على الأعمال، وهو يومُ القيامة.

وقد تَتضمَّنُ "أيَّانَ" معنى الشرط فتجزم الفعلينِ، مُلحَقةً بـ (ما) الزائدة، أو مجرَّدةً عنها، نحو "أيَّانَ، أو أيَّانَ ما تَجتهدْ تَنجحْ" .

(كيف) الاستفهامية

كيفَ اسمٌ يُستفهمُ به عن حالةِ الشيء، نحو "كيفَ أنتَ؟" ، أي على أيَّة حالةٍ أنتَ؟.

وقد تُشرَبُ معنى التَّعجُّبِ، كقوله تعالى {كيفَ تكفرون بالله!} ، أو معنى النفي والإنكار، نحو "كيف افعلُ هذا!" ، أَو معنى التوبيخ، كقوله تعالى وكيفَ تكفرون! وأنتم تُتلى عليكم آياتُ الله، وفيكم

ورسولهُ .

و (كيفَ) اسمٌ مبنيٌّ على الفتح، ومحلُّهُ من الإعراب، إما خبرٌ عما بعده، إن وقع قبل ما لا يُستغنى عنه، نحو "كيفَ أنتَ؟ وكيفَ كنتَ؟" ومنه أن تقعَ ثاني مفعوليْ "ظَنَّ" وأخواتها، لأنه في الأصل خبرٌ، نحو "كيفَ تَظُنُّ الأمرَ؟" . وإِما النصبُ على الحال مما بعدهُ، إن وقع قبل ما يُستغنى عنه، نحو "كيفَ جاءَ خالدٌ؟" أي على أيّ حالٍ جاء؟ وإما النصبُ على المفعوليَّةِ المُطلقةِ، كقوله تعالى {ألم تَرَ كيفَ فعلَ ربُّكَ بأصحاب الفيل؟} ، أي أيَّ فعلٍ فعل؟

وقد تتضمَّنُ (كيفَ) معنى الشرطِ، ملحقةً بِـ (ما) الزائدة للتوكيد، نحو "كيفما تكنْ يكنْ قرينُك" ، أو غيرَ مُلحَقةٍ بها، نحو "كيف تجلسْ أجلسْ" . ومن النُّحاةِ من يجزمُ بها، كما رأيت (وهم الكوفيُّون) . ومنهم من يجعلُها شرطاً غيرَ جازمٍ، فالفعلان بعدها مرفوعان (وهم البصريُّون) .

(انّى) الاستفهامية

أنّى تكونُ للإستفهام، بمعنى (كيف) ، نحو أنّى تفعلُ هذا وقد نُهيتَ عنه؟ "أي كيفَ تفعلهُ؟ وبمعنى (مِنْ أينَ) كقوله تعالى: {يامريم أنى لَكِ هذا} [آل عمران: 37] أي من أينَ لكِ هذا؟ وإذا تضمَّنتْ معنى الشرطِ جزمت الفعلين، نحو" أنّى تجلس أجلسْ "وهي ظرفٌ للمكان."

(كم) الاستفهامية

كمْ يُستفهم بها عن عَدَدٍ يُراد تعيينُه، نحو كمْ مشروعاً خيريًّا أعنتَ؟ "أي كمْ عَدَدُ المشروعاتِ الخيرية التي أعنتها؟"

(اي) الاستفهامية

أي يُطلبُ بها تعيينُ الشيءِ، نحو "أيُّ رجلٍ جاءَ؟ وأيَّةُ امرأة جاءت؟" ، ومنه قوله تعالى {أيُّكم زادتهُ هذهِ إِيماناً؟} .

وإذا تَضمَّنت معنى الشرط جزمت الفعلين، نحو "أيُّ رجلٍ يستقمْ ينجحْ" .

وقد تكون دالّةً على معنى الكمال، وتُسمى "أيًّا الكماليّةَ" . وهي إذا وقت بعد نكرةٍ كانت صفةً لها، نحو "خالدٌ رجلٌ أيُّ رجل" ، أي هو كاملٌ في صفاتِ الرجالِ. وإذا وقعت بعد معرفةٍ كانت حالاً منها، نحو "مررتُ بعبدِ اللهِ أيّ رجل" . ولا تُستعمل إِلا مضافةً وتُطابقُ موصوفها في التذكير والتأنيث، تشبيهاً لها بالصفات المشتقّات، ولا تطابقه في غيرهما. ويجوز تركُ المطابقة فيهما.

وقد تكونُ وُصلةً لنداءِ ما فيه (ألْ) مُلحَقةً بِـ (ها) التَّنبيهيّةِ، نحو {يا أَيُّها الناسُ} .

وقد تكون اسم موصول كما تقدم في الفصل السابق.

و (أيُّ) - في جميع أحوالها - مُعرَبةٌ بالحركات الثلاث، إلا إذا كانت موصوليةً مُضافةً ومحذوفاً صدرُ صِلتها؛ كما أوضحنا ذلك في الفصل الذي قبل هذا.


(أسماء الكناية)

أسماءُ الكنايةِ هي َ ألفاظٌ مبهمَةٌ يُكنّى بها عن مُبهَمٍ من عدَدٍ أو حديثٍ أو فعلٍ. وهي "كم وكذا وكأيَّنْ وكيْتَ وذَيتَ" .

فـ (كمْ) ،على وجهين: إستفهامية، وهي ما يُكنى بها عن عَدَدٍ مُبهمٍ يُرادُ تعيينُهُ، نحو "كمْ علماً تعرِف؟" وخَبريَّةٌ، وهي ما يكنى بها عن العدد الكثير على جِهَةَ الإخبار، نحو "كمْ كتابٍ عندي؟" ، أي عندي كتُبٌّ كثيرةٌ.

و (كذا) يُكنى بها عن عددٍ مُبهَمٍ، نحو "قلتُ كذا، وفعلتُ كذا، وعن المفردِ، نحو" جئتُ يومَ كذا "."

والغالبُ فيها أن تُستعمَلَ مُكرَّرةً بالعطفِ، نحو "عندي كذا وكذا كتاباً" ، ويَقِلُّ استعمالُها مُفردةً، أو مُكرَّرةً بلا عطف.

وهي في الأصلِ مُركبةٌ من كافِ التّشبيهِ و "ذا" الإشاريّةِ، لكنها الآن تعتبرُ كلمةً واحدةً.

و (كأيِّنْ) مثل "كم" الخبريةِ معنًى، نحو "وكأيِّنْ من آيةٍ في السموات والأرض" .

وهي في الأصلِ مُركبةٌ من كاف التَّشبيه و "أيٍّ" ولأن التنوينَ قد صار جزءاً من تركيبها كُتبتْ بالنون. فهي الآن كلمةٌ واحدةٌ. ويجوز أن تُكتبُ "كأيٍ" بحسَبِ أصلِها. ويُقالُ فيها كائِنْ "أيضاً، كقول الشاعر [من الطويل] "

وكائِن تَرى من صامتٍ لك مُعْجِبٍ ... زِيادتُه أو نَقْصُهُ في التَّكلمِ

(ولكم وكذا وكأين أحكام نذكرها في مبحث التمييز، في الجزء الثالث من هذا الكتاب) .

و (كَيْتَ وذَيْتَ) يُكنى بهما عن الجملة، قولاً كانت أو فعلاً، كما يُكنى بفُلانِ وفلانةَ عن أعلام العقلاء. وقيلَ "يُكنى بكيتَ عن جملةِ القولِ، وبذَيْتَ عن جملةِ الفعلِ" .

ولا تُستعملانِ إلا مُكرّرتينِ، بالعطف أو بدونه. والأوّلُ أكثرُ، نحو "قلتُ كيْتَ وكيْتَ، وفعلتُ ذيْتَ وذْيتَ" .

(المعرفة والنكرة)

المعرفةُ إِسمٌ دلَّ على مُعّينٍ. كعمرَ ودِمَشقَ وأنتَ.

والنكرةُ إِسمٌ دلَّ على غير مُعّينٍ كرجلٍ وكتابٍ ومدينةٍ.

والمعارفُ سبعةُ أَنواعٍ الضميرُ والعَلمُ وإسمُ الإشارة والإسمُ الموصولُ والإسمُ المقترنُ بِـ (أل) والمضافُ إلى معرفة والمنادى المقصودُ بالنداءِ.

(وقد تقدم الكلام على الضمير والعلم وإسم الإشارة والإسم الموصول. واليك الكلام على المقترن بأل والمضاف إلى معرفة والمنادى المقصود بالنداء) .

المقترن بأل

المقترنُ بألْ إسمٌ سبقتهُ (ألْ) فأفادتهُ التعريفَ، فصارَ معرفةً بعد أن كان نكرةً. كالرجل والكتاب والفرَس.

و (ألْ) كلُّها حرفُ تعريفٍ، لا اللاَّم، وحدها على الأصحّ. وهمزتُها همزةُ قطعٍ، وُصلت لكثرةِ الإستعمال على الأرجح.

وهي، إما أن تكون لتعريفِ الجنس، وتسمى الجنسيَّةَ. وإما لتعريفِ حصّةٍ معهودةٍ منهُ، ويُقال لها العَهْديّةُ.

ال العهدية

(ألْ العهديةُ) إما أن تكون للعهد الذِّكريّ وهي ما سبقَ لمصحوبها ذكرٌ في الكلام، كقولكَ "جاءني ضيفٌ، فأكرمت الضيفَ" أي الضيف المذكور. ومنه قولُه تعالى كما أرسلنا إلى فِرعونَ رسولا، فعصى فرعونُ

الرسولَ "."

وإما أن تكون للعهد الحُضوريّ وهو ما يكونُ مصحوبُها حاضراً، مثل "جئتُ اليومَ" ، أي اليومَ الحاضرَ الذي نحن فيه.

وإما أَن تكون للعهد الذهنيّ وهي ما يكونُ مصحوبُها معهوداً ذهِناً، فينصرفُ الفكرُ ليه بمجرَّدِ النُّطقِ به، مثل "حضرَ الأميرُ" ، وكأن يكون بينك وبينَ مُخاطَبك عهدٌ برجلٍ، فتقول حضرَ الرجلُ "، أي الرجلُ المعهودُ ذِهناً بينك وبين من تخاطبه."

ال الجنسية

(ألْ الجنسيّةُ) إِما أن تكون للإستغراقِ، أو لبيانِ الحقيقة.

والإستغراقيّةُ، إما أن تكون لإستغراق جميعِ أفرادِ الجنس. وهي ما تشملُ جميعَ أفرادِه، كقوله تعالى {وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفاً} ، أي كلُّ فردٍ منه

وإما لإستغراق جميعِ خصائصهِ، مثل "أنتَ الرجلُ" ، أي اجتمعت فيكَ كلُّ صفاتِ الرجال.

وعلامةُ (ألْ "الإستغراقية أن يَصلُحَ وقوعُ (كلٍّ) موقعَها، كما رأيت."

و (ألْ) ، التي تكونُ لبيانِ الحقيقة هي التي تُبينُ حقيقة الجنس وماهيّته وطبيعتَه، بقطعِ النظرِ عمّا يَصدُقُ عليه من أفراده، ولذلكَ لا يصحُّ حلولُ (كلٍّ) مَحلَّها. وتسمى "لامَ الحقيقةِ والماهيّةِ والطبيّعيةِ" ، وذلكَ مثل "الإنسانُ حيوانٌ ناطقٌ" ، أي حقيقته أنهُ عاقلٌ مدركٌ، وليس كلُّ إنسانٍ كذلك، ومثل الرَّجلُ أصبرُ من المرأَة "، فليس كلُّ رجلٍ كذلك، فقد يكون من النساءِ مَن تفوقُ بِجَلدِها وصبرها كثيراً من الرجال. فألْ هُنا لتعريف الحقيقةِ غيرَ منظورٍ بها إلى جميع أفرادِ الجنس، بل إلى ماهيَّته من حيثُ هي."

واعلم أنَّ ما تصحبُهُ (ألْ) الجنسيةُ هو في حُكم النكرةِ من حيثُ معناهُ، وإن سبقتهُ (ألْ) ، لأن تعريفهُ بها لفظيٌّ لا لا معنويٌّ فهو في حُكم عَلم الجنس، كما تقدَّمَ في فصل سابق.

وأما المُعرّفُ بِـ (ألْ) العهديّةِ، فهو معرَّفٌ لفظاً، لإقترانه بألْ، ومعنًى، لدلالتِه على مُعَيّنٍ.

والفرقُ بينَ المعرَّف بِـ (أَلْ) الجنسيّةِ وإِسمِ الجنس والنكرة، من وجهين معنويٌّ ولفظيٌّ.

أما من جهة المعنى، فلأنَّ المعرَّفَ بها في حكم المُقيَّد، والعاريَ عنها في حكم المُطلق.

(فاذا قلت "احترم المرأة" ، فانما تعني امرأة غير معينة، لها في ذهنك صورة معنوية تدعو إلى احترامها. ولست تعني مطلق امرأة، أي امرأة ما، أية كانت صفتها وأخلاقها، وإذا قلت "إذا رأيت امرأة مظلومة فانصرها" فانما تعني مطلق امرأة، أية كانت، لا امرأة لها في نفسك صفتك ومميزاتها) .

وأما من جهة اللفظِ، فلأنَّ إسمَ الجنس النكرةَ نكرةق لفظاً، كما هو نكرةٌ معنًى. والمعرَّف بِـ (ألْ الجنسيةِ) نكرةٌ معنًى، معرفةٌ لفظاً، لإقترانه بألْ. فهو تَجري عليه أحكامُ المَعارف كصحة الإبتداءِ مثل "الحديدُ أنفعُ من الذَّهب" ، ومجيءِ الحال منه، مثل "أكرم الرجلَ عالماً عاملاً" .

وإذا وصَلَ مصوبُ (ألْ) الجنسية بجملةٍ مصمونُها وصفٌ له جاز أن تجعلها نعتاً له، باعتبار أَنه نكرةٌ معنًى وأن تجعلها حالاً منه باعتبار أنه مُعرَّفٌ بِألْ تعريفاً لفظياً. ومن ذلك قول الشاعر

ولَقَد أمُرُّ على اللَّثيمِ يَسُبُّني ... فَمَضَيْتُ، ثُمَّتَ قلْتُ لا يَعنيني

وقول ُ أبي صخرٍ الهُذَليّ

وإِنِّي لَتَعروني لذِكْراكِ هِزَّةٌ ... كَما انْتَفَضَ الْعُصفورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ

ومثلُ المعرَّف بألْ الجنسيةِ ما أُضيف إلى المعرَّف بها كقول لبيدِ بنِ رَبيعة

وتُضيءُ في وَجْهِ الظَّلامِ مُنيرةً ... كجُمانةِ سُلَّ نِظامُها

(فيجوز في جملة (يسبني) أن تكون نعتاً للئيم، وفي جملة (بلله القطرُ) أن تكون نعتاً للعصفور، وفي جملة (سُلّ نظامها) أن تكون نعتاً لجمانة البحري. باعتبار أن مصحوب (ألْ) الجنسية في معنى النكرة. ويكون التقدير في الأول على لئيم سابٍ إياي، وفي الثاني "كما انتفض عصفور بلل القطر إياه" . وفي الثالث "كجمانة بحري مسلول نظامها" . ويجوز أن نجعل هذه الجمل حالاً من المذكورات، باعتبار تعريها اللفظي، لأنها محلاّة بألْ الجنسية. ويكون التقدير "على اللئيم ساباً إياي" ، وكما انتفض العصفور بالاً القطر إياه "وكجمانة البحري مسلولاً نظامها" ) .

أل الزائدة

قد تُزادُ "ألْ" ، فلا تُفيدُ التّعريفَ

وزيادتُها إما أن تكون لازمةً، فلا تُفارِقُ ما تَصحَبُه، كزيادتها في الأعلام التي قارنت وضعَها كللاّتِ والعُزَّى والسَّمَوْأَلِ واليَسعِ، وكزيادتها في

الأسماءِ الموصولة كالذي والتي ونحوهما، لأن تعريفَ الموصولِ إنما هو بالصلة، لا بألْ على الأصحّ. وأما "الآن" فأرجحُ الأقوالِ أَن "أَلْ" فيه ليستْ زائدةً، وإنما هي لتعريفِ الحُضور، فهي للعهدِ الحضوريّ. وهو مبنيٌّ على الفتح، لتضمُّنه معنى إِسمِ الإشارة، لأنّ معنى "الآنَ" هذا الوقتُ الحاضرُ.

وإما أن تكون زيادتُها غيرَ لازمة، كزيادتها في بعض الأعلام المنقولةِ عن أصلٍ للمْحِ المعنى الأصليّ، أي لملاحظةِ ما يَتضمَّنُهُ الأصلُ المنقولُ عنهُ من المعنى، وذلك كالفضلِ والحارثِ والنُّعمان واليَمامةِ والوليدِ والرشيدِ ونحوها. ويجوزُ حذفُ "أَلْ" منها.

وزيادُتها سَماعيّة، فلا يُقال المُحمَّدُ والمحمودُ والصّالحُ فما وردَ عن العربِ من ذلك لا يُقاسُ عليه غيرُه.

(كذا قال النحاة. ولا نرى بأساً بزيادة (ألْ) على غير ما سمعت زيادتها عليه من الأعلام المنقولة عن اسم جنس أو صفة، إذا اريد بذلك الإشارة إلى الأصل المعني فما جاز لهم من ذلك لمعنى أرادوه، يجوز لنا لمعنى كالذي أرادوه. فيجوز لنا أن نقول فيمن اسمه صالح "جاء الصالح" ، نلمح في ذلك معنى الصلاح في المسمى) .

وقد تُزاد "أَلْ" اضطراراً، كالداخلةِ على علمٍ لم يُسمع دُخولها عليه في غير الضَّرورة. كقول الشاعر [من الطويل]

رأيتُ الوَليدَ بنَ اليزيدِ مُبارَكاً ... شَديداً بأَعباءٍ الخِلاقةِ كاهِلُهُ

فأدخلَ "ألْ" على (يَزيد) لضرورة الشعر، وهي ضرورة قبيحة، وكقول الآخر [من الكامل]

ولَقَدْ جَنَيْتُكِ أكْمُؤًا وعَساقِلا ... ولَقَدْ نَهَيْتُكِ عَن بَناتِ الأَوْبَرِ

وإنما هي بناتُ أوبَرَ، وكالدَّاخلةِ على التمييز. كقوله [من الطويل]

رأَيتُكَ لمَّا أَنْ عَرَفْتَ وجُوهَنا ... صَدَدْتَ، وطِبْتَ النَّفْسَ يا قَيْسُ عَنْ عَمْرِو

والأصلُ "طِبتَ نَفْساً، لأن التمييز لا يكونُ إلاَّ نكرة."

(ال) الموصولية

وقد تكونُ (ألْ) إِسمَ موصولٍ، بلفظٍ واحدٍ للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وهي الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول، بشرط أن لا يُرادَ بها العهدُ أو الجنسُ، نحو "أكرِمِ المُكرِمَ ضيفَه، والمُكرَمَ ضيفُه" . أي الذي يُكرمُ ضيفَهُ، والذي يُكْرَمُ ضيفُهُ.

فإن أُريدَ بها العهدُ، نحو "انصُرِ المظلومَ" ، كانت حرفَ تعريفٍ لا موصوليّة.

وإن كانت موصوليّة فصِلَتُها الصفةُ بعدَها، لأنها في قُوَّة الجملة، فهي شِبهُ جُملةٍ لدلالتها على الزمان، ورفعِها الفاعلَ أو نائبَهُ، ظاهراً أو مُضمَراً فالظاهرُ نحو "أكرمِ المُكرِمَ أبوه ضيفَهُ" والمُضمَر، نحو "أكرمَ المكرِمَ ضَيفه" .

والإِعرابُ إنَّما هو لِـ (ألْ) ، فهي في ملح رفع أو نصب أو جرّ ويظهر إعرابُها على صِلَتها، وصِلتُها لا إِعرابَ لها. والرفعُ والنصبُ والجرُّ اللَّواتي يلحقنها، إنَّما هُنَّ أثرُ محلِّ (ألْ) من الإعراب.

وإذْ كانت الصفةُ الواقعةُ صِلَةً لِـ (ألْ) الموصوليَّةِ في قُوَّة الفعلِ ومرفوعه، حَسُنَ عطف الفعلِ ومرفوعهِ عليها. كقوله تعالى

{والعادياتِ ضَبْحاً فَالمُورِياتِ قَدْحاً، المُغيراتِ صُبْحاً، فأثَرْنَ بهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بهِ جَمْعاً} ، وقولهِ {إنَّ المُصَّدِّقينَ والمُصَّدِّقات وأَقرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً} .

(أما إن كانت الصفة المقترنة بأل صفة مشبهة أو اسم تفضيل أو صيغة مبالغة، فألْ الداخلة عليها ليست موصولية. وإنما هي حرف تعريف، لأن هذه الصفات تدل على الثبوت فلا تشبه الفعل من حيث دلالته على التجدد، فلا يصح أن تقع صلة للموصول كما يقع الفعل) .

تعريف العدد بأل

إن كان العدَدُ مفرداً يُعرَّفُ كما يُعرَّفُ سائرُ الأسماءِ، فيقال "الواحدُ والإثنانِ والثلاثةُ والعشرة" .

وإِن كان مركَّباً عديًّا يُعرَّفُ جُزؤُهُ الأوَّلُ فيقال

"الأحدَ عَشرَ والتِّسعةَ عشرَ" .

وإن كان مُركباً إضافياً يُعرَّفُ جُزؤُهُ الثاني، مثل "ثلاثةً الأقلامِ، وستَّةً الكتبِ، ومِئةُ الدّرهمِ، وألفٍ الدِّينارِ" ، وإذا تَعدَّدتِ الإضافةُ عرّفتَ آخرَ مضافٍ إِليه، مثل "خَمسِ مئةِ الألفِ، وسبعة آلافِ الدرهمِ، وخَمسِ مئةٍ ألفِ دينارِ الرجلِ، وستِّ ألفِ درهمِ غُلامِ الرجلِ" .

وإن كان العددُ معطوفاً ومعطوفاً عليه يُعرَّفُ الجُزءانِ معاً. كالخمسة والخمسينَ رجلاً، والستَ والثمانينَ امرأةً.

(ومن العلماء من أجاز تعريف الجزءين في المركب الإضافي فيقول "الثلاثة الرجال والمئة الكتاب" ) .

المعرَّف بالاضافة

المُعرّفُ بالإِضافة هو اسمٌ نكرةٌ أُضيف إلى واحد من المعارف السابق ذِكرُها، فاكتسبَ التعريفَ بإضافته، مثل "كاب" في قولك "حملتُ كتابي، وكتابَ عليّ، وكتابَ هذا الغلام، وكتابَ الذي كان هنا وكتابِ الرَّجلِ" . وقد كان قبل الإضافةِ نكرةً لا يُعرَفُ كتابُ من هو؟.

المنادى المقصود

المنادى المقصود هو اسمُ نكرةٌ قُصدَ تعيينُهُ بالنَّداءِ، مثل "يا رجلُ ويا تلميذُ" ، إذا ناديتَ رجلاً وتلميذاًَ مُعيَّنين. فإن لم تُرِدْ تعيينَ أحدٍ قلتَ "يا رجلاً، ويا تلميذاً" ، ويبقيانِ في هذه الحالة نكرتينِ، لعدم تخصيصهما بالنداءِ.

فإن ناديتَ معرفةً فلا شأنَ للنداءِ في تعريفها.

(اسماء الأفعال)

اسمُ الفعل كلمةٌ تدلُّ على ما يدلُّ عليه الفعلُ، غيرَ أنها لا تقبل علامتَهُ. وهو، إما أن يكون بمعنى الفعلِ الماضي، مثل "هيْهات" ، بمعنى "بَعُدَ" أو بمعنى الفعل المضارع، مثل "أُفٍّ" ، بمعنى أَتَضجّر، أو بمعنى فعلِ الأمر، مثل "آمينُ" ، بمعنى استَجبْ.

ومن أسماءِ الأفعالِ "شَتَانَ" بمعنى افترقَ، و "وَيْ" ، بمعنى أعجَبُ، و "صَهْ" بمعنى اسكُتْ، و "مَهْ" بمعنى انكفِفْ، و "بَلْهَ" بمعنى دَعْ واترُكْ، و "عليكَ" ، بمعنى الزَمْ، و "اليكَ عني" ، بمعنى تنَحّ عني، و "إليك الكتابَ" ، بمعنى حُذْهُ، و "ها وهاكَ وهاءَ القلمَ" أي خُذْهُ.

واسمُ الفعل يلزم صيغةً واحدةً للجميع. فنقول "صَهْ" ، للواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، إلا ما لحقتهُ كافُ الخطاب، فيراعى فيه المخاطبُ فتقول "عليكَ نفسَكَ، وعليكِ نفسَكِ، وعليكُما أنفسَكما، وعليكم أنفسَكم، وعليكنَّ أنفسَكنَّ، وإليكَ عني، وإليكِ عني، وإِليكما عني، وإِليكم عني، وإِليكنّ عني، وهاكَ الكتابَ وهاكِ الكتَابَ، وهاكُما الكتابَ، وهاكمُ الكتابَ، وهاكنَّ الكتابَ" .

اسم الفعل المرتجل والمنقول والمعدول

أسماءُ الأفعالِ، إما مُرتجَلةٌ، وهي ما وَضعتْ من أول أمرها أسماءَ أفعالٍ، وذلك مثل "هَيْهاتَ وأُفٍّ وآمينَ" .

وإما منقولةٌ، وهي ما استُعملت في غير اسم الفعلِ، ثم نُقلت إليه.

والنّقلُ إِما عن جارٍّ ومجرورٍ كعليكَ نفسكَ، أي ألزمها، وإليكَ

عني، أي: تَنَحَّ. وإما عن ظرفٍ: كدونكَ الكتابَ، أي: خُذْهُ، ومكانكَ، أي: اثبُتْ. وإِما عن مصدرٍ: كرُوْيدَ أخاكَ أي: أمهِلْهُ، وبَلْهَ الشَّرَّ أي: اترُكهُ ودَعْهُ. وإما عن تنبيهٍ، نحو: "هالكتابَ" ، أي: خُذْهُ.

وإما معدولةٌ كَنزالِ وحّذارِ، وهما معدولانِ عن انزِلْ واحذّرْ.

( "رويد" في الأصل مصدر "ارود في سيره رواداً أو رويداً" أي تأنى ورفق. وهو مصغر تصغير الترخيم، بحذف الزوائد، لأن أصله "ارواد" . (بله) في الأصل مصدر بمعنى الترك، ولا فعل له من لفظه، وإنما فعله من معناه وهو "ترك" . وكلاهما الآن اسم فعل أمر مبني على الفتح، ولا محل له من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت. فإن نوَّنتهما، نحو "رويداً أخاك وبلهاً الشر" ، أو أضفتهما نحو رويدَ أخيك وبلهُ الشر "فهما حينئذ مصدران منصوبان على المفعولية المطلقة لفعلهما المحذوف. وما بعد المنون منصوب على أنه مفعول به له، وما بعد المضاف مجرور لفظاً بالإضافة إليه، من باب إِضافة المصدر إلى مفعوله) ."

والكاف؛ التي تلحقُ اسمَ الفعل المنقولَ، تَتصرَّفُ بحسبِ المخاطبِ إِفراداً، وتثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، نحو "رُوَيْدَكَ، ورُوَيْدَكِ، ورُوَيْدَكما، ورُوَيْدَكم ورُوَيْدَكُنَّ، وهاكَ، وهاكِ، وهاكما، وهاكم، وهاكنْ، وإِليكَ عني، وإِليكما عني، وإِليكم عني، وإِليكنَّ عني" . إلا أنها في "رُوَيْدَكَ وهاكَ" غير لازمة، لأن النقل عن المصدر أو حرف التنبيه وقع مُجَرَّداً عنها، فلم تَصِرْ جُزءاً من الكلمة، لذا يجوز انفكاكها عنهما، فتقولُ "رُوَيْدَ أخاكَ وها الكتابَ" . أما في "إِليكَ ودُونكَ" ونحوهما من المنقول عن حرف جرٍّ أو ظرفٍ فهي لازمة له، لأنَّ النقل قد وقع فيه مصحوباً بها فصار وإِياها كلمةً واحدةً يُراد بها الأمرُ، لذا لا يجوز انفكاكها عنه، كما جاز في رُوَيْدَكَ وهاكَ "."

ويجوز في "ها" أن تُجرَّدَ من الكاف، فتكونَ بلفظٍ واحدٍ للجميع، وأن تلحقها الكافُ، فتتصرفَ بحسَبِ المخاطب. ويجوز أن يقال فيها "هاءَ" ، بلفظٍ واحدٍ للجميع. والأفصحُ أن تتصرَّف همزتُها، فيُقال "هاءَ" ، للواحدِ، و "هاءِ" للواحدة، و "هاؤماً" ، للمثنى، و "هاؤمْ" ، لجمع الذكور، و "هاؤُنَّ" لجمع الإناث، ومنه قولهُ تعالى {هاؤُمُ اقرؤوُا كتابِيْهْ} ، أي خُذوهُ فاقرَؤُهُ.

(والكافُ في "رويدك وهاك" حرفٌ خطابٍ لا محل له من الإعراب علىالأصح. وفي "إليك وعليك ودونك" ونحوها لا إعراب لها على الصحيح، لأنها صارت جزءاً من الكلمة، وجزء الكلمة لا إِعراب له فالإعراب إنما هو لهذه الكلمة برمتها) .

واسمُ الفعلِ المنقولُ كرُويدَ، والمعدولُ كَنزالِ، لا يأتي إِلا للأمرِ، ولا يأتي لغيره. وأما المُرتَجلُ فيأتي للأمر كمَهْ، بمعنى انكَفِفْ، وهو الأكثرْ. وقد يأتي للماضي كشَتّانَ، بمعنى افترَق، وللمضارع، مثل "وُيْ" ، بمعنى أعجبُ.

وما كان منه منقولاً أو مرتجلاً، فهو سماعيّ.

وما كان منه معدولاً، فهو قياسيّ يُبنى على وزن "فَعالِ" ، من كل فعلٍ ثلاثيٍّ مُجرَّدٍ تامٍّ مُتصرّف كَقتالِ وضَرابِ ونَزالِ وحَذارِ. وشذَّ مجيئُهُ من مَزيدِ الثلاثيِّ نحو "دَراكِ" بمعنى أَدْرِكْ، و "بَدارِ" ، بمعنى

بادِرْ.

اسم الفعل الماضي والمضارع والأمر

أسماءالأفعال أيضاً على ثلاثة أنواع

اسمُ فعلٍ ماضٍ وقد وردَ منه (هَيْهاتَ) ، أي بَعُدَ، و (شتّان) ، أي افترقَ، و (شُكانَ وسُرعانَ) (بتثليثِ أوَّلهما) ، أي أسرعَ، و (بُطآنَ) بضمِّ الباءِ وكسرها وسكون الطاءِ) ، أي أبْطِىءِ.

واسمُ فعلٍ مضارعٍ وقد وردَ منه "أوَّهْ وآهِ" أي "أتوَجَّعُ" ، وأُفٍّ، أي أتضجّرُ، و "وا، وَواهاً، وَويْ" ، اي أَتعجّبُ، (وبَخٍ) ، أي أَستحسنُ و (بَجَلْ) أي يكفي.

واسمُ فعلِ أمرٍ وقد وردَ منه "صّهْ" أي اسكُتْ، و "مَهْ" ، أي انكفِفْ، و "رُوَيْدَ" أي "أمهِلْ" ، و "ها، وهاءَ، وهاكَ، ودُونَكَ، وعندَكَ، ولدَيْكَ الكتابَ" ، أي خُذهُ، و "عَليكَ نفسَكَ وبنفسِكَ" ، أي الزَمْها، و "إِليكَ عني" ، أي تَنَحَّ، و "إِليكَ الكتابَ" ، أيْ خُذْهُ، و "إيهِ" أي امضِ في حديثكَ أو زِدْني منهُ، و "حيَّ على الصلاةِ وعلى الخيرِ، وعلى العلمِ" ، أي هَلُمَّ إلى ذلكَ وتَعالَ مُسرِعاً، وحَيَّهلَ الأمرَ "، أي ائتهِ، و" على الأمر "، أي أقبلْ عليه، و" إِلى الأمرِ "، أي عَجَّلْ إليه، و" بالأمر "، أي عَجِّلْ به و" هيّا وهَيتَ "(بتثليث التاءِ) ، أي أسرِعْ، (ويقالُ أيضاً هَيْتَ لكَ) ، و" آمينَ "أي استجِبْ، و" مكانَكَ "، أي اثبُتْ، و" أمامَكَ "، أي تَقَدَّمْ، و" وراءِكَ "، أي تأخرْ."

أما المعدودُ منهُ فلا يُحصَرُ، لأنه قياسيٌّ كما سلفَ.
(أسماء الأصوات)

أسماءُ الأصوات على نوعين

نوعٌ يُخاطَبُ به ما لا يَعقِلُ من الحيوان أو صغار الإنسان، وهو يُشبِهُ اسمَ الفعلِ من حيثُ صِحَّة الإكتفاءِ به وإنما لم يُجعلِ إِسمَ فعلٍ، لأنهُ لا يحملُ ضميراً، ولا يقعُ في شيءٍ من تراكيب الكلام، بخلاف اسم الفعل. وذلك ما كان موضوعاً للزَّجر كهَلا (للفرَس) ؛ وعَدَسْ (للبغل، وغيرهما مما يُزجَرُ به الحيوانُ) ، وكَخْ (بفتح الكافِ وكسرِها، لزجرِ الطفلِ عن تناوُل شيءٍ، أو ليتقذَّرَ من شيءٍ، أو للدُّعاء كنِخْ (للبعير الذي يُناخُ) ، و "سَأْ" للحمار الذي يُورَدُ الماءَ، أو يُزجرُ ليمضي) .

ونوعٌ يُحكى بِهِ صوتٌ من الأصوات المسموعة. كقَبْ (لِوَقْعِ السيف "، وغاقِ" لصوت الغُراب "وطَقْ" لصوت الحجر "، ووَبْهِ للصُّراخ على الميت" ولذلك بُني نحو سيبويه لأنه مختومٌ باسم صوت.

وكلا النوعينِ من الأسماءِ المبنيَّة. وقد بُنيَ لأنه أشبهَ الحرف المُهمَلَ عنه العمل، في كونه يُستعملُ لا عاملاً ولا معمولاً.

وقد يُسمى صاحبُ الصوت باسم صوته المنسوب إليه، كما يُسمّى الغُراب "غاقِ" أو باسم ما يُصوَّتُ لهُ به، كما يُسمى البغلُ "عَدَس" ، ومنهُ قولُ الشاعر [من الرجز]

إِذا حَمَلتُ بَدَني عَلى عَدَسْ ... على الذي بينَ الحمار والفَرَسْ

فلا أُباليَ مَنْ عَدَا ومَنْ جَلَسْ

أي إِذا حملته على البغل. وحينئذٍ يُحكى على بنائه، وهو القياس، والمختارِّ عندَ المحققين، فتقول "رأيتُ غاقٍ" ، بالكسر، "ركبتُ عَدَسْ" بالسكون. وقد يُعرَبُ لوقوعه موقعَ مُعرَبٍ، فيقال "رأيتُ غاقاً، وركبتُ عَدَساً" .
(شبه الفعل من الأسماء)

والمرادُ به الأسماءُ التي تُشبهُ الأفعالَ في الدلالة على الحدثِ ولذا تُسمى "الأسماءَ المشبَّهةَ بالأفعال" و "الأسماءَ المُتصلةَ بالأفعال" أيضاً.

وهي تسعةُ أنواعٍ المصدرُ، واسمُ الفاعلِ، واسمُ المفعولِ، والصفةُ المشبّهةُ باسمِ الفاعلِ، وصِيَغُ المبالغة، وإِسمُ التفضيلِ، وإِسمُ الزَّمانِ، وإسم المكانِ، وإسمُ الآلةِ.

المصدر وانواعه

المصدرُ هو اللفظُ الدّالُّ على الحدَث، مُجرَّداً عن الزمان، متضمّناً أحرفَ فعلهِ لفظاً، مثلُ "علمَ عِلْماً، أو تقديراً، مثلُ" قاتلَ قِتالاً "أو مُعوَّضاً مِما حُذِفَ بغيره، مثلُ" وَعَدَ عِدةً، وسلّم تسليماً "."

(فالعلم مشتمل على أحرف "علم" لفظاً. والقتال مشتمل على ألف "قاتل" تقديراً، لأن أصله "قيتال" ، بدليل ثبوت هذه الياء في بعض المواضع، فنقول "قاتل قيتالاً، وضارب ضيراباً" وهذه الياءُ أصلها الألف في قاتل، انقلبت ياءً لانكسار ما قبلها. والعدّة أصلها "الوعد" حذفت الواو وعُوّضت منها تاءُ التأنيث. والتسليم أصله "السلام" . بكسر السين وتشديد اللام، حذف أحدُ حرفي التضعيف، وعوّض منه تاءَ التفعيل، فجاء على

"تسلام" كالتكرار. ثم قلبوا الألف ياء، فصار إلى "التسليم" . فالتاء عوضٌ من إِحدى اللامين.

فان تضمن الاسمُ أحرف الفعل ولم يدل على الحدث، كالكحل والدهن والجرح (بضم الأول في الثلاثة) ، فليس، بمصدر. بل هو امس للأثر الحاصل بالفعل، أي الأثر الذي يحدثه في الفعل) .

وان دلّ على الحدث، ولم يتضمن كل أحرف الفعل، بل نقص عنه لفظاً وتقديراً من دون عوض، فهو اسم مصدر، كتوضأ وضوءاً، وتكلم كلاماً، وسلم سلاماً، وسيأيت الكلام عليه.

والمصدرُ أصلُ الفعلِ، وعنهُ يَصدُرُ جميعُ المشتقّات.

وهو قسمان مصدرٌ للفعلِ الثلاثيّ المجرَّد كسَيرٍ وهدايةٍ، ومصدرٌ لما فوقَه كإكرامٍ وإِمتناعٍ وتَدحرُجٍ.

وهو أيضاً، إما أن يكون مصدراً غيرَ ميميٍّ "كالحياةِ والموتِ" . وإما أن يكون مصدراً ميمياً "كالمَحيا والمَمات" .

مصدر الفعل الثلاثي

لمصادر الأفعال الثلاثية أوزانٌ كثيرةٌ، وذلك

كَنَصْرٍ وعِلْمٍ، وشُغْلٍ، ورَحْمَةٍ، ونِشْدَةٍ وقُدْوَةٍ، ودَعْوَى، وذِكْرَى، وبُشْرَى، ولَيّانٍ وحِرْمانٍ، وغُفْرانٍ، وخَفَقانٍ، وطَلَبٍ، وخَنِقٍ، وصِغَرٍ، وهُدىً، وغَلَبَةٍ، وسَرِقَةٍ، وذَهابٍ، وإِيابٍ، وسُعالٍ، وزَهادَةٍ، ودِرايَةِ، وبُغايَةٍ، وكَراهِيَةٍ، ودُخولٍ، وقَبولٍ، وصهوبةٍ، وصَهيلٍ،

وسُؤْدَدٍ، وجَبَروتٍ، وصَيْرُورَةٍ، وشَبيبَةٍ، وتَهْلُكَةٍ، ومَدْخَلٍ، ومَرْجِعٍ، ومَسْعاةٍ، ومَحْمَدٍ، ومَحْمِدَةٍ، "يُقالُ فيهِما أَيضاً مَحْمَدٌ ومَحْمَدَةٌ."

و "فَعْلٌ" هو المصدرُ الأصليُّ للأفعال الثلاثية المجرَّدة، ثم عُدِلَ بكثير من مصادرها عن هذا الأصل، وبقيَ كثيرٌ منها على هذا الوزن.

ومِما يَدلُّ على هذا أنهم إذا أرادوا بناءَ المَرَّةِ والنوعِ رَجعوا إليه، فلم يَبنوهما من مصدر فِعلهما. إلا أنهم كسروا أوَّلَ المصدر النَّوعي، تمييزاً له من المَرَّة. فالمرَّة والنوع من الدُّخول والقيام والسُّعال دَخْلةٌ وَدِخْلةٌ، وقومةٌ وقِيمةٌ، وسَعْلةٌ وسِعْلةٌ "."

المصادر الثلاثية القياسية

المصادر المتقدمة، الكثيرُ منها سَماعيٌّ. وإِنما يُقاسُ منها ما كان على وزن فَعْلٍ وفَعَلٍ، وفُعولٍ، وفِعالٍ، وفَعَلانٍ، وفُعالٍ، وفَعيلٍ، وفَعُولةٍ، وفَعالةٍ وفِعالةٍ.

(والمراد بالقياس هنا اذا وردَ شيءٌ ولم يعلم كيف تكلموا بمصدره، فإنك تقيسه على هذا؛ لا أنك تقيس مع وجود السماع فقد ورد مصادر عدة مخالفة لهذا القياس، فلا يجوز العدول عنها، كما ورد للفعل الواحد مصدران أو أكثر، أحدهما قياسي، وغيره سماعي، غير جار على القياس. وأجاز الفراء أن يقاس مع وجود السماع) .

والغالبُ فيما دلَّ من الأفعال على امتناعٍ، أن يكون مصدرُهُ على

وزن "فِعالٍ" كأبى إباءً، ونَفَرَ نِفاراً، وشَرَدَ شِراداً، وجَمحَ جِماحاً، وأبقَ إباقاً.

وفيما دلَّ على حركةٍ واضطرابٍ وتقلُّبٍ، أن يكون مصدرُه على "فَعْلاَنٍ" كطافَ طَوفاناً، وجَالَ جَوَلاناً، وغَلى غَلياناً.

وفيما دلَّ على داءٍ، أن يكون مصدره على فُعالٍ "كسَعَلَ سُعالاً، وزَحَرَ زُحاراً ودارَ رأسُهُ دُواراً."

وفيما دلَّ على صَوْتٍ أن يكون مصدرُه على فُعالٍ أو فَعيلٍ "، فالأوَّلُ مثلُ" بغَمت الظبيةُ بُغاماً، وضَبَحتِ الخيلُ ضُباحاً "."

والثاني مثلُ "صهَلَ الفرسُ صَهيلاً، وصخَدَ الصُّرَدُ صخيداً" .

وقد يجتمعُ "فُعالٌ وفعيلٌ" مَصدَرينِ لفعلٍ واحدٍ مثل "نَعَبَ الغُرابُ نُعاباً ونعيباً، وأزَّت القِدْرُ أُزازاً، وصَرخَ صُراخاً وصريخاً، ونعَقَ الرَّاعي بغنمهِ نُعاقاً ونعيقاً" . وفيما دلَّ على سيرٍ، أن يكون مصدرُهُ على "فَعيلٍ" كرَحلَ رحيلاً، وذّملَ البعيرُ ذَميلاً.

وفيما دلَّ على صناعةٍ أو حِرفةٍ، أن يكون مصدرُه على "فِعالةٍ"

كحاكَ حِياكةً، وزَرَعَ زِراعةً، وخَاطَ خِياطةً، وتَجرَ تِجارةً، وأمَرَ إمارةً، وسَفَرَ بين القوم سِفارَةً.

فإن لم يدُلَّ الفعلُ على معنًى من المعاني المذكورة، فقياسُ مصدره "فَعْلٌ" أو "فَعَلٌ" أو "فُعولٌ" أو "فَعالةٌ" .

فـ "فَعْلٌ" مصدرٌ للفعل الثلاثيّ المتعدي كنصرَ نصراً، وردَّ ردًّا، وقالَ قولاً، ورمى رمياً، وغزا غزْواً، وفهمَ فهْماً، وأمِنَ أمْنًا.

و (فَعْلٌ) مصردٌ للثلاثيّ اللازمِ من باب "فَعِلَ" بكسر العين، كفَرِحَ فَرحاً وجَوِيَ جَوىً، وشَلَّتْ يَدُه شَلَلاً.

و (فُعولٌ) مصدرٌ للثلاثيّ اللازم من باب "فَعَل" ، بفتح العين. كجلَسَ جُلوساً، وقعدَ قُعوداً، وسما سُمُوًّا، ونما نُموًّا. إلا ما دلَّ منه على امتناعٍ أو حركةٍ، أو داءٍ أو صوتٍ أو سيرٍ أو صناعةٍ، فمصدرُهُ كما تقدَّم.

و (فُعُولةٌ، وفَعالةٌ) مًصدران للفعل الثلاثيّ من باب "فَعُلَ" بضمِّ العين، فالأولُ. مثلُ "سَهُلَ سُهولةً، وصَعُبَ صُعوبةً وعَذُبَ عُذوبةً، ومَلُح مُلوحةً" ، والثاني مثلُ "فَصُحَ فَصاحةً، وضَخُمَ ضخامةً، وجَزُلَ جَزالةً، وظَرُفَ ظرافةً" .

هذا هو القياسُ الثابتُ في مصدرِ الفعل الثلاثيّ. وما وردَ على خلاف ذلك فهو سَماعيٌّ، يُقتصَرُ فيه على النّقل عن العرب. مثل "سَخِطَ سُخْطاً، ورَضِيَ رِضاً وذَهبَ ذَهاباً وشَكرَ شُكراناً، وعظمَ عَظمةً، وحَزِنَ"

حُزناً، وجَحدَ جُحوداً، وركبَ رُكوباً "، وغير ذلك مما جاءَ مصدرُهُ على غير القياس."

وكثيرٌ مما جاءَ مخالفاً للقياس له مصدرٌ قياسيٌّ أيضاً.

مصدر الفعل فوق الثلاثي

إذا تجاوز الفعلُ ثلاثة أحرفٍ، فمصدرُهُ قياسيٌّ يجري على سَنَنٍ واحدٍ.

ومن المصادر القياسية مصدراً المرَّةِ والنوع، والمصدرُ الميميُّ، سواءٌ أكانَ لفعلٍ ثلاثيٍّ أم لِما فوقهُ.

قياس مصدر ما فوق الثلاثي

كلُّ فعلٍ جاوز ثلاثةَ أحرفٍ، ولم يُبدأَ بتاءٍ زائدة، فالمصدر منه يكونُ على وزنِ ماضيه، بكسر أوله وزيادة ألفٍ قبل آخره.

ثمَّ إن كان رُباعيَّ الأحرف كُسرَ أوَّلُه، فقط، نحو "أكرمَ إِكراماً، وزَلزلَ زِلزالاً" .

وإن كان خُماسيَّها، أو سُداسيَّها، كُسِرَ ثالثُهُ، أيضاً تبَعاً لكسر أوَّلهِ، نحو "إنطَلق إنطلاقاً، وإحرنجمَ إحرنجاماً، وإستغفرَ إستغفاراً، وإطمأنَّ إطمنئاناً" .

فإن بُدىءَ أوَّلهُ بتاءٍ زائدةٍ يَصرْ ماضيه مصدراً بضمِّ رابعهِ، مثلُ "تَكلَّمَ تَكلُّماً، وتَساقطَ تَساقطاً، وتَزلزلَ تَزلزُلاً" .

إلاَّ إن كان الآخرُ ألفاً، فيجبُ قلبُها ياءً وكسرُ ما قبلها، نحو "توانى توانِياً، وتلقى تَلقِّياً" .

وشَذَّ مجيءُ التَّفعيلِ مصدراً "لفعَّلَ" ، و "المُفاعلة" مصدراً

"لفاعَلَ" والفَعْللَة مصدراً لفَعْللَ. وما أشبهها في الوزن. وسيأتي شرحُ ذلك.

وإليك تفصيل ما تقدَّم.

مصادر افعل وفعل وفاعل

(1) ما كان على وزن "أفعلَ" صحيحَ العين، فمصدرُه على وزن "إفعال" نحو "أكرمَ إكراماً، وأوجدَ إيجاداً" .

فإن اعتلَّت عينُه، نحو "أقامَ وأعانَ وأبانَ" جاء مصدرُه على (إقالةٍ) كإقامةٍ وإعانةٍ وإبانةٍ، حُذفت عينُ المصدر، وعوَّض منها تاء التأنيث. والأصلُ "إقوامٌ وإعوانٌ وإبيانٌ" .

وقد تُحذفُ هذه التاءُ من المصدر، إذا أُضيفَ، كقوله تعالى {لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذِكرِ الله وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ} .

وما كان منهُ مُعتلُّ اللام مثلُ "أعطى وأهدى وأوْلى" قُلبتْ لامهُ في المصدرِ همزةً كإعطاءٍ وإهداءٍ وإيلاءٍ.

(والأصل "إعطاوٌ وإهدايٌ وإيلايٌ" ، وكذلك "عطاءٌ" أصله "عطايٌ" ، قلبت الواو والياء همزة. لوقوعهما بعد ألف زائدة. قال في شرح القاموس "العرب تهمز الواو والياء إذا جاءتا بعد ألف، لأنّ الهمزة أحمل للحركة منهما، ولأنهم يستثقلون الوقف على الواو، وكذلك الياء، مثل" الرداء "، وأصله" راديٌ "اهـ. وسيأتي بسط ذلك في الكلام على"

(الإبدال) ؛ في الجزء الثاني من هذا الكتاب) .

وقد يجيءُ "أفعلَ" على "فَعالٍ" بفتح الفاء، وتخفيف العين، نحو "أنبتَ نَباتاً، وأعطى عَطاءً، وأثنى ثَناءً" ، فهذا اسمُ مصدرٍ، لا مصدرٌ، لنُقصانهِ عن أحرف فعلهِ.

(2) ما كان على وزن "فَعَّلَ" بتشديد العين مفتوحةً - صحيحَ اللام، غيرَ مهموزها، فمصدره على "تَفْعيل" ، نحو "عَظَّم تَعظيما، وعَلَّم تَعليماً" .

وقد يجيءُ على "تَفْعِلة" نادراً، نحو جَرّبَ تَجربةً، وفَكَّرَ تَفكرةً، وذكَّر تَذكرةً "."

فإن اعتلت لامهُ، نحو "وَصّى وسَمّى وزَكّى" جاء مصدره على وزن "تَفْعِلةٍ" كتوصيةٍ وتسميةٍ وتزكيةٍ، خُفِّفَ بحذف ياءِ "التفعيل" ، وعُوِّض منها التاء.

وإِن هُمزت لامُهُ، نحو "جزّأَ وخطّأ وهنّأ" فمصدره على (تَفْعيل) وعلى (تَفْعِلة) مثلُ "تَجزيءٍ وتَجزئةً، وتَخطيءٍ وتَخطئةً، وتهنيءٍ وتَهنئةً" .

وسمعَ مصدر (فَعَّل) على (فِعَال) - بكسر الفاءِ وتشديد العينِ مفتوحةً - قليلاً، فقالوا "كلَمتُهُ كِلاّماً" ، وفي التّنزيل {وكذَّبوا بآياتنا كِذَّاباً} ، أي تكذيباً.

وجاء مصدرُه أيضاً على (تَفْعالٍ) ، بفتح التاء، نحو "رَدَّدَ تَرداداً، وَكرَّرَ تَكراراً وذَكّرَ تّذكاراً، وحَلّقَ تَحلاقاً وجَوَّالَ تَجوالاً، وطَوَّفَ تَطوافاً، ومنه (التَّلعاب) ، مصدرُ فعلٍ قد أميتَ في الاستعمال، وهو (لَعَّبَ) ."

وكلُّ ما ورَدَ من مصادرِ (فَعَّلَ على غيرِ (التَّفعيل) يُحفظُ ولا يُقاس عليه.

وقد شذَّ مَجيءُ (التَّفعيل) مصدراً لفعَّلَ، وقياسُ مصدره أن يكون على (فِعَّالِ) . (أي بكسرِ أوَّل ماضيه، وزيادة ألفٍ قبلَ آخره) . وقد جاء على الفِعّالِ (الكِذَّابُ والكِلاَّمُ) .

(وكان هذا الوزن مستعملاً قديما، ثم أميت باهماله، فورثه "تَفعال" بفتح التاء. وقد ورد منه ألفاظ كالتطواف والتجوال والتكرار والترداد والتذكار والتحلاق. ثم أميت هذا الوزن أيضاً، فورثه (تفعيل) . وقد بقي هذا قياساً شاذاً لمصدر (فَعّلَ) فالفعل (بكسر الفاء وتشديد العين) أصل للتفعال (بفتح التاء) وهذا أصل للتفعيل، حذفوا من الفعل زائده، (وهو احدى العينين) ؛ وعوضوه من المحذوف التاء المفتوحة في أوله، فقالوا "فعّل تفعالا" ، كطوَّف تطوافاً، ثم قلبوا ألف (التفعال) ياء فقالوا "فعّل تفعيلا" . كطوّف تطويفاً.

(فمثل "سلّم تسليما" ، فالتسليم أصله "التّسلام بفتح" التاء. وهذا أَصله "السلاّم" بكسر السين وتشديد اللام، بوزن "فعّال" ) .

(1) ما كان على وزن (فاعلَ) فمصدره على (فِعالٍ ومُفاعلة) نحو "دافع دِفاعاً ومُدافعة، وجاوز جِواراً ومُجاورة" .

وما كان منه مُعتلُّ اللام، مثلُ "والى ورامى وهادى" قلِبت لامُهُ في المصدر همزةً كوِلاءٍ، ورِماءٍ، وهِداءٍ.

وما كان فاؤُهُ من هذا الوزن (ياءً) يمتنع مجيءُ مصدره على (فعالٍ) ، فنحو "ياسَرَ ويامَنَ" ليس فيه إلاَّ (المياسَرة، والمُيامنة) .

وقد جاء مصدرُه على (فيعالٍ) نادراً، نحو "قاتلَ قيتالاً" ، فلا يقاس عليه.

(وأعلم أن "الفيعال" هو القياس لمصدر "فاعل" ، فهو أصل الفِعال، خفف بحذف يائه، واهمل في الاستعمال, وانما كان قياس مصدر فاعل هو (الفعال) ، لأن المصدر الرباعي الأحرف يبنى على ماضيه وزيادة ألف قبل آخره. كما قدمنا. فالأصل في الفيعال "فاعال" مبنياً على "فاعلَ" كسرت فاؤه، فانقلبت الألف بعدها ياء مراعاة للكسرة قبلها) . وقد شذَّ مجيءُ المُفاعلة مصدراً لفاعلَ، لأن القياسَ إنما هو (الفِعال) ولذا يجعلها المُحققون من العلماءِ اسماً بمعنى المصدر، لا مصدراً، لأن المصدر إنما هو (الفِعال) المُخفَّفُ من (الفِيعال) .

مصدر (فعلل) والملحق به

ما كان على زِنة (فَعْلَلَ) وما الحقَ به، فمصدرُه على (فَعْلَلة) كدحرجَ دَحرَجةً، وزَلزَل زَلزَلةً، وجَلْبَبَ جَلْبَبةً، وسَيْطرَ سَيْطرَةً، وحَوْقَلَ حَوْقَلةً "."

فإن كان مَضاعفاً جاء أيضاً على "فِعْلالٍ" كزلزلَ زِلزالاً.

و (فِعْلال) ، في غير المضاعفَ، سَماعيُّ، يُحفَظُ ما سَمعَ منه، ولا يُقاسُ عليه "كسَرْهف سِرهافاً وحَوقلَ حِيقالاً" . وبعض العلماء جَعلهُ

قياسيًّا.

وقد شذَّ مجيءُ (الفَعللة) مصدرً لِفَعلْلَ وما أشبههُ في الوزن. والقياسُ أن يكون على زِوَةِ (فِعْلال) بكسر الفاء. وهذا الوزن هو ما تكلَّموا به قديماً. ثمَّ خَصّثوهُ بما كان من وزن (فَعْللَ) مضاعفاً نحو زلزلَ زلزالاً ووسوسَ وِسواساً، ووشوَشَ وِشواشاً "."

و (الفَعْللة) هذه، أصلُها (الفَعْلال) خَفَّفوهُ بفتح أوَّلهِ وحذفِ ألفهِ وزادوا التاء في آخره.

مصدر ما كان على خمسة احرف

مصدرُ انفعلَ "انفعال كانطلقَ انطلاقاً."

ومصدرُ افعتلَ "افتِعال" كاجتمع إجتماعاً.

ومصدرُ افعلَّ "افعِلال" كاحمرَّ إِحمراراً.

ومصدرُ تَفعَّل "تَفعُّل" كتكلَّمَ تكلُّماً.

ومصدرُ تَفاعَلَ "تَفاعُل" كتَصالحَ تَصالُحاً.

ومصدرُ تَفَعلل "تَفَعْلُلَ" كتدحرجَ تدحرُجاً.

وما كان من هذه الأفعال مُعتلَّ الآخر، مَبدوُءًا بهمزة، يُقلَب آخرُهُ همزةً كانطوى انطواءً، واقتدى اقتداءً.

وما كان معتلَّ الآخر من وزنيْ "تَفعَّلَ وتَفاعلَ" كتأنَّى وتغاضى، تُقلَب ألفُهُ ياءً ويُكسر ما قبلَها الكتأنِّي والتَّغاضي.

مصدر ما كان على ستة احرف

مصدرُ استفعلَ "استِفْعال" كاستغفَرَ استغفاراً.

ومصدرُ افعَوعلَ "افعيعال" كاخشَوشنَ اخشيشاناً.

ومصدرُ افعوَّلَ "افعِوَّال" كاعلوَّطَ اعلِوَّاطاً.

ومصدرُ افعالَّ "افعِلال" كادهامَّ ادهيماماً.

ومصدرُ افعَنْلل "افعِنْلال" كاحرنجم احرنجاماً.

ومصدرُ افعَللَّ "افِعلال" كاقشعرَّ اقشعراراً.

وما كان من هذه الأفعال، مُعتلّ الآخر يُلقبْ آخرُهُ همزةً كاستولى استيلاءً، واحلولى احليلاءً.

مصدر التأكيد

المصدرُ المُؤكدُ ما يُذكرُ بعدَ الفعل تأكيداً لمضمونه. ويبقى باؤُهُ على ما هو عليه، مثلُ "علمتُ الأمرَ علماً، وضربتُ اللصَّ ضرباً، وجُلتُ جَوَلاناً، وأكرمتُ المجتهدَ إِكراماً" ، تريدُ من ذكر المصدر تأكيدَ حصولِ الفعل.

مصدر المرة

مصدرُ المَرَّةِ (ويُسمى مصدر العَدَدِ أيضاً) ما يُذكرُ لبيانِ عدَدِ الفعل.

ويُبنى من الثلاثيّ المجرَّد على وزنِ "فَعْلةَ" بِفتحِ الفاءِ وسكونِ العين، مثلُ "وَقفتُ وَقفةً، ووقفتينِ ووقفاتٍ" .

فإن كان الفعلُ فوقَ الثلاثيِّ ألحقتَ بمصدره التاءَ، مثلُ "أكرمتُهُ إكرامةً، وفَرَّحتُهُ تفريحةً، وتدحرجَ تَدحرُجةً" ، إِلاّ إِن كان المصدرُ مُلحقاً في الأصل بالتاءِ، فيُذكرُ بعدهُ ما يَدُلُّ على العدَد، مثلُ "رَحمتُهُ رحمَةً"

واحدةً. وأقمتُ إِقامةً واحدةً، واستقمتُ استقامةً واحدةً "، وذلك للتَّفريق بينَ مصدرِ التأكيد ومصدرِ المَرَّة."

فإن كان للفعلِ من فوق الثلاثيّ المجرَّد، مصدرانِ، أحدُهما أشهر من الآخر، جاءَ بناءُ المرَّة على الأشهر من مصدرَيْه، فتقولُ "زلزلتُهُ زلزلةً واحدةً، وقاتلتُهُ مُقاتلةً واحدةً، وطَوَّفته تطويفةً واحدةً" ، ولا تقولُ "زِلزالةً، ولا قِتالةً، ولا تَطوافةً" .

وما كان من المصادر مُلحقاً بالتاء من أصله، فإِن كان من الثلاثيِّ المجرَّد رددتهُ إلى وزن (فَعْلة) فالمرَّة من النَّشدةِ والقُدْرة والغَلبة والسَّرَقة والدِّراية "نشدَةٌ وَقدْرَةٌ وغَلبْةٌ وسَرْقةٌ ودرْيةٌ" .

وشذَّ قولهم "أَتيته إِتيانةً، ولقيتُهُ لِقاءَةً" ببناءِ المَرَّة على أصل المصدر، وهو الإتيان واللقاءِ، ويجوزُ أن يُقال "أتْيهَ ولَقْيهَ" على القياس، كما قال أبو الطَّيِّب [من الطويل]

لَقِيتُ بدَرْبِ الْفُلَّةِ الفَجْرَ لَقْيَةً ... شَفَتْ كَبَدي، والليلُ فيهِ قَتيلُ

وإن كان من غير الثلاثيِّ المجرّد، أبقيتَهُ على حاله كدحرجةٍ وإِقامةٍ وتلبيةٍ واستعانةٍ.

وقد تكون (الفَعْلة) لغيرِ بناءِ المّرَّة كالرحمة، مصدر "رَحِمَ" ، فتقول "رَحِمته رَحْمةً" ، كما تقول "نَصَرته نَصراً" .

مصدر النوع

مصدرُ النَّوعِ (ويُسمى مصدر الهيئة أيضاً) ما يُذكرُ لبيان نوع الفعل وصفتِه، نحو "وَقفْتُ وِفْقة" ، أي وُقوفاً موصوفاً بصِفَةٍ.

وتلك الصفةُ، إما أن تُذكرَ، نحو "فلانٌ حسَنُ الوِقفة" وإما أن تكون معلومةً بقرينة الحال، فيجوز أن لا تذكر، كقولُ الشاعر [من البسيط]

ها، إِنَّ تا عِذْرَةٌ، إِن لم تكن نَفَعَتْ ... فإنَّ صاحبّها قد تاهَ في البَلَدِ

أي إنَّ هذا عُذرٌ بليغٌ.

ويُبنى الثلاثيُّ المجردُ على وزن (فِعْلة) بكسر الفاءِ، مثل "عاشَ عيشةً حسنَةً، ومات مِيتة سيئةً، وفُلانٌ حَسَنُ الجِلسة، وفُلانةُ هادئةُ المِشيْة" .

فإن كان الفعلُ فوق الثلاثيّ، يَصِرْ مصدرُهُ بالوصف مصدر نوعٍ، مثلُ "أكرمتهُ إِكراماً عظيماً" .

وشذَّ بناءُ "فعلة" من غير الثلاثيّ، كقولهم "فُلانةُ حَسنَةُ الخِمْرة، وفلانٌ حَسنُ العِمَّةِ، أي الإختما والإعتمام، فبَنوْها من" اختمرَ واعتمَّ "."

واعلم أنَّ المصدرَ الذي لم يخرج عن المصدريّةِ، أو لم يُرَدْ به المرّةُ أو النوعُ، لا يُثنّى ولا يُجمعُ ولا يؤنثُ، بل يبقى بلفظٍ واحدٍ. وكذا ما وُصف به من المصادر كرجلٍ عدلٍ، وامرأةٍ عدلٍ، ورجالٍ عدلٍ، ونساءٍ عدلٍ، وهذا أمرٌ حقُّ، وهذه مسألةٌ حقٌّ.

المصدر الميمي

المصدرُ، إمَّا أن يكونَ غيرَ ميميٍّ وهو ما لم يكن في أوَّله ميمٌ زائدةٌ كقراءةٍ واجتهادٍ ومَدٍّ ومُرورٍ. وإما أن يكون ميميًّا. وهو ما كان في

أوله ميمٌ زائدة كمَنْصرٍ ومَعْلَمٍ ومُنطلَقٍ ومُنْقَلَبٍ. وهي بمعنى النَّصر والعلم والإنطلاق والإنقلاب.

والمحقّقون من العلماءِ قالوا إنَّ المصدرّ الميميَّ اسمٌ جاءَ بمعنى المصدر، لا مصدرٌ.

والمصدر الميميُّ من المصادر القياسيَّة.

وزنه من الثُلاثيّ المُجرَّدِ "مفْعَلٌ" ، بتفح الميم والعين، مثلُ "مَقْتَلٍ ومَضرَبٍ ومَعْلَمٍ ومَوْجَلٍ ومَرقىً" .

إلاّ إذا كان مثالاً واويًّا محذوف الفاس، فَوَزْنُهُ "مفْعِل" (بكسر العين) ، مثلُ "مَوْرِدٍ ومَورِثٍ ومَوْعِدٍ" .

(أما المصدر الميمي من "وفى ووقى" فهو "موفى وموقى" على وزن "مفعل" (بفتح العين) ، لأنه ليس مثالا، بل هو لفيف مفروق. ووزن "مفعل" ، بكسر العين، انما هو للمثال المحذوف الفاء كما علمت) .

ووزنُهُ من غير الثلاثيّ المجرَّدِ كوزن اسم المفعول منه تماماً مثلُ "اعتقدتُ خيرَ مُعتَقَدٍ، وإنما مُعْتَمدي على الله" .

وقد يُبنى المصدرُ الميميُّ من الثلاثيّ المجرَّدِ على وزن "مَفْعِل" (بكسر العين) ، شذوذاً كالمَكبِر والمَيْسِر والمَرجِع والمَحيض والمَقيل والمَجيء والمَبيت والمَشيب والمَزيد والمَسير والمَصير والمَعجِز.

وهذه يجوز فيها الفتح أيضاً "كالمَعْجَز" و "المَهْلَكَ" ويجوز فيها الفتحُ والضمُّ أيضاً "كالمَهْلَك والمَهْلُكِ" .

وقد يُبنى منه على وزن (مَفْعَلة) ، (بفتح العين) كمَذهَبة ومَفْسَدة ومَودَّة ومَقالة ومَساءَة ومَحالة ومَهابةٍ ومهانة ومَسْعاةٍ ومَنجاة ومَرضاة ومَغْزاة.

وشذَّ بناؤُه على (مَفْعِلة) (بكسر العين) ، أو "مَفْعُلة" (بضمها) كمَحْمِدة ومَذِمَّة ومَظْلِممة ومَعتِبةٍ ومَحْسِبَة ومضِنَّة، (بالكسر) ، وكلُّهنَّ يجوز فيه فتح العين أيضاً، ومَعْذِرةٍ (بالكسر) ويجوز فيها الضمُّ أيضاً كمّعذرةٍ ومَغْفرةٍ ومَعصِيةٍ ومَحمِيةٍ ومَعيشةٍ (ولا يجوز فيهنَّ إِلاَّ الكسرُ) ومَهلِكةٍ ومَقْدِرةٍ ومأدبةٍ (بالكسر، ويجوز فيهنَّ الضمُّ والفتح أيضاً) .

وقد ورد على زِنَتيِ "الفاعل والمفعول، أسماءٌ بمعنى المصدر"

كالعاقبة والفاضلة والعافية والكافية والباقية والدَّالة والميسور والمعسور والمرفوع والموضوع والمعقول والمحلوف والمجلود والمفتون والمكروهة والمصدوقة. ومن العُلماء من يجعلها مصادرَ شاذّة والحقُّ إنّها أسماءٌ جاءت لمعنى المصدر، لا مصادر.

(فالعاقبة) بمعنى العَقْب (بفتح فسكون) والعقوب (بالضم) مصدري "عقبه يعقبه" (من بابي نصر ودخل) ، أي خلقه وجاء بعده.

و (الفاضلة) اسم بمعنى الفضيلة، وهي الدرجة الرفيعة، وهي من "فضل يفضل فضلا" (من باب نصر) أَي شرف شرفاً.

و (العافية) اسم بمعنى المعافاة مصدر "عافاه يعافيه" .

و (الكافي والكافية) اسمان بمعنى الكفاية مصدر "كفيى الشيءُ يكفي كفاية" ، أَي حصل به الاستغناء عن غيره.

و (الباقية) اسم بمعنى البقاءِ "بقيَ يبقى" .

و (الدالة) . الدّلال، وهي اسم بمعنى الدّل مصدر "دلت المرأة على زوجها دلاّ" ؛ أظهرت جرأة عليه في تدلل، كأنها تخالفه، وما بها من خلاف.

و (الميسور وَالمعسور) اسمان بمعنى العسر واليسر.

و (المرفوع) اسم بمعنى الرفع مصدر "رفع البعير رفعاً" إذا بالغ في سيره.

و (الموضوع) اسم بمعنى الوضع مصدر "وضعت الناقة وضعاً" إِذا أسرعت في سيرها.

و (المعقول) اسم من العقل مصدر "عقل الشيء" اذا ادركه.

و (المحلوف) اسم بمعنى الحلف مصدر "حلف" .

و (المجلود) بمعنى الجلد والجلادة، أي الصبر مصدري "جُلد يجُلد" (بضم اللام فيهما) جلداً وجلادة، أي كان ذا شدة وقوة وصبر.

و (المفتون) اسم بمعنى الفتنة مصدر "فتنهُ" ، أي استماله واستهواه.

و (المكروهة) اسم بمعنى الكراهية مصدر "كرهه كرهاً وكراهية" .

و (المصدوقة) اسم بمعنى الصدق مصدر "صدق يصدق صدقاً" .

اسم المصدر

اسمُ المصدر هو ما ساوى المصدر في الدّلالة على الحدَث، ولم يُساوِه في اشتماله على جميع أَحرف فعله، بل خلتْ هيئَتُهُ من بعض أحرف فعله لفظاً وتقديراً من غير عِوضٍ، وذلك مثلُ "توْضأ وضُوءًا، وتكلَّمَ كلاماً، وأيسرَ يُسراً" .

(فالكلام والوضوء واليسر أسماء مصادر، لا مصادر لخلوها من بعض أحرف فعلها في اللفظ والتقدير، فقد نقص من الوضوء والكلام تاء التفعل

وأحد حرفي التضعيف، ونقص من اليسر همزة الإفعال. وليس ما نقص في تقدير الثبوت، ولا عوض عنه بغيره) .

وحَقُّ المصدر أن يتضمَّنَ أحرفَ فعله بمساواةٍ، كتوَّضأ توضُّؤاً، وتكلَّمَ تَكلُّماً، وعَلِمَ عِلماً، أَو بزيادةٍ، كقرأَ قراءةً وأَكرمَ إِكراماً، واستخرج إِستخراجاً.

(فان نقص عن أحرف فعله لفظاً، لا تقديراً، فهو مصدر، مثلُ "قاتل قتالا" فالقتال مصدر، وإن نقص منه ألف "فاعل" ، لأنها في تقدير الثبوت، ولذلك نطق بها في بعض المواقع كقاتل قيتالا وضارب ضيراباً. فالياء في "قيتال وضيراب" أصلهما الألف، وقد انقلبت ياء لانكسار ما قبلها.

وإن نقص عن أحرف فعله لفظاً وتقديراً، وعوض مما نقص منه بغيره، فهو مصدر أيضاً كوعد عدة، وودى القتيل دية، وعلم تعليماً. فعدة ودية، وإن خلتا من واو "وعد وودي" لفظاً وتقديراً، فقد عوضتا منه تاء التأنيث. وتعليم وتسليم، وان خلوا من أحد حرفي التضعيف، فقد عوضنا منها تاء التفعيل في أولهما، وليس حرف المد الذي قبل الآخر في "تعليم وتسليم" ونحوهما للتعويض من المحذوف، لأن المدّ قبل الآخر ثابت في المصدر حيث لا تعويض، كالإنطلاق والإستخراج والإكرام.

فأعلم مما قدمنا أن العوض قد يكون أولاً كتعليم. وقد يكون آخراً (كعدة) .

المصدر الصناعي

المصدرُ الصّناعيُّ. اسم تلحقُهُ ياءُ النسبةِ مُردَفةً بالتاءِ للدلالة على صِفَةٍ

فيه.

ويكونُ ذلك في الأسماءِ الجامدة كالحَجريّةِ والإنسانية والحيوانيّة والكميّة والكيفيّة ونحوها، وفي الأسماءِ المشتقّةِ كالعالِميّة والفاعليّةِ والمحموديَّة والأرجحيِّةِ والأسبقيّةِ والمصدريَّةِ والحرِّيّةِ، ونحوها.

وحقيقتُهُ الصّفة المنسوبةُ إلى الإسم.

فالعالمية الصفة المنسوبة إلى العالم، والمصدرية الصفة المنسوبة إلى المصدر، والإنسانية الصفة المنسوبة إلى الإنسان.

وقد أكثر منه المولدون في اصطلاحات العلوم وغيرها، بعد ترجمة العلوم بالعربية وليس كل ما لحقته ياءُ النسبة، مردفة بالتاء، مصدراً صناعياً، بل ما كان منه غير مراد به الوصف كتمسكّ بعربيتك، "أي بخصلتك المنسوبة إِلى العرب" ، فان أريد به الوصف، كان اسماً منسوباً. لا مصدراً، سواء أذكر الموصوف لفظاً كتعلم اللغة العربية، أَم كان منوياً ومقدراً كتعلم العربية، "أي اللغة العربية" .

اسم الفاعل

اسمُ الفاعلِ صفةٌ تؤخذ من الفعل المعلوم، لتدُلَّ على معنًى وقعَ من الموصوف بها أو قام به على وجه الحُدوثِ لا الثُّبوت ككاتبٍ ومجتهدٍ

(وانما قلنا على وجه الحدوث، لتخرج الصفة المشبهة، فانها قائمة بالموصوف بها على وبه الثبوت والدوام، فمعناها دائم ثابت، كأنه من السجايا والطبائع اللازمة. والمراد. بالحدوث أن يكون المعنى القائم بالموصوف متجدداً بتجدد الأزمنة. والصفة المشبهة عارية عن معنى الزمان كما ستعلم) .

وزنة من الثلاثي المجرد

يكونُ من الثلاثيِّ المجرَّد على وزنِ "فاعلٍ" ككاتبٍ.

وإن كانَتْ عينُ الفعلِ مُعَلَّةً تنقلب في اسم الفاعل همزةً، فاسمُ الفاعل من "باعَ يَبيعُ، وصادَ يَصيدُ، وقامَ يقومُ، وقالَ يقولُ" بائِعٌ وصائِدٌ وقائِمٌ وقائِلٌ.

وإن كانَتْ غيرَ مُعَلَّةٍ تَبقَ على حالها، فاسمُ الفاعل من عَوِرَ يَعْورُ، وأيِسَ يأيَسُ، وصَيدَ يَصْيَدُ "عاوِرٌ وأيِسٌ وصايدٌ. فإعلاُلها في اسم الفاعل تابعٌ لإِعلالها في فعله."

وقد أتى "فاعلٌ" بِقلَّةٍ، مُراداً به اسمُ المفعول. كقوله تعالى "فهو في عيشةٍ راضية" ، أي "مَرْضِيَّة" وقول الشاعر [من البسيط]

دَعِ المكارِمَ، لا تَرْحَلْ لِبُغْيتِها ... واقْعدْ، فإنَّكَ أنتَ الطّاعِمُ الكَاسي

أي "المَطْعَمُ المَكسُو" .

وزنه من غير الثلاثي المجرد

يكونُ وزنُ اسم الفاعل من الفعل المزيد فيه على الثلاثيِّ، ومن الرباعيِّ، مُجرداً ومزيداً فيه، على وزن مضارعه المعلوم بإبدال حرفِ المضارَعة ميماً مضمومة، وكسرِ ما قبل آخره، مثلُ "مُكرمٍ ومُعظِّمٍ"

ومُجتمِعٍ ومُتكلِّمٍ ومُستغفرٍ ومُدحرجٍ ومُتَدحرجٍ ومُحرنجمٍ ومُقشعِرٍّ ومُنقادٍ ومُهتاجٍ ومُعينٍ ومُستفيدٍ "."

وشذّت ألفاظٌ جاءت بفتح ما قبل الآخر، نحو "مُسهَبٍ ومُحصَنٍ ومُلْفَجٍ ومُهترٍ" ، ومنها "سَيْلٌ مُفْعَمٌ."

وكذلك، شذَّتْ أَلفاظٌ جاءت من "أفعلَ" على "فاعلٍ" كأعشبَ المكانُ فهو عاشبٌ، وأَيفعَ الغلامُ فهو يافعٌ وأَورَسَ الشَّجرُ فهو وارسٌ، وأَبقلَ المكانُ فهو باقلٌ.

وإن بَنيتهُ من أبواب "أَفعَلَ وانفعَلَ وافتعَلَ" المُعتلاّتِ العين فإن كانت عينُ الفعلِ مَعَلّةِ أعللتها في اسم الفاعل، تبعاً لمضارعه، فإسم الفاعل من أَعانَ يُعينُ، واستعانَ يستعينُ، وانقادَ ينقاد، واحتالَ يحتالُ "مُعينٌ ومُستعينٌ ومُنقادٌ ومحتالٌ" .

وإن كانتْ غير مُعَلَّةٍ لم تُعِلَّها في إسم الفاعل، تتبع في ذلك مضارعهُ، فاسم الفاعل من "أحوجني الأمرُ يُحوجني، وأَروَح اللحمُ يُروِحُ وأَحولَ الصبيُّ يُحْوِلُ وأَخولَ الرجلُ يُخوِلُ وأغيَلتِ المرأَةُ تُغِيلُ، وأعوَلَ يُعْوِل" "مُحْوِجٌ ومُروِحٌ ومُحْوِلٌ ومُخْوِلٌ ومُعْيِلٌ ومُعْوِلٌ، ومن" اجتَوَرَ القومُ يُجتوِرون، وازدَوِجُوا يَزدَوجُون، واحتَوشوا يَحتوشون، واعتونوا يعتونون "" مُجتوِرٌ ومُزدوِجٌ ومُحتوِشٌ ومُعْتوِنٌ"، ومن استصوبتُ الأمرُ أستَصوِبُهُ، واستحوذَ عليه الغضبُ يَستحوذُ، واستنوقَ الجملُ يَستنوقُ، واستتيستِ الشاةُ تستتيسُ، واستفيل الحمارُ يستفيلُ "" مُستصوِبٌ ومستحوذٌ ومُستوِقٌ ومُستتيِسٌ ومُستفيِلٌ".

فاسم الفاعل، كما ترى، تابعٌ لمضارعهِ صحَّةً واعتلالا.

وإن بنيتَ اسم الفاعلِ من فعل معتلِّ اللام، وكان مجرَّداً من (أل) والإضافة، حذفت لامهُ في حالتي الرفع الجر، نحو "هذا رجلٌ داعٍ إلى"

الحقّ، مُنْضوٍ إلى أهله "، ونحو" تَمسّكْ برجلٍ هادٍ غلى الخير، مُقْتَفٍ أثر ذويهِ "."

واسم الفاعلِ جارٍ على معنى الفعلِ المُضارع ولفظه، فإن قلت "خالدٌ دائبٌ في عمله" فهو في معنى "يدأبُ فيه" و "دائبٌ" جارٍ على لفظ "يَدأبُ" في الحركات والسَّكنات. وكذلك "مُجتهدٌ" جار على لفظ "يجتهدُ" ، فهو يُماثلهُ حركةً وسكوناً. و "جادٌّ" في وزن "يَجُدُّ" ، باعتبار الأصل، لأن أصل جَادٍّ "جادِدٌ" ، وأصلَ يَجِدُّ "يَجدُدُ" .

اسم المفعول

اسم المفعولِ صفةٌ تُؤخذ من الفعل المجهول، للدلالة على حدَثٍ وقع على الموصوف بها على وجه الحدوث والتَّجدُّد، لا الثُّبوتِ والدَّوامِ "كمكتوبٍ وممرورٍ به ومُكرَمٍ ومُنطلَقٍ به" .

ويُبنى من الثلاثيِّ المجرَّد على وزن "مَفعولٍ" "كمنصورٍ ومخذولٍ ومَوعودٍ ومَقولٍ ومَبيعٍ ومَدعوٍّ ومَرميٍّ ومَطويٍّ" .

ويُبنى من غيره على لفظ مضارعه المجهول، بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومةً "كمُعظَّمٍ ومُحترَمٍ ومُستَغْفَرٍ ومُدحرَجٍ ومُنطلَقٍ به ومُستعانٍ" .

وهناك ألفاظٌ تكون بلفظ واحد لاسم الفاعل واسم المفعول كمحتاجٍ ومُختارٍ ومُعتَدٍ ومُحتلٍّ. والقرينةُ تُعَينُ معناها.

وهي، إن كانت للفاعل فأصلُها مُحتوِجٌ ومُخْتيِرٌ ومُعتَدِدٌ ومُحتلِلٌ، (بالكسر) . وإن كانت للمفعول فأصلُها "مُحتوَجٌ ومُختَيرٌ ومعتَدَدٌ ومُحتلَلٌ" ، (بالفتح) .

وإنما يُبنى من الفعل المتعدّي بنفسه كمعلومٍ ومجهولٍ، أو بغيره كمرموقٍ به ومُشفَقٍ عليه.

بناء (مفعول) من المعتل العين

تُحذفُ واوُ اسمِ المفعول المشتقِّ من الفعل الأجوف، ثمَّ إن كانت عينُهُ واواً، تُنقل حركتُها إلى ما قبلها، وإن كانت ياءً تحذف حركتها، ويُكسر ما قبلها لتَصِحَّ الياءُ، فاسم المفعول من يبيعُ "مَبيعٌ" ، ومن يقولُ "مَقُولةٌ" . وأصلهما "مَبيوعٌ ومقْوولٌ" .

ونَدَر إثباتُ واو "مفعول" فيما عينُهُ واو فقالوا "ثوب مصْوُونٌ ومِسْكٌ مدْووفٌ وفرَسٌ مقوُودٌ. وهو سماعيٌّ لا يقاسُ عليه. وبنو تَميم من العرب يُثبتونَ واوَ "مفعول" فيما عينُه ياءٌ، "مبْيوع ومخْيوط ومكْيول ومدْيون "."

بناء (مفعول) من المعتل اللام

إذا بُنيَ "مفعولٌ" مما آخرُ ماضيه ياءٌ، أو ألفٌ أصلُها الياءُ، قُلِبَتْ واوُهُ ياءً، وكُسر ما قبلها، وأُدغمت في الياءِ بعدها. فاسم المفعول من قرِيَ ورضِي ونهى وطوى ورمى، مَقْوِيٌّ عليه، ومَرْضيٌّ عنه، ومَنْهيٌّ عنه، ومَطْويٌّ، ومَرْمِيٌّ، قال الله تعالى {يا أيّتها النَّفسُ المُطمئنّةُ ارجعي إلى ربِّكِ راضيةٌ مرْضِيّة} .

(والأصل "مقوويٌ ومرضويٌ ومرمويٌ" ، اجتمعت الواو

والياء، وكانت الأولى ساكنة، فقلبت الواو ياء، وكسر ما قبلها وأدغمت في الياء الثانية) .

وإن بُنيَ مما آخرُ ماضيه ألفٌ أصلُها الواو، مثلُ غزا "يغزو، ودعا يدعو، ورجا يرجو" فليس فيه إلا إدغامُ واو المفعول في لامِ الفعل، كمَغْزوّ ومدعوٍّ ومرجوٍّ "."

(فعيل) بمعنى (مفعْول)

ينوبُ عن "مفعولٍ" ، في الدَّلالة على معناهُ، أربعةُ أوزان وهي

(1) فَعيلٌ بمعنى مفعول، مثلُ "قتيلٍ وذبيحٍ وكحيلٍ وحبيبٍ وأَسيرٍ وطريحٍ" بمعنى "مقتولٍ ومذبوحٍ ومكحولٍ ومحبوبٍ ومأسورٍ ومطروحٍ" .

وهو يستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ. فيقالُ "رجلٌ كحيلُ العين، وامرأةٌ كحيلُها" .

و "فعيلٌ" بمعنى "مفعول" سماعي. فما ورد منه يُحْفَظ ولا يقاس عليه. وقيل إنه يُقاس في الأفعال التي ليس لها "فَعيلٌ" بمعنى "فاعل" كقتلَ وسلبَ. ولا ينقاس في الأفعال التي لها ذلك كرحمَ وعلمَ وشهدَ، لأنهم قالوا "رحيمٌ وعليمٌ وسميعٌ وشهيدٌ" ، بمعنى "راحمٌ وعالمٌ وسامعٌ وشاهدٌ" .

(2) فِعْلٌ بكسرٍ فسكونٍ، مثلُ "ذِبْحٍ وطِحْنٍ وطِرْحٍ ورِعْيٍ" ، بمعنى "مذبوحٍ ومطحونٍ ومطروحٍ ومرعِيٍّ" .

(3) فَعَلٌ، بفتحتين، مثلُ "قَنَصٍ وجَزَرٍ وعَدَدٍ وسَلَبٍ وجَلَبٍ،"

بمعن "منقوصٍ ومجزورٍ ومعدودٍ ومسلوبٍ ومجلوبٍ" .

(4) فُعْلة، بضمٍّ فسكونٍ كأُكْلةٍ وغُرفةٍ ومُضغةٍ وطُعمةٍ، بمعنى "مأكولٍ ومغروفٍ وممضوغٍ ومطعومٍ" .

وهذه الأوزانُ الثلاثةُ "فِعْلٌ وفَعَلٌ وفُعلةٌ" . سماعيّةٌ وقليلةٌ. ويستوي فيها المذكر والمؤنث أيضاً.

أما إطلاقُ المصدرِ مُراداً به المفعولُ، فهو كثيرٌ مطرِدٌ، نحو "هذا ضربُكَ وأكلُكَ وكتابتُكَ وعِلمكَ وعملكَ" ، بمعنى مضروبِكَ ومأكولِكَ ومتكوبِكَ ومعلومِكَ.

الصفة المشبهة

الصفةُ المشهبةُ بإسم الفاعلِ هي صفةٌ تُؤخذُ من الفعل اللازم، للدَّلالة على معنًى قائمٍ بالموصوف بها على وجه الثُّبوت، لا على وجه الحُدوث كحسنٍ وكريمٍ وصَعْبٍ وأسودَ وأَكحلَ.

ولا زمان لها لأنها تَدُلُّ على صفاتٍ ثابتة. والذي يتطلَّبُ الزمان إِنما هو الصفات العارضة.

(وإنما كانت مشبهة باسم الفاعل، لأنها تثنى وتجمع وتذكر وتؤنث، ولأنها يجوز أن تنصب المعرفة بعدها على التشبه بالمفعول به. فهي من هذه الجهة مشبهة باسم الفاعل المتعدي الى واحد) .

ويَعلِبُ بناؤها من باب "فَعِلَ يفعل" اللازم كأكحلَ، من

"كحِلَ" ومن باب "فعُلَ يفْعَلُ" كشريف من "شَرْفَ" ويقلُّ من غيرهما كسيّدٍ وضَيّقٍ وحريصٍ، من "سادَ يسودُ وضاقَ يضيقُ وحرصَ يحرصُ" .

أوزانها من الثلاثي المجرد

تأتي الصفةُ المشبَّهةُ من الثلاثيِّ المجرَّد قياساً على أربعة أوزان وهي "أفعلُ، وفَعْلانُ، وفَعلٌ، وفعيل" .

الصفة المشبهة على وزن (افعل)

يأتي "أفعَلُ" من "فَعَلَ" اللازمِ، قياسياً مُطْرداً، لما دَلَّ على لونٍ، أو عيبٍ ظاهرٍ، أو حِلْية ظاهرة. ومُؤنثُهُ "فَعْلاءُ" فاللّونُ كأحمر. والعيبُ الظاهرُ كأعرج وأعور وأعمى. والحِلْية الظاهرةُ كأكحل وأحور وأبخل.

وشذَّ مجيءُ الصفة من شعِثَ وحدِبَ "على" شَعِث وحَدِب "."

(لأن الشعث والحدب من العيوب الظاهرة فحق الصفة منهما أن تكون عليه وزن "أفعل" . وقد قالوا أيضاً "أشعث وأحدب" ، وهما أكثر استعمالا، وأما قولهم "ماءٌ كدِرٌ" . بكسر الدال، فهو بمنىٌ على "كدُرَ، بضم الدال، لا على" كدِرَ "، بكسرها، كما توهم بعض العلماء. فان بنيتها من هذه قلت" أكدر ") ."

وشَذَّ مجيئُها من "حَمِقَ يحمقُ "على" أحمق". ومن "شابَ"

يشيبُ "على" أشيب "، ومن" قطع وجذم "على" أقطع وأجذم "."

(لأن "أحمق" ، وإن كان من باب "فعل" المكسور العين، فهو يدل على عيب باطن فقياسه أن يكون على وزن "فعل" ، بكسر العين. وقد قالوا أيضاً "حمِقٌ" بكسر الميم، على القياس. و "أشيب" ، وإن دل على عيب ظاهر، فهو من باب "فعل" المفتوح العين. فقياسه أن يكون على وزن "فيعِل" بكسر العين، كطيب وضيق، من طاب يطيب، وضاق يضيق. و "أقطع وأجزم" ، وإن دلاّ أيضاً على عيب ظاهر، فهما من باب "فعل" ، المفتوح العين، وحقهما أن يكونا بوزن اسم المفعول أي "مقطوع ومجذوم" .

الصفة المشبهة على وزن فعلان

يأتي "فَعْلان" من "فِعلَ" اللازم الدَّال على خُلُوّ، أو امتلاءٍ، أو حرارة باطنيّةٍ ليست بداءٍ. ومُؤنثُهُ "فعْلى" ، فالخُلوُّ كالغَرثان والصَّدْيان والعطشان. والامتلاء كالشَّبعان والرَّيان والسَّكران. وحرارةُ الباطن غير داءٍ كالغضبان والثَّكلان واللهْفان. وقد قالوا "جَوْعان" ، (من جاع يجوع) ، حملاً له على "غرتان" ، من "غَرثَ يَغرثُ" لأنه بمعناه.

(وحقه أن يكون على "فيعل" ، بكسر العين كسيد وميت، من "ساد يسود ومات يموت" ) .

الصفة المشبهة على وزن (فعل)

يأتي "فَعِلٌ" - بكسر العين - من "فَعِل" - بكسر العين - اللازم، الدّال

على الأدواءِ الباطنيَّة، أو ما يَشبهها، أو ما يَضادُّها. ومؤنثة "فَعِلة" .

والأدواءُ، إما جسمانيّة كوجعٍ ومَغِصٍ وتعبٍ وجوٍ ودوٍ. وإما خُلقيّةٌ كضجرٍ وشرسٍ ولحزٍ وبَطرٍ وأشرٍ ومرحٍ وقلق ونكدٍ وعمٍ.

ويُشبه الأدواء ما دلَّ على حزن واغتمام ككمدٍ وحزنٍ وحربٍ وشبحٍ.

ويَضادّها ما دلَّ على سرور كجذلٍ وفرحٍ وطربٍ ورضٍ. أو على زينٍ من الصفات الباطنة كفطنٍ وندس ولبقٍ وسلسٍ وأبٍ.

وقد يُخفَّفُ "فعلٌ" فيكون على "فَعْلٍ" - بسكون العين - كندْسٍ وشكسٍ وفطنٍ. وقد يأتي على "فعيل" وهو أصلُه المخفَّف هو منه كسليمٍ وسقيمٍ ورضيٍّ وأبيٍّ وحميٍّ.

(واعلم أن حق الصفة من باب "فعلِ" بكسر العين الدالة على المعاني المذكورة، أن تكون على وزن "فعيل" . غير أنهم خففوا "فعيلا" هذا بحذف الياء، إذا جاء من باب "فعِل" المكسور العين، وتركوه للصفة من باب "فعُل" بضم العين كالكريم والشريف ونحوهما. غير أنه قد بقيت ألفاظ من باب "فعلِ" ، المكسور العين، على "فعيل" دالة على الأصل) .

وما ورد من باب "فعِل" على غير "فَعِل" ، فهو سماعيٌّ لا يُقاس عليه كندْسٍ وندُسٍ، وشكْسٍ وشكُسٍ (ويقالُ أيضاً "ندِسٌ وشكِسٌ" على القياس) ، وصِفْرٍ وصَفْرٍ وصُفْرٍ، ونِكْسٍ وعجُلٍ، وحَذرٍ ويقال أيضاً "عَجِلٌ وحَذِرٌ" على القياس، ويقال "حَذْرٌ" (بسكون الذال) ، وحُرٍّ وغيورٍ. وما جاءَ على "فعِيلٍ" كمريضٍ، وإن كان هو الأصلُ، فلا يُقاسُ عليه.

الصفة المشبهة على وزن (فعيل)

يأي "فَعِيلٌ" غالباً من "فَعْلَ" يَفعُلُ، المضموم العين "ككريمٍ وعظيمٍ وحقيرٍ وسميحٍ وحليمٍ وحكيمٍ ورئيسٍ وظريفٍ وَخَشينٍ وبخيلٍ وجميلٍ وقبيحٍ ووضيءٍ وظهيرٍ" .

وقد تأبي الصفةُ من هذا الباب على "فَعِلٍ" مخفَّفٍ "فَعيل" كخَشِنٍ وسَمِجٍ وطَهِرٍ، وعلى فَعْلٍ، مُخفَّف "فَعِلٍ" كضَخْم وشَهْمٍ وفخْمٍ وصعْبٍ وسمْجٍ وسمْحٍ، وعلى "فعَلٍ" بفتح عينٍ "فعَل كبطلٍ وحسنٍ، وعلى" فعالٍ"، بزيادة ألفِ المدِّ على "فعَلٍ" كجبانٍ وحَصانٍ وزانٍ، وعلى "فُعال "كشُجاعٍ وصُراحٍ وعلى" فُعلٍ "- بضم فسكون - كصُلْبِ (ويُقال صَليب أيضاً) وعلى" فُعُلٍ "بضمتين - كجُنُبٍ وعلى" فعولٍ "كوَقُورٍ وطهورٍ، وعلى فاعلٍ كطاهر وفاضل."

الصفة المشبهة من (فعل) المفتوح العين

قد تُبنى الصفةُ المشبَّهةُ من باب "فعَلَ" المفتوحِ العينِ (وذلك قليلٌ) ، فتجيءُ على وزن "أفعلَ" كأشيَبَ وأقطعَ وأجذَمَ، وعلى "فيْعِل" . بكسر العين، ولا يكون إلا من الأجوف كسيّدٍ وقيّمٍ (من الواويِّ) ، وضيّقٍ وطيّبٍ (من اليائيِّ) ، وعلى "فَيْعَلٍ" ، بفتح العين، ولا يكون إلاّ من الصحيح كصَيْرف وفَيْصَلٍ، وعلى "فَعيل" بكسر العين، وأكثر ما يكونَ من المضاعفِ والمعتلِّ اللام، فالمضاعفُ كعفيفٍ وطبيبٍ

وخسيسٍ وجليلٍ وحبيبٍ (بمعنى المحبِّ) ودَقيقٍ ولبيبٍ وشديدٍ، والمُعتلُّ الآخِر كعَليٍّ وصَفىٍّ وزَكيٍّ وخَليٍّ وجَليٍّ ووَصِيٍّ.

وقد يكون "فعيلٌ" المبنيُّ على "فَعَلَ" من غير المضاف والمعتلّ كحريصٍ وطويلٍ.

الصفة المشبهة على وزن (فاعل)

إذا أردتُ بالصفة المشبهة معنى الحدوث والتَّجدُّدِ، عَدلتَ بها عن وزنها إلى صيغة اسم الفاعل، فتقولُ في "فَرحٍ وضَجرٍ وطَربٍ" "فارِح وضاجِرٌ وطارِبٌ" .

وما جاء على زِنتيِ اسمي الفاعلِ والمفعول، مما قُصِدَ به معنى الثبوت والدَّوام، فهو صفةٌ مشبَّهةٌ، كطاهرِ القلبِ، وناعمِ العيشِ، ومُعتدِلِ الرأيِ، ومستقيمِ الطريقة، ومَرْضِيِّ الخُلُقِ، ومُهذَّبِ الطَّبعِ، وممدوحِ السيرةِ، ومُنقَّى السريرةِ.

الصفة المشبهة من فوق الثلاثي

تجيءُ الصفة المشبهة من غير الثلاثيِّ المجرَّدِ، على وزن اسم الفاعل، كعتدِل القامةِ، ومُستقيمِ الأطوارِ، ومُشْتدِّ العزيمةِ.

الفرق بين اسم الفاعل والصفة المشبهة

الفرقُ بين اسم الفاعل والصفةِ المشبَّهة به من خمسة وُجوه

الأول دلالتُها على صفة ثابتة، ودلالتُه على صفة متجددة.

الثاني حُدوثه في إحدى الأزمنة. والصفةُ المشبَّهةُ للمعنى الدائم الحاضر، إلا أن تكون هناك قرينة تَدُلُّ عل خلاف الحاضر، كأن تقولَ "كان سعيدُ حسناً فقبُحَ" .

الثالثُ أنها تُصاغ من الفعل اللازم قياساً، ولا تصاغُ من المتعدّي إلا سَماعاً كرحيم وعليم.

وقد تُصاغُ من المتعدِّي، على وزن اسم الفاعل، إذا تُنُوسي المفعولُ به، وصار فعلُها في اللازم القاصر، مثلُ "فلانٌ قاطعُ السيفِ، وسابِقُ الفرسِ، ومُسْمِعُ الصوتِ ومُخترِقُ السهمِ" . كما تُصاغُ من الفعل المجهول مُراداً بها معنى الثبوت والدَّوام كمحمود الخلق، ومَيمون النّقيبة. واسم الفاعل يصاغُ قياساً من اللازم والمتعدي مُطلقاً، كما سلفَ.

الرابعُ أنها لا تَلزَمُ الجريَ على وزن المضارع في حركاته وسكناته، إلا إذا صِيغتْ من غير الثلاثيِّ المجرَّد، واسم الفاعل يجب فيه ذلك مُطلقاً كما تقدَّم.

الخامسُ أنها تجوزُ إضافتُها إلى فاعلها، بل يُستحسَنُ فيها ذلك كطاهر الذيلِ، وحسنِ الخُلق، ومُنطلقِ اللسان، ومعتدلِ الرأي والأصل "طاهرٌ ذيلُه، وحسنٌ خلُقُهُ، ومُنطلقٌ لسانهُ ومُعتدلٌ رأيُهُ" . واسم الفاعل لا يجوز فيه ذلك، فلا يقال "خليلٌ مُصيبُ السَّهم الهَدف" أي مُصيبٌ سهمُه الهدف.

واسمُ المفعول، كالصفة المشبهة، تجوز إضافتُه إلى فاعله. لأنه في الأصل مفعولٌ، مثلُ "خالدٌ مجروحُ اليد" . والأصل "مجروحةٌ يدُهُ أما إضافةُ الفاعل إلى مفعوله فجائزةٌ، مثلُ" الحقُّ قاهرُ الباطل "."
 مبالغة اسم الفاعل

مبالغةُ اسم الفاعل ألفاظٌ تدلُّ على ما يدُلُّ عليه اسمُ الفاعل بزيادة وتسمى "صيغَ المُبالغة" كعلاّمةٍ وأكولٍ، أي "عالمٍ كثير العلم وآكلٍ كثير الأكل" .

ولها أجد عشر وزناً. وهي "فعّالٌ" كجبّارٍ، و "مِفْعالٌ" كمِفضالٍ، و "فعِّيلُ" كصِدّيقٍ، و "فعَالةٌ" كفهامةٍ، و "مِفْعيلٌ" كمِسكينٍ، و "فعُولٌ" كشروبٍ، و "فعيلٌ" كعليمٍ، و "فعِلٌ" كحِذرٍ، و "فعَّالٌ" ككُبّارٍ، و "فعُّولٌ" كقُدُّوسٍ، و "فيْعولٌ" كقيُّومٍ.

وأوزانُها كلُّها سماعيّة فيُحفظُ ما ورد منها، ولا يقاسُ عليه.

وصيغُ المُبالغةِ ترجعُ، عند التحقيق، إلى معنى الصفة المشبهة، لأن الإكثار منَ الفعل يجعله كالصفة الراسخة في النفس.

اسم التفضيل

اسمُ التفضيل صفةٌ تُؤخضُ من الفعل لتدُلّ على أن شيئين اشتركا في صفة، وزاد أحدُهما على الآخر فيها، مثلُ "خليلٌ أعلمُ من سعيد وأفضلُ منه" .

وقد يكون التَّفضيلُ بينُ شيئين في صفتين مختلفتين، فيرادُ بالتفضيل حينئذ أن أحد الشيئين قد زاد في صفته على الشيءِ الآخر في صفته، كقولهم "الصيفُ أحرُّ من الشتاء" أي هو أبلغُ في حرّه من الشتاء في برده، وقولهم "العسلُ أحلى من الخلِّ" ، أي هو زائدٌ في حلاوته على الخلِّ في حُمُوضته.

وقد يُستعمل اسم التفضيل عارياً عن معنى التفضيل، كقولك "أكرمتُ القومَ أصغرهم وأكبرهم" ، تريد صغيرهم وكبيرهم. وسيأتي فضلُ بيان لهذا.

وزن اسم التفضيل

لإسمِ التفضيل وزن واحد، وهو "أفعل" ومؤنثُهُ "فُعْلى" كأفضل وفَضْلى، وأكبر كُبرى.

وقد حُذفت همزةُ "أفعل" في ثلاث كلماتٍ، وهي "خيرٌ وشرّ وحَبٌّ" ، نحو "خيرُ الناس من ينفعُ الناس" ، وكقولك "شرّ الناس المُفسدُ" ، وقول الشاعر [من البسيط]

مُنِعْتَ شيْئاً فأَكثرتَ الوَلوعَ به ... وحَبُّ شيءٍ إلى الإِنسانِ ما مُنِعا

والثلاثةُ أسماءُ تفضيلٍ. وأصلُها "أَخيرَ وأَشرُّ وأَحبُّ" حذفوا هَمزاتِها لكثرة الاستعمال ودَوَرَانها على الألسنة ويجوز إثباتها على الأصل وذلك قليلٌ في خيرٍ وشرٍّ، وكثيرٌ في "حَبٍّ" .

شروط صوغه

لا يُصاغُ اسمُ التفضيل إلاّ من فعلٍ ثلاثيِّ الأحرفِ مُثبَتٍ، مُتصرّفٍ، معلومٍ، تامٍّ، قابلٍ للتفضيل، غيرِ دالٍ على لونٍ أو عيبٍ أو حِلْيةٍ.

(فلا يصاغ من "ما كتب" لأنه منْفي، ولا من "أكرم" لمجاوزته ثلاثة أحرف، ولا من "بئس وليس" ونحوهما، لأنهما جامدة، ولا من الفعل المجهول ولا من "صار وكان" ونحوهما من الأفعال الناقصة، ولا من "مات" لأنه غير قابل للتفضيل، إذ لا مفاضلة في الموت لأن الموت واحد،

وإنما تتنوع أسبابه كما قال الشاعر

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والموت واحد

فان أريد بالموت الضعف أو البلادة مجازاً جاز، مثلُ "فلان أموت قلباً من فلان" ، أي أضعف، ونحو "هو أموت منه" ، أي أبلد. ولا يصاغ "من" سود "، لأنه دال على لون، ولا من" عور "لدلالته على عيب، ولا من" كحل "، لدلالته على حلية، فلا يقال هذا أسود من هذا، ولا أعور منه، ولا أكحل منه" . وشذ قولهم في المثل "العود أحمد" ، لأنه مصوغ من "حمد" ، وقولهم "هو أزهى من ديك" ، فبنوه من "زهي" . وهو فعل مجهول وقولهم "هو أخصر منه" فبنو اسم التفضيل من "اختصر" وهو زائد على ثلاثة أحرف ومبنى للمجهول، كما شذ قولهم "هو أسود من حلك الغراب، وأبيض من اللبن" فبنوه مما يدل على لون. وقالوا "هو أعطاهم للدراهم، وأولاهم للمعروف" . فبنوه من "أعطى وأولى" شذوذاً) .

وإذا أُريدَ صوغُ اسمِ التفضيل ممّا لم يَستوفِ الشروطَ، يُؤتى بمصدره منصوباً بعدَ "أَشدَّ" أو "أَكثرَ" أو نحوهما، تقولُ "هو أشدُّ إيماناً، وأكثرُ سواداً، وأبلغُ عَوراً، وأفرُ كحلاً" .

والكوفيُّون يجيزون التعجب والتفضيل من البياض والسود خاصة، بلا شذوذ. وعليه قول المتنبي - وهو كوفي - [من البسيط]

إِبْعَدْ، بَعِدْتَ، بَياضاً، لا بَياضَ لهُ ... لأَنتَ أسوَدُ في عَيني منَ الظُّلَمِ

أحوال اسم التفضيل

لإسم التفضيل أربعُ حالاتٍ تجرُّدُه من "ألْ" والإضافة، واقترانُهُ

بألْ، وإضافتهُ إلى معرفة، وإضافتهُ إلى نكرة.

(1) تجرده من "أل والإضافة"

إذا تجرَّد من "ألْ" ، والإضافةِ، فلا بُدَّ من إفراده وتذكيره في جميع أحواله، وأن تَتّصلَ به "من" الجارَّةُ جارَّةً للمفضَّلِ عليه، تقولُ "خالدٌ أفضلُ من سعيد. وفاطمةٌ أفضلُ من سعادَ. وهذانِ أفضلُ من هذا. وهاتانِ أنفعُ من هاتين. والمجاهدون أفضل من القاعدين. والمتعلّماتُ أفضلُ من الجاهلات" .

وقد تكون "من" مُقدَّرةً، كقوله تعالى "والآخرةُ خير وأبقى" أي خيرٌ من الحياة الدنيا وأبقى منها وقد اجتمع إثباتُها وحذُفها في قوله سبحانه "أنا أكثر منك مالاً وأعزُ نفراً" ، أي وأعزُّ منك.

و "مِن" ومجرورها مع اسمِ التفضيل بمنزلة المضاف إليه من المضاف، فلا يجوزُ تقديمهما عليه كما لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف، فلا يُقالُ "من بكرٍ خالدٌ أفضل" ، "ولا خالدٌ من بكر أفضلُ" ، إلا إذا كان المجرورُ بها اسمَ استفهامٍ، أو مُضافاً إلى اسمِ استفهام، فإنه يجبُ حينئذٍ تقديمُ "من" ومجرورها، لأن اسم الاستفهام لهُ صدرُ الكلام، مثلُ ممّن أنت خيرٌ. ومن أيهم أنت أَولى بهذا. ومن فرسِ مَنْ فرسُكَ أسبَقُ؟ ". وقد وردَ التقديمُ شُذوداً في غير الإستفهام، ومنه قولُ الشاعر [من الطويل] "

إذا سايَرتْ أَسماءُ يوماً ظعِينَةً ... فأسماءُ من تلكَ الظعِينَة أملَحُ

والأصلُ (فأسماءُ أملحُ من تلك الظّعينة)

(2) اقترانه "بأل"

إذا اقترن اسمُ التفضيل بِـ "ألْ" امتنع وصلُهُ بِـ "من" ووجبت مُطابقتُهُ لِما قبله إفراداً وتثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، تقولُ "هو الأفضلُ، وهي الفُضلى. وهما الأفضلان. والفاطمتان هما الفُضليان. وهمُ الأفضلون. وهنّ الفُضلياتُ" . وقد شذَّ وصلُهُ بِـ (من) في قول الشاعر [من السريع]

ولسْتَ بالأَكْثرِ منهم حصًى ... وإِنَّما العِزَّةُ للكاثرِ

(3) اضافته إلى النكرة

إذا اضيفَ إلى نكرةٍ وجبَ إفرادُهُ وتذكيرُهُ وامتنعَ وصلُهُ بِـ (من) ، تقولُ "خالدٌ أفضلُ قائدٍ. وفاطمةُ أفضلُ امرأةٍ. وهذانِ أفضلُ رجلينِ. وهاتانِ أفضلُ امرأتينِ والمجاهدونَ أفضلُ رجالٍِ والمتعلِّماتُ أفضلُ نساءٍ" .

(4) إضافته إلى معرفة

إذا أُضيفَ اسمُ التفضيل إلى معرفةٍ امتنعَ وصلُه بِـ (من) . وجازَ فيه وجهانِ إفرادهُ وتذكيره، كالمضافِ إلى نكرة ومطابقتُه لما قبله إفراداً وتثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً كالمقترن بألْ. وقد ورد الاستعمالانِ في القرآن الكريم. فمن استعماله غيرُ مُطابقٍ لما قبله قوله تعالى {ولتجِدنَّهم أحرصَ الناسِ على حياةٍ} ، ولم يقل "أَحرصي الناسِ" . ومن استعماله مُطابقاً قولُه عزَّ وجلَّ "وكذلكَ جعلنا في كلِّ قريةٍ أكابرَ مُجرميها" . وقد اجتمعَ الاستعمالانِ في الحديث الشريف "ألا أُخبرُكمْ بأحبِّكمْ إليّ وأقرِبكمْ مني"

مجالسَ يوم القيامةِ، أحاسنُكمْ أخلاقاً، الموّطؤونَ أَكنافاً، الذينَ يألفونَ ويُؤْلفونَ "."

ويقولُ "عليٌّ أَفضلُ القوم وهذان أفضلُ القوم، وأفضلا القوم، وهؤلاء أفضلُ القوم، وأفضلوا القوم وفاطمةُ أفضلُ النساءِ وفُضْلَى النساء، وهاتان أَفضلُ النساء، وفُضليَا النساء وهنَّ أفضلُ النساء وفُضليَات النساء" .

وتكونُ (مِن) مُقدَّرةً فيما تَقَدَّمَ. ولامعنى "هذان أفضلُ من جميع القوم. وهذه أَفضلُ من كل النساء" ، وهَلُمَّ جرًّا.

(أفعل) لغير التفضيل

قد يَردُ "أفعلُ" التفضيل عارياً عن معنى التَّفضيل، فيتضمَّنُ حينئذٍ معنى اسم الفاعل، كقوله تعالى {ربُّكم أعلمُ بكم} أي "عالمُ بكم" ، أو معنى الصفة المُشبهةِ، كقوله سبحانهُ {وهو الّذي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثم يُعيدُهُ، وهو أهوَنُ عليهِ} أي "وهو هَيِّنٌ عليه" ، وقولُ الشاعر [من الكامل]

إِنَّ الَّذي سَمَكَ السّماءَ بَنى لنا ... بَيْتًا دعائِمُهُ أعزُّ وأطوَلُ

أي عزيزةٌ طويلةٌ.

(ولم يرد أعز من غيره وأطول، بل يريد نفي أن يشارك في عزته وطوله وكذلك في الآيتين الكريمتين. لأنه لا مشارك لله في علمه. ولا تتفاوت المقدورات بالنسبة إِلى قدرته. فليس لديه هين وأهون. بل كل شيء هين عليه سبحانه وتعالى) .

وإِنّما يَصحُّ أن يعرى عن معنى التفضيل، إذا تجرَّد من "أَلْ" أو أُضيف إِلى نكرةٍ، ولم يُصل بِـ "مِنْ" التفضيليّة، كما رأيت.

فإِن اقترنَ بِـ "ألْ" أو أُضيفَ إلى نكرةٍ أو وُصل بِـ "مِنْ" لم تجُز تَعرِيَته عن معنى التفضيل.

وتعريتُه عن معنى التفضيل سماعيّةٌ فما وردَ منه يُحفظُ ولا يُقاسُ عليه على الأصحِّ من أقوالِ النحاةِ.

وإذا عَرِيَ عن معنى التفضيل، فإذا تجرَّدَ من "ألْ" والإضافةِ، فالأصحُ الأشهرُ فيه عدَمُ المُطابقةِ لما قبله، أي فهو يَلتزمُ الإفرادض والتذكيرَ، كما لو أُريدَ به معنى التفضيل، كما رأيت في البيت السابق.

وإن أُضيفَ إلى معرفةٍ، وحيث المطابقةُ لِما قبله، تقولُ "هذانِ أعلَما أهلِ القريةِ" أي هما "عالماهم" ، إن لم يكن في القرية من يُشاركُهما في العلم. ولا يصحُّ أن تقول "هما أعلمَهُم" إلاّ إذا أردتَ معنى تفضيلهما على غيرهما، وذلك بأن يكون فيها من يُشاركهُما في العلم. لأنه إن كان فيهما من يشاركهما فيه، كان المعنى على التفضيل وحينئذ يصحُّ أن تقول "هما أعلما أهلِ القرية وأعلمُهم" ، بالمطابقةِ وعدمِها، لإضافته إلى معرفة مقصوداً به التفضيلُ. ويكون المعنى "هما أعلمُ من جميع أهل القرية" .

ومن ذلك قولهم "الناقصُ والأشجُّ أعدَلا بني مَرْوانَ" . أي "هما عادِلاهم" ولا يصحُّ أن تقولَ "أعدلُ بني مَروان، بل تجبُ المطابقةُ."

(لأنّ التفضيل الذي يقتضي المشاركة في الصفة غير مراد هنا. لأن مراد القائل أنه لم يشاركهما أحد من بني مروان في العدل. لذلك لم يكن القصد أنهما أعدل من جميع بني مروان بل المراد أنهما العادلان منهم. و (الناقص) هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، سمي بذلك لنقصه أرزاق الجند. و (الأشج) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان (رضي الله عنه) سمي بذلك لشجة أصابته بضرب الدابة) .

وحيثُ جازَ تقديرُ (من) ، كان المعنى على التفضيل، وحيثُ لم يجُزْ تقديرُها، كان المعنى على غيره أي "كان اسمُ التَّفضيلِ عارياً عن معنى التفضيل" .

وقد يُجمعُ العاري عن معنى التفضيل، المجرَّدُ من (ألْ) والإضافة، إذ كان موصوفه جمعاً كقولِ الشاعر [من الطويل]

إذا غابَ عَنْكُم، أَسْوَدُ العَينِ كُنْتُمْ ... كِراماً. وأنتُم. ما أقامَ، أَلائِمُ

وإذا صحّ جمعه لتجرُّده عن معنى التفضيل، جاز أن يُؤنَّثَ، وهو مجرَّدٌ منه، فيكونُ قولُ ابن هانيء [من البسيط]

كأنّ صُغْرى وكُبرى - من فَقاقِعِها ... حَصْباءُ دُرٍّ على أَرضٍ منَ الذَّهَبِ

صحيحاً وليس بِلَحنٍ كما قالوا.

لأنَّ "صغرى وكبرى" ههنا. بمعنى "صغيرة وكبيرة" فهما عاريتان من التفضيل فلا يجب فيهما الإِفراد والتذكير. بل يجوزان. كما تجوز المطابقة، وإن كان الأول هو الأفصح والأشهر.

وقال من لحنه كان حقه أن يقول "كأنّ أكبر وأصغر" أو "كأنّ الكبرى والصغرى" . باعتبار أن اسم التفضيل، إذا تجرد من (ألْ) والإضافة. يجب إفراده وتذكيره وغفل عن أنه يجب ذلك فيما قُصد به التفضيل.

وقول العروضيين "فاصلة صغرى، وفاصلة كبرى" . أي صغيرة وكبيرة. وهو من هذا الباب.

اسما الزمان والمكان

اسمُ الزَّمانِ هو ما يُؤْخذُ من الفعل للدَّلالة على زمان الحدَث، نحو "وافِني مَطْلِعَ الشمسِ" أي وقتَ طلوعها.

واسمُ المكانِ هو ما يُؤْخذُ من الفعل للدَّلالة على مكان الحدَث، كقوله عَزَّ وجَلَّ "حتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمس" أي مكانض غروبها.

وزنهما من الثلاثي المجرد

لإسمي الزَّمان والمكان، من الثلاثيِّ المجرَّدِ، وزنانِ "مَفعَلٌ" - بفتح العين، و "مَفْعِلٌ" بكسرها.

فوزنُ "مَفْعَلٍ" بفتحِ العينِ - للثلاثيِّ المجرَّدِ المأخوذ من "يَفْعُلُ" - المضمومِ العين - أَو "يَفْعَلُ" المفتوحِها - أو من الفعل المُعتلِّ الآخر وإِن

كان من "يَفعِل" ، المكسور العين، فالأولُ مثلُ "مَكتَبٍ ومَحضَر وَمَحلٍّ" . والثاني مثلُ "مَلْعَبٍ" والثالثُ مثلُ "مَلْهى ومَثْوى ومَوْقى" .

(ولا فرق بين أن يكون المعتل الآخر ناقصاً، كملهى "من لها يلهو" ، أو لفيفاً مقروناً كمثوى "من ثوى يثوي" . أو لفيفاً مفروقاً كموفى "من وفى يفي فوزن هذه الثلاثة واحد) ."

وشذَّت أَلفاظٌ جاءت بالكسر، مع أنها مَبنيَّةٌ من مضموم العين في المضارع، وذلك كَالمطلِعِ والمَغرِبِ والمَشرِقِ والمَسجِدِ والمَنسِكِ والمَجزِرِ والمَنبِتِ والمَسقِطِ والمَفرِقِ والمَرفِقِ والمَسكِنِ. ويجوز فيها الفتحُ، على القياس. والأولُ أفصحُ.

ووزنُ "مَفْعِل" - بكسر العين - للثلاثيِّ المجرَّدِ المأخوذ من "يَفعِلْ" - الصحيحِ، المكسور العين - أو من المثال الواويِّ، فالأولُ مثلُ "مَجلِس ومَحبِس ومَضرِب ومَبِيت ومَصِيف" ، والثاني مثلُ "مَوْرِد ومَوْعِد ومَوْجِل ومَوْحِل" .

ولا فرقَ بين أن تكونَ عنيُ المثالِ الواويّ مكسورة في المضارع، كمَوْرِد، من "ورَدَ يَرِدُ" وأن تكون مفتوحة كمَوْضِع، من "وَضعَ يَضَعُ" . وبعضُ العلماءِ يجعله من مفتوح العين على "مَفَعَل" - بفتح العين وذلك جائز مسموع عن العرَب.

اسم المكان على (مفعلة)

قَدْ تدخلُ تاءُ التأنيثِ على أسماءِ المكان "كالمزلَّةِ والمعبرةِ والمشرَفةِ والمدرَجةِ ومَوقعَة الطائرِ والمقبرةِ والمشربةِ."

وما جاء من ذلك على "مَفْعُلة" - بضم العين - كالمقْبُرة والمشرُفة والمشرُبة فهو شاذّ.

وقد يُبنى اسمُ المكان من الأسماءِ على وزن "مَفْعَلة" ، للدَّلالة على كثرة الشيءِ في المكان، مثلُ "مَسبَعةٍ ومأسدةٍ ومَذأَبةٍ ومَبْطَخةٍ ومَقثأةٍ ومَحيأةٍ ومَفْعأةٍ ومَدْرَجةٍ" .

ولم يُسمع مثلُ هذا في الرُّباعيِّ الأصول فما فوقهُ "كالضفدُعِ والثعْلبِ والسّفرجلِ" . فلا يُقالُ "أرضٌ مُضَفدَعةٌ ولا مُثَعْلبةٌ، ولا مُسَفْرَجةٌ" . ولكنَّكَ تبنيها على صيغة إسم الفاعل، فتقول "مُضفْدِعة ومُثَعْلِبة ومُسَفْرِجة" .

وزنهما من فوق الثلاثي المجرد

يكون اسما الزمان والمكان، من غير الثلاثيِّ المجرَّد، على وزن اسم

المفعول، نحو "مُجتمَعٍ ومُنتَدىً ومُنتظَرٍ ومُستشْفَىً" .

فائدة

المصدر الميمي واسم المفعول واسما الزمان والمكان. مما هو فوق الثلاثيّ المجرد. شركاءٌ في الوزن، ويفرّق بالقرينة. فاذا قلت جئتك منسكب المطر. فالمعنى جئتك وقت انسكابه. وإذا قلت انتظرك في مرتقى الجبل. المعنى في المكان الذي يرتقي فيه إليه وإذا قلت هذا الأمر منتظر. فالمعنى أن الناس ينتظرونه. فهو اسم مفعول. وإذا قلت أعتقد معتقد السلف. فمعتقد مصدر ميمي بمعنى الإعتقاد.

اسم الآلة

اسمُ الآلة هو اسمٌ يؤخذ غالباً من الفعل الثلاثيّ المجرّدِ المتعدّي للدَّلالة على أداةٍ يكونُ بها الفعل كمِبْرَدٍ ومِنشارٍ ومِكنَسَةٍ.

وقد يكونُ من غير الثلاثيّ المجرَّد. كالمِئْزرِ والمِئْزَرة والمِئْزَار (من ائْتَزَرَ) ، والمِيضأة (من تَوَّضَّأ) ، والمِحراكِ (للعُود الذي تُحرّكُ به النارُ، من حَرَّكَ) ، والمِعْلاقِ (اسمٌ لما يُعلّقُ به الشيءُ، من علَّق) ، والمِمْلسة وهي خشبةٌ تُسوّى بها الأرضُ وتملَّسُ، من "مَلَّسَ الأرض" إذا سوَّها) .

وقد يكون من الثلاثيّ المجرَّد اللازم كالمِرقاةِ (ويجوزُ فتحُ ميمِها وهي الدرجةُ، من "رَقِيَ" (إذا صَعِدَ) ، والمِعْرَج والمِعراج (وهو السُّلَّم) ، من "عَرَجَ يَعرُجُ" (إذا ارتقى) ، والمِصباح (من "صَبُحَ الوجهُ" إذا أشرَقَ وأنارَ) ، والمِدخنةِ (من "دخنَتِ النارُ تَدُخنُ وتَدْخَنُ" إذا خَرجَ دُخانها، أو ارتفع) ، والمِزْربِ (من زَرِبَ الماءُ يَزرَبُ إذا سال) ، والمِعزَفِ والمِعْزَفةِ (وهي أداةُ اللهوِ كالعود والطُّنبور ونحوهما، والجمع "مَعازِف" ، من "عَزفَ يَعزِفُ" إذا غنّى، وكذلك إذا ضربَ

بالمعازف) ، و (المِلهى) وهو آلة اللهو. وجمعُه "مَلاهٍ" من "لها يَلهو" ) .

وقد يكون من الأسماءِ الجامدةِ كالمِحْبرةِ (من الحِبر. ويجوزُ فيها فتح الميم) ، والمِقْلمة (من القلم، وهي وِعاءُ الأقلام) ، والمِمْطر والمِمْطرة (من المَطَر، وهو الثوبُ يُتَّقى به المطرُ) ، والمِمْلحة من المِلح. ويجوز فيها فتح الميم (والمِئْبَر) من الإِبرة، وهو بيتُها، والمِزْوَد (من الزاد، وهو وعاؤُهُ) .

اوزان اسم الآلة

لاسم الآلة ثلاثةُ أوزانٍ (الأول) "مِفْعَلٌ" كمِبْضعٍ ومِرقمٍ ومِعْبَرٍ ومِقصٍّ. و (الثاني) "مِفْعَلَةٌ" كمِمسَحةٍ ومِعْبَرةٍ ومِشْرَبةٍ ومِنَشَّةٍ ومِصْفاةٍ. و (الثالثُ) "مِفْعالٌ" كمفتاحٍ ومِجذافٍ ومِغرافٍ ومِقْراضٍ.

وقد جاءَ في كلام العرب أسماءٌ للآلات مُشتقةٌ من الفعل على غير هذه الأوزان شُذوذاً، وذلك المُنْخُل والمُسْعطُ والمُدُق والمُدْهُن والمُكحُلة والمُحْرُضة. وقد يُقالُ "المِسْعَطُ والمِدَقُّ والمِحرَضةُ" ، في هذه

الثلاثة، على القياس.

وقد يكونُ اسمُ الآلةِ جامداً، غير مأخوذ من الفعل، ولا على وزن الأوزان السابقة كالقَدوم والفأس والسِّكين والجرَس والنّاقور والسّاطور.


(تصريف الأفعال)

 
(معنى التصريف)

التّصريفُ لُغَةً التَّغييرُ. ومنه تصريفُ الرياح، أي تغييرُها. واصطلاحاً هو العلمُ بأحكامِ بنْيةِ الكلمة، وبما لأحرُفِها من أصالةٍ وزيادةٍ وصِحّةٍ وإعلالٍ وإبدالٍ وشِبهِ ذلك.

وهو يُطلقُ على شيئين

الأولُ تحويلُ الكلمة إلى أبنية مُختلفة، لِضُروبٍ من المعاني كتحويل المصدر إلى صِيَغ الماضي والمضارع والأمر واسمِ الفاعل واسمِ المفعولِ وغيرهما، وكالنِّسبة والتصغير.

والآخرُ تغييرُ الكلمة لغير معنًى طارئ عليها، ولكن لغرض آخر ينحصرُ في الزيادة والحذف والإبدال والقَلْب والإدغام.

فتصريفُ الكلمة هو تغيير بِنْيتها بحسبِ ما يعرضُ لها. ولهذا التغيير أحكامٌ كالصحّة والإعلال. ومعرفةُ ذلك كلّه تُسمّى (علمَ التصريف أو

الصّرف) .

ولا يتعلّقُ التصريفُ إِلا بالأسماءِ المُتمكّنة والأفعال المتصرّفة. وأما الحروفُ وشبْهُها فلا تَعَلُّقَ لعلم التصريف بها.

والمرادُ بشِبهِ الحرفِ الأسماءُ المبنيَّةُ والأفعالُ الجامدة، فإنها تُشبهُ الحرفَ في الجمود وعدم التصرُّف.

ولا يقبل التصريف ما كان على أقلّ من ثلاثة أحرف، إلا أن يكون ثُلاثيًّا في الأصل، وقد غُيِّر بالحذف، مثلُ عِ كلامي، وقِ نفسَك، وقُلْ، وبِعْ ". وهي أفعالُ أمر من وَعى يَعي، ووَقى يَقي، وَقال يقول، وبَاع يَبيع" ، ومثلُ "يَدٍ ودَمٍ" ، وأصلُها "يَدَي ودموٌ، أو دَميٌ" .
(اشتقاق الأفعال)

الإشتقاقُ في الأصل أخذُ شِقِّ الشيءِ، أي نصفهِ، ومنه اشتقاقُ الكلمة من الكلمة، أي أخذُها منها.

وفي الإصلاح أخذُ كلمةٍ من كلمة، بشرطِ أن يكون بين الكلمتين تناسبٌ في اللفظ والمعنى وترتيب الحروف؛ مع تَغايرٍ في الصيغة، كما تأخذُ "اكتُبْ" من "يكتبْ" ، وهذه من "كتبَ" وهذه من "الكتابة" .

وهذا التعريف انما هو تعريف الإشتقاق الصغير وهو المبحوث عنه في علم التصريف. وهناك نوعان من الإشتقاق الأول أن يكون بين الكلمتين تناسب في اللفظ والمعنى دون ترتيب الحروف كجذبَ وجبذَ. ويسمى الاشتقاق الكبير. والآخر أن يكون بين الكلمتين تناسب في مخارج الحروف كنهقَ ونعقَ. ويسمى الاشتقاق الأكبر.

ويؤخذُ الأمرُ من المضارع، والمضارعُ من الماضي، والماضي من المصدر.

فالمصدرُ أصلٌ صَدَرَ عنه كلُّ المشتقّات، مِنَ الأفعال والصفات التي تُشبهها وأسماءِ الزمان والمكان والآلة والمصدر الميمي.

اشتقاق الماضي

يؤخذُ الماضي من المصدر على أوزانٍ مختلفة، سيأتي بيانُها، مثلُ "كتب وأَكرمَ وانطلقَ واسترشدَ" .

اشتقاق المضارع

يُؤخذُ المضارعُ من الماضي، بزيادة حرفٍ من أحرف المضارَعة في أوَّله. وأحرف المضارعة أربعةٌ، وهي "الهمزةُ والتاءُ والنونُ والياءُ" مثل "أَذهبُ وتذهبُ ونذهبُ ويذهبُ" .

فالهمزة للمفرد المتكلم مثل "أكتب" .

والتاء لكل مخاطب ومخاطبة وللغائبة الواحدة والغائبتين مثلُ "تكتب يا عليّ وتكتبين يا فاطمة وتكتبان يا تلميذان وتكتبان يا تلميذتان وتكتبون يا تلاميذ وتكتبين يا تلميذات. وفاطمة تكتب والفطمتان تكتبان" .

والنون لجماعة المتكلمين وللمتكلم الواحد المعظم نفسه مثل "نكتب" .

والياء للغائب الواحد والغئبَينِ والغائِبينَ والغائبات مثلُ "التلميذ يكتب والتلميذات يكتبان والتلاميذ يكتبون والتليمذات يكتبن" .

وإن كان الماضي على ثلاثة أحرف، يُسكّنُ أوَّلهُ بعد دخول حرف المضارعة، فتقول في "سألَ وأخذَ وكرُمَ" "يَسألُ ويَأخذُ ويَكرُمُ" . وأما ثانية، فهو مفتوحٌ، أو مضمومٌ، أو مكسورٌ، حسَبَ ما تقتضيه اللغة، مثلُ "يَعلمُ ويَكتُبُ ويَحمِلُ" .

وإن كان على أربعة أحرف فصاعداً، فإن كان في أوَّله همزةٌ زائدة، تُحذف ويُكسر ما قبل آخره، فتقولُ في "أكرمَ وانطلقَ واستغفرَ" "يُكرِمُ ويَنطلِقُ ويَستغفِرُ" . وإن كان في أوَّله تاءٌ زائدةٌ، يبق عل حاله بلا تغيير، فتقولُ في "تكلَّمَ وتقابلَ" "يتكلمُ ويتقابلُ" وإن لم يكن في أوَّله همزةٌ ولا تاءٌ زائدتان. يكسر ما قبل آخره، فتقولُ في "عَظَّمَ وبايعَ" "يُعظِّمُ ويُبايِعُ" .

وحرفُ المضارعة يكونُ مفتوحاً، مثلُ "يَعلمُ وتُجتهدُ وتِتغفرُ" ، إلا إذا كان الفعلُ على أربعة أحرف، فهو مضّمومٌ مثلُ "يُكرِمُ ويُعظِّمُ" .

اشتقاق الأمر

يؤخذُ الأمرُ من المضارع، بحذفِ حرف المضارعة من أوَّله، فإن كان ما بعد حرف المضارعة متحركاً، تُرِكَ على حاله، فتقولُ في "يتعلَّمُ" "تَعلّمْ" ، وإن كان ساكناً، يُزَدْ مكان حرف المضارعة همزةٌ، فتقولُ في "يَكتبُ ويُكرِمُ ويَنطلِقُ ويَستغفرُ" "اكتبْ وأكرِمْ وانطلِقْ واستغفِرْ" .

وهمزةُ الأمر همزةُ وصلٍ مكسورةٌ، مثلُ "إِعلمْ، إِنطلِقْ، إستقبلْ" ، إِلا إن كان ماضيه على أربعة أحرف، فهي همزةُ قطعٍ مفتوحةٌ، مثلُ "أكرمْ وأحسنْ وأعطِ" ، أو كان ماضيه على ثلاثة أحرف، ومضارعهُ على وزن (يَفعُلُ، المضمومِ العين) فهي همزةُ وصلٍ مضمومةٌ، مثلُ "أُكتُبْ، أُنصُرْ، أُدخُلْ" ، فإِنَّ مضارعها "ينصُرُ ويكتُبُ ويدخُلُ" .

همزة الوصل

همزةُ الوصلِ هي همزةٌ في أوَّل الكلمة زائدةٌ، يُؤتى بها للتخلص من الابتداءِ بالساكن، لأنَّ العب لا تبتدئُ بساكنٍ، كما لا تَقِفُ على متحرّكٍ، وذلك كهمزة "اسمٍ واكتبْ واستغفِرْ وانطلاقٍ واجتماع والرَّجل" .

وحُكمُها أن تُلفَظ وتُكتب، إن قُرِئتْ ابتداءً، مثلُ "إسمُ هذا الرجل خالدٌ" ، ومثلُ "إستغفرْ ربكَ" ، وأن تُكتَبَ ولا تُلفَظَ، وإن قُرِئتْ بعد كلمة قبلها، مثلُ "إنَّ إسمُ هذا الرجل خالدٌ" ، ومثلُ "يا خالدُ إستغفرْ ربكَ" .

وهي قسمان سماعيّةٌ وقياسيّةٌ.

فالسّماعية محصورة في كلماتٍ وهي "ابنٌ وابنةٌ وامرُؤٌ وامرأةٌ واثنان واثنتانِ واسمٌ وأَيْمُنٌ" .

فوائد ثلاث

(1) من العلماء من يجعل لفظ "أيمن" كلمة وضعت للقسم ويجعل همزته همزة وصل ومنهم من يقول هو جمع يمين كأيمان ويجعل همزته همزة قطع تقول "يا خالد أيمنُ الله لأفعلنَّ كذا" بقطع الهمزة ويقال في "أيمن الله" "أيمُ الله" أيضاً بحذف النون.

(2) حركة الراء في "امرئ" تكون كحركة الهمزة بعدها فتقول "هذا امرُؤٌ" بضم الراء ورأيت "امرأ" بفتحها "ومررتُ بامرِئ" بكسرها وتُكتب همزته على الواو ان ضُمّت وعلى الألف إن فتحت وعلى الياءِ ان كسرت كما رأيت.

(3) إذا سبقت همزةُ الإستفهام همزَة أل قلبت همزة أل مدّة مثلُ

"الكتابَ تأخذ أم القلم" قال تعالى {قل اللهُ أذن لكم؟} ويجوز اسقاطها خطاً ولفظاً والإكتفاءُ بهمزة الإستفهام تقول "ألذّهب أنفع أم الحديد؟" .

والقياسيَّةُ تكونُ في كل فعل أمرٍ من الثُّلاثيّ المجرَّد "كاعلَمْ واكتُبْ" . وفي كل ماضٍ وأمرٍ ومصدرٍ من الفعل الخماسيّ والسداسيّ "كانطلَقَ وانطلقْ وانطلاقٍ، واستغفرَ واستغفِرُ واستغفارٍ" .

وهمزةُ الوصلِ مكسورةٌ دائماً، إلاّ في "ألْ وأُيمُنٍ) ، فإنها مفتوحةٌ فيهما، وفي الأمر من وزن" يَفعُلُ - المضمومِ العين - فإنها مضمومةٌ فيه، مثلُ "أُكتُبْ، أُدخُلْ" .

والماضي المجهولُ من الخماسيّ والسداسيّ تُضمُّ همزتُهُ تبعاً للحرف الثالث، فتقولُ في "إحتَمَلَ، إِستَغْفَرَ" "أُحتُمِلَ، أُستُغفِرَ" .

همزة الفصل

همزةُ الفصلِ (وتسمى همزةَ القطعِ أيضاً) هي همزةٌ في أوَّل الكلمة زائدةٌ، كهمزة "أكرمَ وأكرمُ وأُكرِمْ وإِكرام" .

وحكمُها أن تُكتبَ وتُلفظَ حيثما وقعتْ، سواءٌ قُرئت ابتداءً، مثلُ "أكرمْ ضيوفك" ، أم بعد كلمة قبلها، مثلُ "يا عليٌّ أكرِمْ ضُيوفك" .

وهمزةُ الفصل همزةٌ قياسيَّةٌ.

وهي تكونْ في أوائلِ بعض الجموع كأحمالٍ وأولادٍ وأنفُسٍ وأربُعٍ واتقياءٍ وأفاضلٍ.

وتكون أيضاً في الماضي الرُّباعيِّ وأمرهِ ومصدره، مثلُ أَحسنَ وأَحسنْ وإحسانٍ "، وفي المضارع المُسند إلى الواحد المتكلم مثلُ" أَكتبُ وأُكرمُ وأَنطلقُ وأَستغفِرُ "، وفي وزن" أفعلَ "، الذي هو للتّفضيل، مثل"

"أفضلَ وأسمى" ، أو صفةٌ مشبَّهةٌ، مثلُ "أحمرَ وأعورَ" .

وهي مفتوحةٌ دائماً، إلا في المضارع من الفعل الرباعي ومصدره، فإنها في الأول مضمومةٌ، مثل احسِنُ وأُعطي "، وفي الآخر مكسورة، مثل" إحسانٍ وإعطاءٍ "."
(موازين الأفعال)

لكلِّ فعلٍ ميزانٌ يُوزنُ به.

والميزانُ يتألَّفُ من ثلاثة أحرف، وهي "الفاءُ والعين واللام" . فيقال "كتب" على وزن "فَعَلَ" و "يكتُبُ" على وزن "يَفْعُلُ" و "اكتُبْ" على وزن "افعُلْ" .

ويقال لأحرُفِ "فعلَ" ميزانٌ، ولما يوزنُ بها "موزونٌ" .

ويُسمى ما يقابل فاءَ الميزان من أحرف الموزون. "فاءَ الكلمة" ، وما يُقابلُ عينَه "عينَ الكلمة" ، وما يُقابلُ لامَهُ "لامَ الكلمة" . فإن قلت "كتب" ، فتكون الكافُ فاءَ الكلمة، والتاءُ عينَها، والباءُ لامَها.

ويجبُ أن يكون الميزانُ مُطابقاً للموزون حركةً وسكوناً وزيادة أحرف. فإن قلت "كرُمَ" كانت على وزنِ "فَعُلَ" . وإن قلت "أكرَمَ" كانت على وزن "أفعلَ" . وإن قلت "كسرَ" كانت على وزن "فَعَلَ" وإن قلت "انكسرَ" كانت على وزن "انفعلَ" وهلُّمَّ جرَّا.

وكلُّ ما يُزادُ في الموزون يزاد في الميزان هو بعينه، إِلا إِن كان الزائدُ من جنس أحرف الموزون فيُكرَّرُ في الميزان ما يُماثُله، فيقالُ في وزن عَظَّم "فَعَّل" ، وفي وزن أغرَوْرَقَ "إفعَوْعَلَ" وفي وزن إحمارَّ "افعالَّ" .

(بتكرير عين "فعل" ، لأن الموزون، وهو "عظّم" ، مكرّر العين. وبتكرير عين "افعوعل" ، لأن الموزونه، وهو "اغرورق" ، مكرّر العين.

وبتكرير لام "افعال" ، لأن الموزون، وهو "احمارّ" مكرر اللام. أما مثل "أخرج وانكسر واستغفر" ونحوها، فان أحرفها الزائدة تزاد هي بعينها في الميزان، فيقال "افعل وانفعل واستفعل" . وقس على ذلك) .

أما إن كانت أحرفُ الموزون الأصليَّة أربعةً، فتُكرَّرُ لامُ الميزان، فيقالُ في وزن دحرج "فَعْللَ" . والمزيدُ في منه تُكرَّرُ لامُهُ أَيضاً، كما تُكرَّرُ في الأصليّ، فتقولُ في وزن احرنجمَ "افعنللَ" وفي وزن اقشعرَّ "افعَللَّ" .

أَوزان الأَفعال

للماضي من الأفعال خمسةٌ وثلاثون وزناً. ثلاثةٌ منها للثُّلاثيّ المجرَّد، واثنا عشر للثلاثيّ المزيد فيه، وواحدٌ للرباعي المجرَّد، وسبعةٌ للمُلحَق به، وثلاثةٌ للرباعي المزيد فيه، وتسعةٌ للمُلحق به.

أَوزان الثلاثي المجرد

للماضي من الثلاثيّ المجرَّد ثلاثةُ أوزان "فَعَلُ وفَعِلَ وفَعُلَ" .

1- وزن (فعل) المفتوح العين

وزنُ (فَعَلَ) - المفتوح العين ككتبَ وجلسَ وفتحَ يكون مضارعه، إما مضمومّها كيكتُبُ، وإما مكسورَها كيجلِسُ، وإما مفتوحَها كيفتَحُ.

وبابُ (فَعَل يَفعُل) - بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع -

يأتي منه، غير مُطردٍ الصَّحيحُ السالمُ كنصرَ ينصرُ، والمهموزُ الفاء كأخذَ يأخذُ. مويَطَّرِدُ فيه الأجوفُ والناقصُ الواويّانِ، نحو "قالَ يقولُ ودعا يدعو" ، والمضاعفُ المتعدّي، نحو "مَدَّهُ يَمدُّهُ" . وشَذَّ (حَبَّهُ يَحبُّهُ) . وجاءَ منه بعضُ أفعالٍ لوجهين ووهي "بَتَّ الحبلَ يَبُتُّه، وعَلَّهُ يَعُلُّهُ ويعِلُّهُ، ونَمَّ الحديث يَنُمُّهُ وينِمُّهُ، وشَدَّ يَشُدُّهُ ويَشِدُّهُ ورَمَّهُ يَرمُّهُ ويَرِمُّهُ، وهَر الشيء يَهُرُّهُ ويَهِرُّهُ" ، والمكسور منها شاذٌ في القياس.

ومما يختصُّ بهذا الباب ما يُرادُ به معنى الفوز في مَقام المُغالبة والمُفاخرة، نحو "كاتبني فكتبتُهُ أكتُبُهَ" ، أي غالبني في الكتابة فغلبتُهُ فيها. وحينئذ لا يكونُ إلا متعدياً، وإن كان في الأصل لازماً. فمثل "قعد" لازمٌ، فإن قلت "قاعدَني فقعَدتُهُ أقعُدُهُ" ، صار متعدياً.

وكلُّ فعلٍ تُريدُ به معنى الغلبّة والمفاخرة حوَّلْتَهُ إلى هذا الباب، وإن لم يكن منه، فتقول في "نَزلَ يَنزِلُ، وخَصَمهُ يخصِمُهُ، وعلِمهُ يَعلَمُهُ" "نازلني فَنَزَلتُهُ أنزُلُهُ، وخاصمني فَخصَمتُهُ، وعالمني فَعلَمتُهُ، أعلُمُهُ" ، أي غالبني في ذلك، فغلبتُهُ فيه. إلا ما كان منه مثالاً واويًّا مسكورَ العين في المضارع كوعدَ يَعِدُ، أو أجوَفَ يائياً كباعَ يبيعُ، أو معتلَّ الآخر بالياءِ كرمى يرمي، فإنه يبقى على حاله في باب المغالبة.

وبابُ "فَعَلَ يَفعِلُ" بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع - يطرد فيه المثالث الواويُّ، نحو "وثبَ يَثِبُ" (بشرط أن لا تكون لامُه حرفَ حلقٍ) كوَضعَ يَضَعُ ووَقَعَ يَقَعُ ووسِعَ يَسعُ، ووَطِيءَ يَطَأُ "، والأجوف اليائيُّ، نحو" شابَ يَشيبُ ". والمعتلُّ الآخر بالياءِ، نحو" قضى

يقضي "، بشرط أن لا تكون عينه حرفَ حلقٍ" كسعى يَسعى، ونَعى المَيْتَ يَنعاه "، والمَضاعف اللازم، نحو فَرَّ يَفِرُّ" وما جاءَ على خلاف ذلك فهو مخالف القياس.

وبابُ "فَعَلَ يَفعَلُ" - بفتح العين في الماضي والمضارع - يكثُرُ أن يجيءَ منه ما كانت عينُهُ أو لامهُ حرف حلقٍ، نحو "فتَحَ يَفتَحُ، وسألَ يَسألُ، ووضعَ يَضَعُ" .

ولا يكون الفعل مفتوحَ العينِ في الماضي والمضارع إلا إذا كانت عينه أو لامُهُ حرفاً من أحرف الحلقِ، مثلث "سألَ يَسألُ، وذهبَ يَذهَبُ، وجعلَ يجعلُ، وشغَلَ يَشغَلُ، وفتحَ يفتحُ، وشدَخَ يشدخُ" . وأما نحو "أبى يأبى، ورَكنَ يَركُنُ" ، فشاذُّ، ويجوز في الأَوَّل "أبى يأبي" من باب "فَعَلَ يَفعِلُ" المفتوح العين في الماضي، المكسورها في المضارع -.

ويجوز في الثاني "ركنَ يَركُنُ" بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع، و "رَكِنَ يَركَنُ" بكسرِها وفتحها في المضارع.

ووجودُ حرفِ الحلقِ في فعلٍ لا يوجبُ فتحَ عينه في الماضي والمضارع، فمثلُ "دَخَلَ يَدخُلُ، ورَغِبَ يرغبُ، وبغى يبغي، وسَمعَ يَسمعُ، ونَبُهَ ينبُهُ" وغيرها، ليست من هذا البابِ، معَ وجودِ حرف الحلقِ في مُقابل عينها أو لامها.

2- وزن (فعل) المكسور العين

وزن "فَعِلَ" بكسر العينِ - كعلِمَ، لا يكونُ مضارعه إلاّ مفتوح العينِ كيَعلَمُ، لأنه إن كان الماضي مكسورَ العين فمضارعه لا يكونُ، إلاَّ مفتوحَها، إلاّ أربعةَ أفعالٍ شاذةٌ، جاءَت مكسورةَ العين في الماضي

والمضارع. ويجوزُ في مضارعها الفتحُ، وهو الأفصحُ والأولى وهيَ "حسِبَ يحسَبُ ويحسِبُ، وبَئِسَ يَبأَسُ ويَبْئِسُ، ونَعمَ يَنعمُ، ويَئِسَ يَيْأَسُ ويَيْئِسُ" وجاء شُذوذاً "وَرِثَ يَرِثُ ووَمِقَ يَمِقُ وورِمَ الجرحُ يَرِمُ، ووثِقَ به يثِقُ، ووريَ الزَّندُ يَرِي، ووَفِقَ أمرَه يَفِقُهُ" وليس فيها إلاّ كسرُ العين في الماضي والمضارع، إلا "وَرِي يَرِي" فيجوز فيه "وَرَى يَرِي" بفتح العين في الماضي وكسرِها في المضارع - وهو الأفصح.

وتكثُرُ في هذا الباب الأفعالُ الدَّالةُ على العِلَل والأحزان وأضدادِهما، نحو "سَقِمَ وحَزِنَ وفَرِحَ" ، وما دلَّ على خُلُوٍّ أو امتلاءٍ، نحو "عَطِشَ وشَبِعَ" وتجيءُ الألوان والعُيوب والحِلى كلُّها عليه، نحو سوِدَ وعَرِجَ ودَعِجَ "."

3- وزن (فعل) بضم العين

وزنُ "فَعُلَ" بضمّ العين في الماضي - مثلُ "حَسُنَ" ، لا يكون مضارعهُ إلاّ مضمومَها، مثلُ "يَحسُنُ" .

يأتي من هذا البا ما دلَّ على الغرائز والطبائع الثابتة، نحو "كرُمَ، وعَذُب الماءُ، وحَسُنَ، وشَرُفَ، وجَمُلَ، وقَبُحَ" .

وكلُّ فعلٍ أردتَ التعجبَ به أو المدح، أو الذمَّ، حَوَّلتُهُ إلى هذا الباب، وإن لم يكن منه. (كما قدَّمنا في مبحث أفعال المدح والذَّم) نحو "كتُبَ الرجلُ سعيدٌ!" بمعنى "ما أكتبهُ!" تريدُ المدحَ والتعجب معاً.

وما كان على وزن "فَعُلَ" لا يكونُ إلاّ لازماً، لأنه لا يكون إلا لمعنًى مطبوعٍ عليه من هو قائمٌ به، (أي للسَّجايا والطبائع) مثلُ "كرُمَ ولؤُمَ" أو كمطبوعٍ عليه، مثلُ "فَقُهَ وخَطُبَ" ، (أي، "صارَ فقيهاً وخطيباً" وغيرُه يكونُ متعدّياً، ويكون لازماً.

وحركةُ العينِ في الأمر، من هذه الأوزان المذكورة، كحركة العين في مُضارعه، مثلُ "انصُرْ واجمُلْ وارجِعْ واسألْ واعلَمْ" .

وهذه الأوزان سَماعيَّةٌ كلها، إلا ما اطَّردَ منها.

أما أوزانُ المزيد فيه، فكلُّها قياسيَّةٌ، وكذا وزنُ الرُّباعيِّ المجرَّد.

أوزمان الثلاثي المزيد فيه

للثُّلاثيّ المزيد فيه اثنا عشرَ وزناً ثلاثةٌ للزيد فيه حرفٌ واحدٌ، وخمسةٌ للزيد فيه حرفان، وأربعةٌ للمزيد فيه ثلاثة أحرف.

فللثلاثيّ المزيد فيه حرفٌ واحد، ثلاثة أوزانٍ "أَفعَلَ" كأكرمَ و "فَعَّلَ" كفَرَّح، و "فاعَلَ" كسابق.

وباب "أفعل" يكون للتعدية غالباً. أي لتصيير اللازم متعدياً إلى مفعول واحد كدخل وأدخلته. فان كان متعدياً إلى واحد صار متعدياً إلى اثنين كلزم الأمرَ، وألزمته إياه.

وباب "فعّل" يكون للتكثير وللتعدية غالباً. فالتكثير يكون في الفعل،

نحو "طوّفت وجوّلت" أي أكثرت من الطواف والجولان. وفي الفاعل، نحو "موّتَت الإبلُ" أي كثر فيها الموت وفي المفعول، نحو "غلقت الأبواب" ، أي أبواباً كثيرة.

وباب "فاعل" يكون للمشاركة بين اثنين غالباً، نحو "راميته وخاصمته" ، والمعنى اني فعلت به ذلك، وفعل بي مثله.

وقد تأتي هذه الأبواب لمعان غير هذه قلما تنضبط. وانما تفهم من قرينة الكلام.

وللثلاثيّ، المزيد فيه حرفان، خمسة أوزان. وهي "انفعلَ" كانحصرَ، و "افتعلَ" كإجتمع، و "افعَلَّ" كاحمرَّ، و "تفَعَّل" كتعلَّمَ، و "تفاعلَ" . كتصالحَ.

وباب إنفعل يكون للمطاوعة، أي لمطاوعة المفعول للفاعل فيما يفعله به، كصرفته فانصرف. ولا ينفكّ هذا البابُ عن معنى المطاوعة. لهذا لا يكون إلا لازماً. ولا يكون مجرده إلا متعدياً.

وباب افتعل يكون للمطاوعة غالباُ، نحو جمعت القوم فاجتمعوا.

وباب افعلّ يكون للألوان والعيوب. فالألوان كاحمرّ. والعيوب كاعورّ.

ويقصد به المبالغة في معنى مجرده، ففي "احمرّ" زيادة ليست في "حمرَ" . وفي اعورّ زيادة ليست في "عوِرَ" .

وباب "تفعّلَ" يكون للتكلف غالباً، نحو "تعلّمَ وتصبر وتشجع وتحلم" . وقد يكون التكلف ممزوجاً بإِدعاء شيء ليس من شأن المدعي. نحو تكبر وتعظم وتسرّى، أي تكلف مظاهر الكبرياء والعظماء والسراة.

وباب "تفاعل" يكون للمشاركة بين اثنين كتسابق الرجلان، أو أكثر، كتصالح القوم.

وقد تأتي هذه الأفعال لمعان غير هذه لا تنضبط، وانما يعيّنها المقام.

وللثلاثيّ، المزيد فيه ثلاثةُ أحرُفٍ، أربعةُ أَوزانٍ "استفعلَ" كاستغفرَ و "افعوْعَلَ" كاخشَوْشَنَ، و "افعوَّلَ" كاعلوَّطَ، و "افعالَّ" كادهامَّ.

وصيغةُ "افعالَّ" مُشتركةٌ بين الماضي والأمر لفظاً. فإن كانت للماضي فأصلها "افعالَلَ" . وإن كانت للأمر فأصلُها "افعالِلْ" .

ويكون باب "استفعل" للطلب والسؤال غالباً، نحو "استغفرت الله" ، أَي سألته المغفرة، و "استكتبت زهيراً كلاماً، واستمليته إياه" ، أي سألته كتابته واملاءه. وهو يكون متعدياً كما رأيت. وقد يكون لازماً نحو "استحجر الطين" ، أَي صار حجراً. وإذا كان لازماً لم يكن بمعنى السؤال كما ترى.

وأبواب "افعوعل وافعوّل وافعالّ" تكون للمبالغة في معنى مجرّدها، أي انها تزيد في معناها على معنى المجرد منها.

وزن الرباعي المجرد

للرُّباعيّ المجرَّدِ وزنٌ واحدٌ، وهو "فَعْللَ" كدَحرجَ.

(ويكون متعدياً غالباً، نحو "دحرجت الحجرَ، وزلزلت البناء" . وقد يكون لازماً، نحو "حصحص الحقّ" أي بان وظهر، وبرهم الرجل

أي أدام النظر. والبرهمة سكون النظر وادامته) .

الرباعي المنحوت

وقد يصاغُ هذا الوزنُ بالنَّحت من مركَّبٍ لاختصار الكلام، كقولهم "عقربتُ الصُّدغَ" (أي لويته كالعقرب) ، وفلفلتُ الطعامَ "(إذا وضعتُ فيه الفُلفل) ، و" نرجستُ الدواءَ "(إذا وضعتُ فيه النرجس) ، و" عصفرتُ الثوب "(إذا صبغته بالعُصفر) ، و" بسلمتُ وحمدلتُ وحَوْقلتُ وحسبلتُ وسَبحَلتُ وجعفلتُ "(إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبي الله، وسبحان الله، وجعلني الله فداءَك) ."

ويُسمى هذا الصنيعُ (النَّحتَ) ، وهو أن تختصرَ من كلمتين فأكثر كلمةً مواحدة. ولا يُشترط فيها حفظُ الكلمات بتمامها، ولا الأخذ من كل الكلمات، ولا موافقة الحركاتِ والسكنات، على الصحيح، كما يُعلم من شواهد ذلك. لكنه يشترط فيها اعتبار ترتيب الحروف.

والنحتُ، على كثرته، في لغتنا، غيرُ قياسي، كما هو مذهب الجمهور. ومن المحققين من جعله قياسياً، فكلُّ ما أمكنك فيه الاختصارُ، جاز نحتُه. والعصرُ الحاضرُ يحملنا على تجويز ذلك والتوسعَ فيه.

ومن المسموع أيضاً "سمعلَ وطَلْبَقَ" (إذا قال السلام عليكم، وأطال الله بقاءك) . ومنه "بَعْثَرَ" (أي بعثَ وأثار) . قال الزمخشريُّ في قوله تعالى {وإذا القبورُ بُعثِرَتْ} هو منحوتٌ من "بُعِثَ وأُثير ترابُها" .

الملحق بدحرج

يُلحَقُ بدْحرج سبعةُ أَوزانٍ من الثلاثي المزيد فيه حرف واحدٌ. وهي "شَمْللَ" - بوزن "فَعْلَلَ" - و "جَهْوَرَ" - بوزن "فَعْوَلَ" و "رَوْدَنَ" بوزن "فوْعل" - و "رهيأ" - بوزن "فعْيل" - و "سيْطر" - بوزن "فيْعل" و "شَنْتر" - بوزن "فنْعل" - و "سلْقى" - بوزن "فيْعل" .

(وإنما كانت ملحقة بدحرج، لان مصدرها ومصدره متحدان في

الوزن. فمصدر فعلل "الفعللة" ، ومصدر فعول "الفعولة" ومصدر فوعل "الفوعلة" الخ) .

تحقيق في معنى الالحاق

الإلحاق أن يزاد على أحرفِ كلمةٍ، لتوازن كلمةً أخرى. وشرط الإلحاق في الأفعال اتحاد مصدري الملحق والملحق به، كما ترى في هذه الأفعال.

والإلحاق لا يكون في أول الكلمة. وإنما يكون في وسطها، كالنون من "شنْتر" ، أو في آخرهاكالألف المنقلبة عن الياءِ في "سلْقى" ولذلك لم يكن نحو "تمنطق وتمسكن وتمدرع وتمندل وتمذهب وتمشيخ" مُلحقاً بتدحرج، لأنَّ الميم ليست زائدةً بين أصول الكلمة. ومع هذا فليست زيادتها لقصد الإلحاق، لأن هذه الأفعال مبنيةٌ على "المنطقة والمسكين والمدْرعة والمنديلُ والمذْهب والمشيخة" ، فهي على زنة "تدحرج" أَصالة لا إلحاقاً، باعتبار أن الميم كالأصل توهماً. فقد توهموا أصالة الميم في هذه الأسماءِ فبنوا الفعل عليها. فوزنها "تفعللَ" لا "تمفعلَ" هذا هو الحقُّ الذي عليه المحققون من العلماء.

وما يزاد للإلحاق، لا يكون مزيداً لغرضٍ معنويّ تطَّرد زيادتُه لأجله. فهو ليس كالزيادة في نحو "أكرم وقاتل واستغفل" ، ممّا زيادته لغير الإلحاق. وإنما هي لمعنًى اقتضى هذه الزيادة.

وقد تُخرجُ الزيادةُ للإلحاق الفعلَ عن معناه إلى معنًى آخر، مع بقاءِ رائحةِ من المعنى الأوَّل. فمثلُ "عثير" معناهُ أثار العِثْير (بكسر العين وهو التراب، والغبار) . والمجرَّد وهو "عثر" معناه زلَّ وكبا. ويقال أيضاً "عثر على الشيءِ" إذا وجده. ومنه "عثر على السرّ ونحوه" إذا اطَّلع عليه. ومثلُ "حوقل" يأتي بمعنى عجز، وأعيا، وضعُف، ونام،

ومضى فتعب، ووضع يديه على خصره. وكلُّ ذلك راجعٌ إلى معنى الضعف. وأصله من "حقل الفرص" "من باب فرح" إذا أصابه وجع في بطنه من أكل التراب وذلك ما يُضْعفه ويُعيه. و "حوقل" هذه غير "حوقل" إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه منحوتة من مركب، فهي على وزن "دحرج" أصلاً، لا إلحاقاً كما كما توهموا، لأن الواو فيها هي واو "حوْل" ، فهي أصلية لا زائدة.

واعلم أنَّّ ما كان من الكلمات ملحقاً بغيره في الوزن لا يجري عليه إِدغامٌ ولا إِعلالٌ، وإن كان مستحقَّهما، كيلا يفوت بهما الوزن.

وهذا من علامات الإلحاق أيضاً. فمثلُ شمللَ واقعندَدَ مُستحقٌّ للإدغام، لأن فيه حرفينِ مُتجانسينِ مُتجاورينِ. ومثلُ "جَهْوَرَ" مستحقٌّ للإعلال بقلبِ الواو ألفاً. لكنه لم يجرِ على ما ذكر إدغامٌ ولا إِعلال، لما ذكرنا. وإنما أعِلَّ نحو "سلقى" لإنَّ الإعلال جرى على آخر الكلمة، وذلك لا يفوتُ به الوزنُ، لأنَّ الآخر يُصبحُ ساكناً، فيكون كالموقوف عليه بالسكون. والوقفُ على آخر الكلمة بإسكانه لا يفوت به وزنها.

وزن الرباعي المزيد فيه

للرُّباعيِّ المزيدِ فيه حرفٌ واحدٌ، وزنٌ واحدٌ. وهو "تَفَعْلَلَ" كتدحرجَ.

وهو يُبنى للمطاوعة، أي مطاوعة المفعول الفاعل فيما يفعله وقبول أثر فعله. ولا يكون إلاّ لازماً، نحو "سرولته فتسرول" أي أَلبسته السراويل فلبسها، ونحو "سقلبته فتسقلب" . أي طرحته وصرعته فانصرع. والعامة تقول "شقلبه" بالشين المعجمة.

ويُلحَقُ به ستةُ أوزانٍ من الثلاثيّ المزيدِ حرفانِ، وهي (تَمَعْدَدَ) - بوزن "تَفَعْلَلَ" - و (تَسَرْوكَ) - بوزن "تَفَعْوَلَ" - و (تَكوْثرَ) بوزن "تَفوَعَلَ" - و (تَرهيأ) بوزن "تَفَعيلَ" - و (تَسَيْطَرَ) بوزن "تَفَيْعَلَ) - و (تَجَعْبَى) - بوزن" تَفَعْلى "."

وللرُّباعي المزيد فيه حرفانِ وزنانِ "افعَنْلَلَ" كاحرنجمَ، وافعَلَلَّ "كاقشَعَرَّ."

(وباب "افعنلل" يبنى للمطاوعة، نحو "حرجمت القوم فاحرنجموا" . وباب "افعلل" يبنى للمبالغة) .

ويُلحقُ به ثلاثةُ أوزانٍ من الثُّلاثيّ المزيد فيه ثلاثةُ أحرف وهي (اقعَنْسسَ) بوزن "افعَنْلَلَ" و (احرنبى) - بوزن "افعنْلى" و (استلْقى) بوزن "افتعْلى" .

(تصريف الفعل مع الضمائر)

تصريفُ الفعلِ تحويلُهُ بحسب فاعلهِ. فيُحوَّلُ من ضمير المفرد إلى ضمير المثنى أو الجمع، ومن ضمير المذكر إلى ضمير المؤنثِ، ومن ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب أَو المتكلم.

ويتصرَّفُ الماضي والمضارع على أربعة عشر مثالا ثلاثة منها للغائب، وثلاثة للغائبة، وثلاثة للمخاطب، وثلاثة للمخاطبة، واثنان للمتكلم، ويتصرَّفُ الأمر على ستة أمثلة ثلاثة للمخاطب وثلاثة للمخاطبة.

تصريف السالم والمهموز

يتصرَّفُ السّالمُ والمهموزُ من الأفعالِ الثلاثة بلا تغييرٍ فيهما، إِلا الأمر من "أخذ وأَكل وأَمر" فقد جاءَ بحذف الهمزة، فيقالُ "خُذ وكُلْ ومُرْ" ، وإلا الأمر من "سألَ يسألُ" ، فإنه "سَلْ واسأَلْ" ، وإلا المهموز الأوَّلِ في المضارع المُسندِ إلى الواحد المُتكلم، فإن همزته الثانية تنقلب مدَّةً، مثلُ "آخذُ وآنَفُ وآمرُ وآتي وآمَنُ" ، وإِلا الأمر من المهموز الأول، إن نُطِقَ به ابتداءً، فإن همزته تنقلبُ واواً، إن ضُمَّ ما قبلها، مثلُ "أُومُلْ يا زُهيرُ الخيرَ" ، وياءً إن كُسرَ ما قبلَها مثلُ "إيتِ يا أُسامةُ المعروفَ" فإن نُطقَ به موصولا بما قبَلهُ، ثبتت همزته على حالها، مثلُ "يا زهير اؤْمُل الخيرَ، ويا أُسامةُ ائْت المعروفَ" والمضارعُ من رأى "يَرَى" . والأمرُ منه "رَ" نحو "رَ البدرَ" . فإن وقفت عليه قلتَ "رَهْ" تُلْحِقُ به هاءَ السَّكت.

تصريف المضاعف

يتصرَّفُ المُضاعَفُ بِفكِّ تشديدهِ مع ضمائر الرفع المتحركة، مثلُ "مَدَدْتَ ومَدَدْتُ ومَدَدْنا ومَدَدْنَ ويَمْددنَ وامدُدنَ" .

ويجوز فيه - إن كان فعل أمرٍ للواحد، أو مضارعاً مقترناً بلام الأمر،

مُسْنداً إلى الواحد - أن يقال فيهما "مُدَّ وليُمُدَّ" ، بالتَّشديد، و "امدُد وليَمْدُدْ" بفكّهِ.

تصريف المثال

يتصرفُ المثالُ الواويُّ، المكسورُ العين في المضارع، والمفتوُحها في الماضي والمضارع، بحذف واوِه في جميع تصاريفِ المضارعِ والأمر مثل "يَرِثُ ورِثْ، ويَعِدُ وعِدْ، ويضعُ وَضَعْ ويَهَبُ وَهبْ" .

أما المثالُ اليائِيُّ فيتصرف كالسالم، مثلث "يَسَرَ، يَيْسِرُ، إِيسِرْ" . كذا المثالُ الواوِيُّ المسكورُ العين في الماضي، المفتوحُها في المضارع، فلا تُحذفُ الواو من مضارعه، مثلُ "وَجِلَ يَوْجَلُ، ووَسِخَ يَوْسَخُ" ، ولا من أمرهِ، لكنها تنقلبُ في الأمر ياءً، لوقوعها ساكنة بعد كسرة مثلُ "إِيجَلْ" ، والأصلَ "إوْجلْ" إلا إن ضُمَّ ما قبلها - بأن وقعت في دَرْج الكلام بعد حرفٍ مضموم - فإنها تكتبُ ياءً وتُلفظ واواً، نحو "يا فلانُ ايجلْ" فتلفظ هكذا "يا فلانُ اوجَلْ" .

وشذَّ من ذلك "وطِىءَ الشيءَ يَطَؤُهُ، ووسِعَني الأمرُ يسعُني" والأمرُ منهما "سَعْ وَطأ" بحذف الواو في المضارع والأمر.

تصريف الاجوف

يتصرفُ الأجوفُ بحذف حرف العلَّة مع ضمائر الرفع المتحركة، مثلُ "قلتُ وقلنا وقلتم وتَقلْنَ وقُلْنَ" ، وفي الأمر المفرد المخاطب، مثلُ

"قُلْ، وبِعْ" .

وإذا أُسند الماضي الأجوفُ الثلاثيُّ المجرَّدُ إلى ضمائر الرفع المتحركة، ضُمَّ أوَّله إن كان أجوفَ واويًّا من باب (فَعَلَ يَفعُلُ) نحو "قُلتُ، والنساءُ قُلْنَ" ، وكُسر إن كان أجوفَ يائيّاً، نحو "بِعْتُ، والنساءُ بعْنَ" ، أو أجوفَ واويًّا من باب (فَعِلَ يَفْعَلُ) ، نحو خِفْتُ، والنساءُ خِفْنَ "."

فإذا بنيتَ ذلك للمجهول عكستَ، فتقولُ "قِلْتُ، والنساءُ قِلْنَ، وبُعْتُ، والنساءُ بُعْنَ وخُفتُ، والنساءُ خُفْنَ" لئلا يلتبسَ معلومُ الفعل بمجهولهِ.

(1) فائدة - صيغة الماضي والأمر، والأجوفين المسندين إلى نون النسوة، واحدة، مثل "النساء قلن وبعن، ويا نساء قلن وبعن" ، إلا أنّ أصلهما في الماضي "قالن وباعن" ، وأصلهما في الأمر "قولن وبيعن" ) .

تصريف الناقص

يتصرفُ الناقصُ بحذف آخره مع واو الجماعة وياءِ المخاطبةِ، مثلُ "رَمَوْا ورَضُوْا، ويرمونَ ويَرضَوْنَ، وارمُوا وارضَوْا، وترمِينْ وتَرضَيْنَ، وادميْ وارضَيْ" . وبحذفِ ألِفهِ في الماضي مع تاء التأنيثِ، مثلُ "رَمَتْ ورَمَتا، ودَعتْ ودَعتا" . وبِقلبها ياءً مَعَ ضمير الغائببين وضمائر الرفع المُتحرِّكة مثلُ "سَعَيا ويَسْعَيان واسعَيا وسَعَيْتُ وسَعَيْنا وسَعَينَ ويسعَينَ واسْعَينَ" ، إِلا

إِذا كانت ثالثةً، وأصلُها الواوُ، فتنقلبُ واواً مع هذه الضمائر، مثل "دَعَوَا ودَعَوْتُ ودَعَوْنا ودَعَوْنَ" .

ثم إن كان المحذوفُ ألفاً يبق ما قبلَ واوِ الجماعة وياء المخاطبة مفتوحاً، فتقولُ في "رمى ويَرضى وارضَ" "رَمَوا ويرْضَوْنَ وارضَوْا وتَرضَينَ وارضَيْ" .

وإن كان المحذوفُ واواً يبقَ ما قبلَ واوِ الجماعة مضموماً، ويُكسرُ ما قبلَ ياءِ المخاطبة، فتقول في سَرُوَ ويدعو وادعُ "سروا ويَدعون وادعُوا وتَدْعينَ وأدعِي" .

وإِن كان المحذوفُ ياءً يبقَ ما قبلَ ياءِ المخاطبة مكسوراً، ويُضَمُّ ما قبلَ واو الجماعة، فتقولُ في يرمي وارمِ "تَرمينَ وارمِي، وتَرمونَ وارمُوا" .

يبقى الفعلُ الناقصُ - فيما عدا ما تقَدَّم - على حالهِ، نحو "سَرُوتُ ورَضِيتُ، والنساءُ يَدعونَ ويَرمِينَ" .

تصريف اللفيف

يتصرَّفُ اللَّفيف المقرونُ كالناقِص، مثلُ "طَوَوْا ويَطْوونَ واطووا وتَطْوينَ وطَوَتْ وطَوَتا وطَوَيْتَ وطَوَينَ" .

ويتصرَّفُ اللَّفيفُ المفروقُ كالمثال، باعتبارِ فائهِ، وكالناقصِ، باعتبار لامهِ، مثلُ "وَفَوْا ويَفِي يَفونَ وفِ وفي وفِيا وفُواوِفينَ ووَفَتْ ووَفَتا ووَفَيْتُ ووَفَيْنا ووَفَيْنَ" .

فائدتان

(1) ويأتي المضارع، من المعتل الآخر بالواو، بلفظ واحد لجماعتي الذكور والإناث.

فتقول "الرجال يدعون ويا رجال تدعون، والنساء يدعون" إلا أن الواو مع جماعة الذكور هي ضمير الجمع، ولام الكلمة محذوفة. والواو مع جماعة الإناث هي لام الكلمة اتصلت بنون النسوة، ولم يحذف من الفعل شيءُ.

(2) يأتي المضارع من المعتل الآخر بالألف أو الياء بلفظ واحد للواحدة المخاطبة وجمع الإناث المخاطبات، فتقول "ترضين وتمشين يا فتاة وترضين وتمشين يا فتيات" إِلا أن التاء مع المخاطبة الواحدة هي ضمير الخطاب، ولام الكلمة محذوفة، والياء مع المخاطبات هي لام الكلمة اتصلت بها نون النسوة، ولم يحذف من الفعل شيءٌ.

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية